
توصلت دراسة حديثة إلى أن حرائق الغابات التي تنتشر بسرعة شديدة لا تحرق مساحات أكبر فحسب، بل قد تترك وراءها غابات أقل قدرة على التجدد، ما يزيد احتمال تحول بعض المناطق المحترقة إلى أنظمة نباتية مختلفة أو حتى فقدان غطاء الغابات بالكامل.
وحلل باحثون بيانات 3499 حريقاً اندلعت بين عامي 2012 و2023 في الغابات الصنوبرية غرب الولايات المتحدة وكندا، ووجدوا أن الحرائق الأسرع نمواً تميل إلى أن تكون أكثر شدة وأن تحرق نسبة أكبر من مساحتها بمستويات مرتفعة من الضرر.
وأظهرت الدراسة، المنشورة في دورية Science Advances، أن زيادة معدل نمو الحريق يومياً ترتبط بزيادة المسافة بين المناطق التي تعرضت لحرق شديد، وأقرب الأشجار الحية التي يمكن أن توفر بذوراً لإعادة إعمار الأرض المحترقة.
وقال الباحثون إن اجتماع هذه العوامل قد يقلل بدرجة كبيرة قدرة بعض الغابات على استعادة الأشجار التي كانت موجودة قبل الحريق، خصوصاً في المناطق الواسعة التي تموت فيها معظم الأشجار.
وتعتمد العديد من أنواع الأشجار على وصول البذور من الأشجار التي نجت من النيران، وكلما اتسعت رقعة الحريق الشديد، أصبحت البذور مضطرة لقطع مسافات أطول للوصول إلى المناطق المحترقة، وهو ما قد يبطئ عودة الأشجار، أو يمنع وجودها تماماً في بعض المواقع.
أشار الباحثون إلى أن المشكلة لا تتوقف عند نقص مصادر البذور، إذ إن الظروف المناخية التي تواجه الشتلات بعد الحريق أصبحت في كثير من المناطق أكثر دفئاً وجفافاً من الظروف التاريخية التي تشكلت في ظلها الغابات الحالية.
وقد يعني ذلك أن البذور التي تصل بالفعل إلى المناطق المحترقة قد تواجه صعوبة أكبر في الإنبات أو البقاء على قيد الحياة، ما يفتح المجال أمام الشجيرات أو الأعشاب أو أنواع مختلفة من الأشجار لتحل محل الغطاء الغابي السابق.
وقاس الباحثون معدل النمو اليومي لكل حريق، ثم قارنوه بشدة الاحتراق وحجم المناطق التي تعرضت لأعلى درجات الضرر.
ووجدوا علاقة واضحة بين سرعة انتشار النيران وشدة الحريق، إذ ارتبطت معدلات النمو الأعلى بزيادة المساحات التي احترقت بشدة كبيرة.
ولم تقتصر هذه العلاقة على الحرائق شديدة السرعة، بل ظهرت عبر نطاق واسع من معدلات انتشار النيران، ما يشير إلى أن سرعة نمو الحريق يمكن أن تكون مؤشراً مهماً على حجم الأضرار البيئية طويلة الأجل التي قد يخلفها.
وتكتسب النتائج أهمية متزايدة في ظل تغير المناخ، الذي يسهم في إطالة مواسم الحرائق وتهيئة ظروف أكثر حرارة وجفافاً؛ يمكن أن تدعم اندلاع حرائق أكبر وأشد تطرفاً.
غابات قد لا تعود كما كانت بسبب الحرائق
قال الباحثون إن المناطق الواسعة التي تتعرض لحرائق شديدة تمثل تحدياً خاصاً للأنواع النباتية التي يعتمد تجددها على الأشجار الحية القريبة.
أوضح الباحثون أن اتساع الفجوة بين المناخ الذي يسود بعد الحرائق والظروف التاريخية التي نشأت فيها الغابات الحالية يمكن أن يقلل أيضاً فرص استقرار الشتلات الجديدة وبقائها.
ويعني ذلك أن بعض الغابات المحترقة قد تدخل في مسار بيئي جديد، بدلاً من العودة ببساطة إلى حالتها السابقة، إذ يمكن أن تظهر أنواع أخرى من الغابات أو تحل نباتات غير شجرية محل الأشجار.
وقد تكون لهذه التحولات تداعيات أوسع على النظم البيئية، لأن الغابات تؤدي أدواراً مهمة في تخزين الكربون وتنظيم المياه وتوفير موائل للحياة البرية وحماية التربة.
ويرى الباحثون أن النتائج تسلط الضوء على الحاجة إلى تطوير استراتيجيات أكثر فاعلية لإدارة الأراضي بعد الحرائق، خصوصاً في المواقع التي تتعرض لحرائق شديدة وعلى مسافات بعيدة من الأشجار التي يمكن أن توفر مصادر طبيعية للبذور.
وقد تشمل مثل هذه الجهود تحديد المناطق التي تواجه أكبر صعوبة في التجدد الطبيعي وتوجيه عمليات استعادة الغابات إليها، في وقت يتوقع فيه أن تصبح الحرائق المتطرفة عنصراً متزايد الأهمية في تشكيل مستقبل غابات غرب أميركا الشمالية وكندا.









