اكتشاف ظاهرة كونية "غير متوقعة" قد تعيد صياغة نظريات عناقيد المجرات

time reading iconدقائق القراءة - 6
تصور فني لتجمع مجري يتشكل في الكون المبكر - dal.ca
تصور فني لتجمع مجري يتشكل في الكون المبكر - dal.ca
القاهرة -محمد منصور

رصد فريق دولي من علماء الفلك، تقوده مجموعة بحثية كندية، ظاهرة كونية غير متوقعة قد تفرض إعادة النظر في النماذج الحالية لتكوّن عناقيد المجرات.

وعناقيد المجرات هي أكبر الهياكل المترابطة بالجاذبية في الكون، وتتكون من مئات إلى آلاف المجرات، إضافة إلى كميات هائلة من الغاز شديد السخونة المنتشر بينها والمادة المظلمة، وترتبط مكوناتها معاً بقوى الجاذبية وتلعب دوراً أساسياً في فهم تطور المجرات وبنية الكون على أوسع المقاييس.

ورصد الباحثون عنقود مجرات فتياً للغاية، يعود تاريخه إلى نحو 1.4 مليار سنة فقط بعد ما يُعرف بـ"الانفجار العظيم"، تحيط به سحابة من الغاز شديد السخونة، بحرارة تفوق توقعات النظريات السائدة بخمسة أضعاف، بل وتتجاوز ما يُرصد في كثير من عناقيد المجرات الناضجة في الكون المعاصر.

وأشارت الدراسة، التي نُشرت في دورية "نيتشر" Nature، إلى أن هذا الاكتشاف يتحدى الفهم التقليدي لتطور عناقيد المجرات، إذ تفترض النماذج الحالية أن مثل هذه الدرجات العالية من حرارة الغاز داخل العناقيد لا تظهر إلا في مراحل متأخرة من عمر الكون، عندما تكون العناقيد قد وصلت إلى حالة من النضج والاستقرار. غير أن النتائج الجديدة أوضحت أن الكون المبكر كان قادراً على إنتاج بيئات أكثر عنفاً وطاقة مما كان يُعتقد سابقاً.

وقال المؤلف الرئيسي للدراسة، داتشي تشو، من قسم الفيزياء وعلم الفلك بجامعة كولومبيا البريطانية، إن الفريق البحثي لم يكن يتوقع على الإطلاق العثور على غلاف غازي بهذه السخونة في هذا التوقيت المبكر من التاريخ الكوني.

وأضاف داتشي تشو، أنه في البداية كان متشككاً في الإشارة التي التقطتها الأجهزة، نظراً لقوتها الشديدة، لكن بعد أشهر من التحليل والتحقق الدقيق، تأكد الباحثون أن الغاز المرصود أكثر سخونة بما لا يقل عن خمسة أضعاف مما تتنبأ به النماذج، بل وأكثر طاقة من الغازات الموجودة في العديد من عناقيد المجرات الحالية.

ثقوب نشطة

ورأى الباحثون أن هذا الاكتشاف يشير إلى أن عمليات ضخ هائلة للطاقة كانت تحدث في الكون المبكر، على الأرجح بفعل ثلاثة ثقوب سوداء فائقة الكتلة جرى اكتشافها حديثاً داخل هذا العنقود.

وقال المؤلف المشارك في الدراسة، سكوت تشابمان، إن هذه الثقوب السوداء النشطة كانت تضخ كميات ضخمة من الطاقة في الوسط المحيط، وتعيد تشكيل العنقود الناشئ في وقت أبكر وبشدة أكبر بكثير مما كان يُتصور.

وركزت الدراسة على عنقود مجرات يُعرف باسم SPT2349-56، وهو ما يمكن وصفه بـ"عنقود رضيع" نظراً لصغر عمره الكوني.

ولرصد هذا النظام البعيد، نظر الباحثون إلى الماضي نحو 12 مليار سنة باستخدام مصفوفة تلسكوبات أتاكاما المليمترية وتحت المليمترية، وهي شبكة متطورة من التلسكوبات الراديوية وقد أتاح الرصد الفريد قياسات دقيقة لخصائص الغاز في أعماق الكون المبكر.

وعلى الرغم من صغر سنه، يُعد هذا العنقود ضخماً بشكل لافت، إذ يمتد قلبه لمسافة تقارب 500 ألف سنة ضوئية، أي بحجم قريب من الهالة المحيطة بمجرة درب التبانة.

ويضم العنقود أكثر من 30 مجرة نشطة، ويشهد معدل تكوّن نجوم يفوق ما يحدث في مجرتنا بأكثر من 5000 مرة، وكل ذلك ضمن منطقة مدمجة نسبياً، ما يجعله مختبراً كونياً فريداً لدراسة بدايات تشكل الهياكل الكبرى في الكون.

واعتمد الباحثون في تحليلهم على ظاهرة فيزيائية تُعرف بـ"تأثير سونيايف-زيلدوفيتش" (Sunyaev-Zeldovich effect) وهي أداة كونية مهمة تسمح لعلماء الفلك بقياس الطاقة الحرارية للغاز الموجود بين المجرات داخل العناقيد. ومن خلال هذا التأثير، تمكّن الفريق البحثي من تقدير حرارة الوسط داخل العنقود بدقة، وتأكيد أن الطاقة الحرارية فيه أعلى بكثير من المتوقع.

المجرات العملاقة

وأكد تشابمان، أن فهم عناقيد المجرات يمثّل مفتاحاً لفهم أكبر المجرات في الكون، إذ أن هذه المجرات العملاقة غالباً ما تعيش داخل عناقيد، ويتحدد مسار تطورها إلى حد كبير بالبيئة القاسية التي تتشكل فيها، بما في ذلك الغاز الساخن الذي يملأ الفراغات بينها، وبالتالي فإن أي خلل في نماذج تشكل العناقيد ينعكس مباشرة على فهم نشأة المجرات نفسها.

ووفقاً للنماذج التقليدية، تتجمع كميات هائلة من الغاز تدريجياً لتكوين الوسط بين المجرات داخل العنقود، ثم ترتفع حرارته بفعل التفاعلات الجاذبية مع نضوج العنقود ودخوله مرحلة الانهيار والاستقرار، غير أن الاكتشاف الجديد يوحي بأن "ولادة" عناقيد المجرات قد تكون أكثر انفجاراً وعنفاً، وأن عمليات التسخين القوي قد تبدأ في وقت أبكر بكثير، وربما بدفع مباشر من نشاط الثقوب السوداء الفائقة الكتلة وتكوين النجوم المحموم.

ويخطط الفريق البحثي الآن للغوص أعمق في فهم كيفية تفاعل هذه العناصر معاً مثل التكوين النجمي الكثيف، ونشاط الثقوب السوداء، والغلاف الغازي شديد السخونة.

وتساءل داتشي تشو، كيف يمكن لكل هذه العمليات أن تجري في الوقت نفسه داخل نظام فتي ومضغوط بهذا الشكل، وما الذي تخبرنا به عن الطريقة التي بُنيت بها عناقيد المجرات الضخمة التي نراها اليوم.

ونوّه الباحثون إلى أن هذا الاكتشاف لا يضيف مجرد حالة شاذة إلى سجل الرصد الفلكي، بل قد يمثّل علامة على أن النماذج الكونية الحالية تحتاج إلى تعديل جوهري، سواء في توقيت تشكل العناقيد أو في الدور الذي تلعبه الثقوب السوداء والطاقة المبكرة في صياغة بنية الكون على أوسع المقاييس.

تصنيفات

قصص قد تهمك