
طور باحثون نظام تصوير باستخدام الموجات فوق الصوتية قادر على رصد العيوب الداخلية لجميع أنواع الخرسانة بدقة ثلاثية الأبعاد، دون حاجة إلى إتلاف المنشآت أو تعديل النظام يدوياً بحسب طبيعة المادة.
ويمثل هذا النظام الذي جاء نتيجة دراسة نشرتها دورية Applied Physics Letters، خطوة نوعية في مجال الاختبارات التي لا تؤدي إلى التلف، خصوصاً الطرق والجسور والمنشآت الخرسانية الحيوية.
وتعد الخرسانة العمود الفقري للبنية التحتية الحديثة، فهي المادة الأكثر استخداماً في بناء الجسور، والأنفاق، والسدود، والمباني السكنية والصناعية، ورغم بساطة مظهرها الخارجي، إلا أن تركيبها الداخلي شديد التعقيد، إذ تتكون من خليط غير متجانس من الزلط، والرمل، والأسمنت، والماء، وأحيانا معادن مثل خام الحديد، وهو ما يجعلها مادة صعبة الفحص من الداخل، لأن كل مكون يتفاعل مع الموجات الصوتية بطريقة مختلفة.
رؤية ما داخل الخرسانة
ومع تقدم عمر المنشآت، تبدأ التشققات الدقيقة، والفراغات، والانفصالات الداخلية في الظهور، ما يهدد سلامة المباني إذا لم تكتشف العيوب مبكراً، ومن هنا تبرز الحاجة إلى تقنيات فحص تستطيع "رؤية" ما بداخل الخرسانة دون تكسيرها أو تعطيل استخدامها.
تعتمد معظم طرق الفحص غير الإتلافي للخرسانة على إرسال موجات صوتية أو فوق صوتية داخل المادة، ثم تحليل الموجات المرتدة أو الخارجة لتكوين صورة عن البنية الداخلية، في عملية تشبه إلى حد كبير فحوصات الموجات فوق الصوتية المستخدمة في الطب لرؤية الأعضاء الداخلية لجسم الإنسان.
لكن التشبيه يتوقف عند هذا الحد، فبينما تعد أنسجة الجسم البشري متقاربة نسبياً في خصائصها الصوتية، فإن الخرسانة مادة شديدة التباين، ما يؤدي إلى تشتت الموجات فوق الصوتية وامتصاصها، ما يجعل الحصول على صورة واضحة أمراً بالغ الصعوبة باستخدام الأنظمة التقليدية.
وتعتمد الأنظمة التقليدية لفحص الخرسانة بالموجات فوق الصوتية غالباً على تردد واحد أو نطاق ضيق من الترددات؛ ما يضطر الفني أو الباحث إلى اختيار التردد المناسب مسبقاً بناء على نوع الخرسانة وسمكها، وهو أمر ليس سهلاً دائماً، خصوصاً في المنشآت القديمة أو غير الموثقة، فإذا كان التردد عالياً أكثر من اللازم، فربما تمتص الموجات بسرعة ولا تخترق العمق المطلوب؛ وإذا كان منخفضاً أكثر من اللازم، فإن الدقة المكانية تقل، ويصبح من الصعب تمييز العيوب الصغيرة. هذا التوازن الدقيق جعل فحص الخرسانة عملية تعتمد بشكل كبير على الخبرة البشرية والتجربة والخطأ.
لذلك، عمل فريق باحثين مشترك من جامعة توهوكو في اليابان، ومختبر لوس ألاموس الوطني في الولايات المتحدة، وجامعة تكساس إي أند إم، على تطوير حل مختلف جذرياً يتمثل في نظام تصوير فوق صوتي يستخدم نطاقاً عريضاً جداً من الترددات، بدلاً من تردد واحد ثابت.
موجات عريضة النطاق
قال الباحث الرئيسي في الدراسة، يوشيكازو أوهارا، إن الفكرة الأساسية تعتمد على إرسال موجات فوق صوتية "عريضة النطاق" إلى داخل الخرسانة، أي أنها تحتوي على مجموعة واسعة من الترددات في الوقت نفسه؛ وفي المقابل، يكون جهاز الاستقبال قادراً على التقاط نطاق أوسع من ذلك، ما يسمح للنظام بالتعامل مع مختلف أنواع الخرسانة تلقائياً.
