
طور باحثون عصابة ذكية مزودة بأقطاب كهربائية مطرزة داخل النسيج، قالوا إنها تستطيع عند ارتدائها على الرأس تسجيل نشاط الدماغ بمستوى أداء يقترب من أنظمة تخطيط كهربية الدماغ التقليدية، مع توفير قدر أكبر من الراحة وتقليل وقت التجهيز والحاجة إلى المواد الهلامية أو المحاليل المستخدمة عادة مع الأقطاب الطبية.
وأظهرت الدراسة المنشورة في دورية PLOS One أن العصابة الجديدة تمكنت من التقاط تغيرات معروفة في نشاط المخ، من بينها زيادة موجات ألفا عند إغلاق العينين، إلى جانب استجابات الدماغ للمحفزات السمعية والبصرية، وهي اختبارات تستخدم على نطاق واسع للتحقق من كفاءة أنظمة تخطيط كهربية الدماغ.
وربما تمهد هذه التكنولوجيا الطريق أمام أجهزة أخف وأقل تكلفة وأكثر ملاءمة لمراقبة نشاط المخ لفترات طويلة خارج المستشفيات والمختبرات، وهي إحدى العقبات الرئيسية التي تواجه تطبيقات تخطيط الدماغ القابلة للارتداء حالياً.
ويعتمد تخطيط كهربية الدماغ على التقاط الإشارات الكهربائية الدقيقة الناتجة عن نشاط الخلايا العصبية من خلال أقطاب موضوعة على فروة الرأس، لكن الأجهزة الطبية التقليدية غالباً ما تستخدم عدداً كبيراً من الأسلاك والأقطاب المعدنية أو أقطاب الفضة وكلوريد الفضة، كما تحتاج في كثير من الحالات إلى جل موصل وتحضير للجلد قبل بدء التسجيل.
وقال الباحثون إن هذه الإجراءات قد تستغرق وقتاً طويلاً، فيما يمكن أن يجف الجل أثناء التسجيل المطول أو يسبب تهيج الجلد لبعض الأشخاص، كما أن الأجهزة والأسلاك المصاحبة تحد من حركة المستخدم وتجعل الاستخدام طويل المدى أقل عملية.
ولتجاوز هذه المشكلات، طور باحثون بجامعة "ساوث إيست" التكنولوجية في إيرلندا ومركز علوم العقل والدماغ بجامعة "ترينتو" في إيطاليا، 6 أقطاب نسيجية ثلاثية الأبعاد؛ جرى تصنيعها باستخدام خيوط موصلة وتقنيات التطريز الصناعي.
وأضاف الباحثون طبقة رقيقة من الرغوة أسفل الأقطاب المطرزة لرفع سطحها وتحسين ملامسته للجلد، قبل تثبيتها داخل عصابة مصنوعة من النيوبرين، وهي مادة مرنة تستخدم في الملابس والمعدات الرياضية.
ووُضعت الأقطاب الستة حول الجبهة والمناطق الصدغية بالقرب من خط الشعر، حيث تكون كثافة الشعر أقل ويمكن تحقيق اتصال أفضل مع الجلد.
وصُممت العصابة بطريقة معيارية تسمح بتحريك كل قطب جانبياً ليتناسب مع أحجام الرأس المختلفة، كما يمكن فك الأقطاب بصورة منفصلة لغسلها أو استبدالها في حال تعرضها للتلف دون الحاجة إلى تغيير العصابة بأكملها.
وبلغ وزن العصابة الأساسية نحو 20 جراماً، فيما اتصلت بوحدة تحكم صغيرة تزن نحو 58 جراماً، يمكن تثبيتها خلف الرأس وترسل بيانات تخطيط الدماغ لاسلكياً إلى جهاز الكمبيوتر.
اختبر الباحثون الجهاز على 10 أشخاص أصحاء، 6 نساء و4 رجال، بلغ متوسط أعمارهم 32 عاماً، وقارنوا أداء العصابة بنظام تجاري لتخطيط كهربية الدماغ يستخدم أقطاباً إسفنجية رطبة مبللة بمحلول ملحي.
وطُلب من المشاركين تنفيذ 3 اختبارات عصبية قياسية أثناء تسجيل نشاط الدماغ بكلا النظامين.
وفي الاختبار الأول جلس المشاركون دقيقة وأعينهم مفتوحة ثم دقيقة أخرى وأعينهم مغلقة، وهي تجربة يفترض أن تكشف زيادة واضحة في موجات ألفا التي تتراوح تردداتها عادة بين 8 و12 هرتز عند إغلاق العينين.
وتمكنت العصابة الذكية من تسجيل هذه الزيادة بدرجة ذات دلالة إحصائية، وكانت قوة موجات ألفا التي رصدتها قريبة من تلك التي سجلها الجهاز التجاري.
وقال الباحثون إن مستوى الاتفاق بين النظامين كان قوياً في هذا الاختبار، بما يشير إلى أن العصابة استطاعت التقاط اختلافات نشاط الدماغ بين الأفراد بصورة متسقة نسبياً مع الجهاز المرجعي.
وفي تجربة ثانية استخدم الباحثون ما يعرف باختبار "المحفز النادر" السمعي، إذ استمع المشاركون إلى سلسلة من النغمات المتكررة تتخللها أحياناً نغمة مختلفة، وطُلب منهم الانتباه إلى الأصوات النادرة وعدها.
