
طور باحثون أداة جديدة باستخدام الذكاء الاصطناعي قادرة على تحليل صور الرنين المغناطيسي للدماغ واستخلاص مؤشرات صحية معقدة دون الحاجة إلى بيانات معنونة بشكل مكثف، في خطوة قد تحدث تحولاً هاماً في تشخيص الأمراض العصبية والسرطانية.
وتمثل الأداة الجديدة، التي تحمل اسم BrainIAC، نموذجاً تأسيسياً عاماً في مجال تصوير الدماغ، وجرى تدريبها والتحقق من دقتها باستخدام ما يقارب 49 ألف صورة رنين مغناطيسي متنوعة،
وأفادت الدراسة التي نشرتها دورية Nature Neuroscience بأن BrainIAC يتميز بقدرته على تنفيذ عدد كبير من المهام الطبية المختلفة انطلاقاً من صور الرنين المغناطيسي نفسها، إذ يستطيع تقدير العمر البيولوجي للدماغ، والتنبؤ بمخاطر الإصابة بالخرف، والكشف عن طفرات جينية في أورام الدماغ، إضافة إلى التنبؤ بمعدلات البقاء على قيد الحياة لدى مرضى سرطان الدماغ.
ووفقاً للباحثين، فإن هذا النموذج تفوق على نماذج ذكاء اصطناعي أخرى صممت لأداء مهام محددة، لا سيما في الحالات التي تكون فيها بيانات التدريب قليلة أو غير مكتملة.
تحسين أدوات التشخيص
أوضح المؤلف المشارك في الدراسة بنجامين كان، رئيس برنامج استخدامات الذكاء الاصطناعي في الطب بمؤسسة "ماس جنرال بريجهام" في الولايات المتحدة، أن BrainIAC يمتلك قدرة كبيرة على تسريع اكتشاف المؤشرات الحيوية وتحسين أدوات التشخيص، إلى جانب دعم إدماج الذكاء الاصطناعي في الممارسة الطبية اليومية.
وأضاف أن دمج هذا النموذج ضمن بروتوكولات التصوير الطبي قد يساعد الأطباء على تقديم رعاية أكثر تخصيصاً ودقة للمرضى، اعتماداً على تحليل أعمق وأشمل لصور الدماغ.
ويأتي هذا التطور في ظل تحديات كبيرة تواجه تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب، إذ تعتمد معظم النماذج الحالية على مجموعات ضخمة من البيانات المعنونة يدوياً، وهي بيانات يصعب جمعها وتوحيدها، خاصة في مجال تصوير الدماغ. كما أن صور الرنين المغناطيسي تختلف بشكل كبير من مؤسسة إلى أخرى ومن تخصص طبي إلى آخر، سواء في الأعصاب أو الأورام، ما يجعل تدريب النماذج التقليدية على استخلاص أنماط موحدة أمراً بالغ الصعوبة.
وللتغلب على هذه العقبات، اعتمد الباحثون في تصميم BrainIAC على أسلوب يعرف بالتعلم الذاتي غير المراقب، وهو نهج يسمح للنموذج بتعلم الخصائص الأساسية من صور غير معنونة، ثم إعادة توظيف هذه المعرفة في تطبيقات متعددة.
وبعد مرحلة التدريب المبدئي على عدة قواعد بيانات، اختبر الباحثون النموذج على 48 ألف و965 صورة رنين مغناطيسي ضمن 7 مهام سريرية مختلفة، تراوحت بين مهام بسيطة نسبياً مثل تصنيف نوع الفحص، وأخرى معقدة للغاية مثل تحديد الطفرات الجزيئية في أورام الدماغ.
تبنؤ دقيق
وأظهرت النتائج أن BrainIAC نجح في تعميم ما تعلمه على صور أدمغة سليمة وأخرى مصابة بأمراض، واستطاع الحفاظ على أداء عال في مختلف السيناريوهات السريرية، كما تفوق على 3 نماذج تقليدية أخرى في معظم المهام التي جرى اختبارها، وهو ما يعزز مكانته كنموذج مرن وقابل للتكيف مع الاستخدامات الواقعية داخل المستشفيات ومراكز الأبحاث.
وأشار الباحثون إلى أن من أبرز نقاط قوة BrainIAC قدرته على تقديم تنبؤات دقيقة حتى في الظروف التي تكون فيها البيانات المحددة أو المعنونة نادرة، وهو وضع شائع في المجال الطبي.
ويرى الباحثون أن هذه الميزة تجعله مناسباً للتطبيق في أنظمة الرعاية الصحية حول العالم، حيث تختلف جودة البيانات وتوافرها من مكان إلى آخر.
ورغم النتائج الواعدة، شدد الباحثون على أن هناك حاجة إلى أبحاث إضافية لاختبار BrainIAC على أنواع أخرى من تقنيات تصوير الدماغ، وكذلك على مجموعات بيانات أكبر وأكثر تنوعاً، ومع ذلك، ينظر إلى هذا النموذج بوصفه خطوة مهمة نحو استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة شاملة لدعم القرار الطبي، وتحسين تشخيص الأمراض العصبية والسرطانية، وفتح آفاق جديدة أمام الطب الدقيق القائم على البيانات.