ويتكون النظام من عنصرين رئيسيين؛ مصدر يولد موجات فوق صوتية عريضة النطاق، وجهاز استقبال متطور يعرف باسم مقياس الاهتزاز بالليزر دوبلر؛ وهذا الجهاز لا يحتاج إلى ملامسة سطح الخرسانة، بل يستخدم الليزر لقياس الاهتزازات الدقيقة جداً على السطح الناتجة عن مرور الموجات الصوتية من الداخل إلى الخارج.
ولا يتطلب هذا النظام أي ضبط يدوي للترددات، ولا يحتاج إلى تبديل المجسات الصوتية عند الانتقال من نوع خرسانة إلى آخر؛ كما في الأنظمة التقليدية إذ يضطر الفني إلى تغيير المجس أو إعادة معايرة الجهاز عدة مرات، ما يستغرق وقتاً وجهداً ويزيد احتمال الخطأ.
وفي النظام الجديد، تتكيف الترددات مع المادة تلقائياً، وأوضح أوهارا: "لا حاجة لأي ضبط يدوي. الخرسانة نفسها تختار الترددات التي يمكنها تمريرها، ونحن نلتقط ما تبقى".
معالجة حاسوبية
بعد التقاط الموجات الخارجة من الخرسانة، تأتي مرحلة المعالجة الحاسوبية، وهي عنصر أساسي في نجاح النظام، واستخدم الباحثون خوارزميات تصوير كانوا طوروها من قبل، ثم عدلوها لتناسب البيانات العريضة النطاق.
وتستطيع هذه الخوارزميات دمج المعلومات القادمة من ترددات مختلفة، وإعادة بنائها في صورة ثلاثية الأبعاد عالية الدقة تظهر العيوب الداخلية ومواقعها بدقة كبيرة، والنتيجة ليست مجرد صورة مسطحة، بل نموذج ثلاثي الأبعاد يوضح عمق العيب، وحجمه، وشكله، وامتداده داخل الكتلة الخرسانية.
وتكمن أهمية هذا التطور في أنه لا يقدم معلومات نظرية فقط، بل بيانات عملية يمكن استخدامها مباشرة في اتخاذ القرارات، فبالنسبة لمهندس صيانة أو مخطط إصلاح، فإن معرفة وجود عيب داخلي لا تكفي وحدها، بل معرفة عمقه بالنسبة لسطح الخرسانة، وحجمه، وهل هو محدود في منطقة صغيرة أم ممتد على نطاق واسع.
ويوفر النظام الجديد هذه المعلومات بشكل واضح، ما يسمح بتخطيط أعمال الصيانة بدقة أكبر، وتحديد ما إذا كانت هناك حاجة إلى إصلاح موضعي بسيط، أو تدخل إنشائي أوسع، أو حتى إغلاق المنشأة مؤقتا لأسباب تتعلق بالسلامة.
وتزداد أهمية تقنيات الفحص المبكر في ظل الحوادث المتكررة لانهيار الجسور أو تضرر الطرق حول العالم، فكثير من هذه الحوادث يعود إلى عيوب داخلية لم تكتشف في الوقت المناسب، إما بسبب صعوبة الفحص أو محدودية التقنيات المتاحة.
ويرى الباحثون أن النظام الجديد يمكن أن يسهم في تقليل هذه الأخطار من خلال توفير أداة أكثر ثقة ومرونة لفحص الخرسانة، خصوصاً في المنشآت القديمة التي شيدت بخلطات وطرق مختلفة عن المعايير الحديثة.
ورغم أن الدراسة لا تزال في الإطار البحثي، إلا أن مكونات النظام تعتمد على تقنيات معروفة نسبياً، مثل الموجات فوق الصوتية والقياس بالليزر، ما يفتح الباب أمام تحويله إلى نظام عملي قابل للاستخدام في المواقع الميدانية.