ويسبب هذا النوع من الاختبارات عادة استجابة كهربائية في الدماغ؛ تعرف باسم P300 تظهر بعد مئات المللي ثانية من التعرف على المحفز غير المتوقع.
ورصدت العصابة هذه الاستجابة بوضوح وبزمن قريب من ذلك المسجل بواسطة الجهاز التجاري، رغم أن الإشارات المسجلة باستخدام العصابة كانت أكثر ضوضاء بصورة طفيفة.
وفي الاختبار البصري عُرضت على المشاركين صور لأشياء تتخللها صور لوجوه بشرية، وتمكن النظام الجديد من التقاط استجابة دماغية تعرف باسم N170 ترتبط بمعالجة الوجوه وتظهر عادة بعد نحو 170 مللي ثانية من رؤية الوجه.
وسجل كل من الجهاز التجاري والعصابة تأثيراً واضحاً لهذه الاستجابة عند الأقطاب الموضوعة بالقرب من المناطق الصدغية.
لكن الباحثين قالوا إن رصد استجابة P300 البصرية كان أضعف، ويرجع ذلك على الأرجح إلى أن تصميم العصابة لا يغطي المناطق الوسطى والجدارية من فروة الرأس التي تكون فيها هذه الموجة عادة أكثر وضوحاً.
ومن أبرز الاختلافات التي سجلها الباحثون وقت إعداد الجهاز، فتركيب العصابة وضبط مواضع الأقطاب استغرق نحو 5 دقائق ولم يحتج إلى تحضير الجلد أو استخدام الجل أو المحلول الملحي، بينما احتاج نظام التخطيط التجاري إلى ما بين 10 و 15 دقيقة لتجهيز الأقطاب وضبط مقاومتها قبل بدء التسجيل.
واستغرق الاختبار الكامل باستخدام العصابة ما بين 15 و 20 دقيقة، مقارنة بنحو 30 دقيقة للنظام التجاري، باستثناء فترات الراحة، وبعد انتهاء التجارب طلب الباحثون من المشاركين تقييم مدى الراحة أثناء ارتداء الجهازين.
ومن بين المشاركين العشرة، منح 6 العصابة أعلى تقييم للراحة وهو 5 درجات، ومنحها 3 أشخاص 4 درجات، بينما أعطاها مشارك واحد 3 درجات. ولم يبلغ المشاركون عن تهيج للجلد مرتبط بالأقطاب النسيجية.
وقال الباحثون إن الجمع بين الأقطاب الناعمة والتصميم المرن وإمكانية ضبط مواضعها قد يجعل النظام أكثر ملاءمة لمراقبة نشاط الدماغ لساعات طويلة، مقارنة بالقبعات التقليدية.
وتزايد الاهتمام في السنوات الأخيرة بأجهزة تخطيط الدماغ القابلة للارتداء مع محاولة نقل قياسات النشاط العصبي من المختبر إلى الحياة اليومية.
ويمكن لهذه الأجهزة مستقبلاً أن تدعم تطبيقات تتراوح بين مراقبة النوم والانتباه والإرهاق والتأهيل العصبي إلى متابعة بعض الحالات العصبية واستخدام أنظمة التغذية الراجعة العصبية.
لكن الباحثين قالوا إن الأجهزة الحالية غالباً ما تواجه مقايضة بين جودة الإشارة وسهولة الاستخدام، إذ توفر الأنظمة الطبية الرطبة إشارات جيدة لكنها أقل راحة، بينما تكون الأقطاب الجافة الصلبة أسهل في الاستخدام لكنها قد تعاني من ضعف الاتصال بالجلد والحركة والتشويش.
وقال الباحثون إن الأقطاب المطرزة تسعى إلى الجمع بين مرونة النسيج وسهولة استخدام الأقطاب الجافة، مع الاحتفاظ بجودة إشارة كافية لرصد وظائف دماغية حقيقية.
ومع ذلك، أشار الباحثون إلى أن الدراسة كانت في الأساس اختباراً للتحقق من أداء الإشارات وشملت 10 مشاركين فقط بعد استبعاد شخص آخر بسبب حركة مفرطة أفسدت التسجيلات.
كما اقتصرت الأقطاب على مناطق الجبهة والصدغين ولم تغط كامل فروة الرأس، وهو ما يعني أن الجهاز في صورته الحالية لا يمكنه أن يحل محل أنظمة تخطيط الدماغ الطبية الكاملة في جميع الاستخدامات التشخيصية أو البحثية.
وقال الباحثون إن هناك حاجة إلى إجراء دراسات أكبر واختبارات تمتد لفترات أطول وفي ظروف الحياة اليومية؛ لتحديد مدى قدرة العصابة على الحفاظ على جودة التسجيل أثناء الحركة والاستخدام المستمر.
لكن النتائج تشير، بحسب الدراسة، إلى أن الأقطاب النسيجية المطرزة قد توفر مساراً نحو أنظمة تخطيط دماغ أقل كلفة وأكثر راحة، بما يسمح مستقبلاً بتوسيع استخدام مراقبة نشاط المخ خارج البيئة السريرية التقليدية.











