بين الحظ والفضول.. سيرة صدفة قادت هالسن لجائزة نوبل للفيزياء | الشرق للأخبار

بين الحظ والفضول.. سيرة "الصدفة" التي قادت هالسن إلى جائزة نوبل للفيزياء

فرانسيس هالسن الفائز بنوبل في الفيزياء 2026 يلتقط صورة سيلفي من غرفته في أحد فنادق إيطاليا، وعلى شاشة حاسوبه خلفه إعلان الجائزة. 6 أكتوبر 2026 - @NobelPrize
فرانسيس هالسن الفائز بنوبل في الفيزياء 2026 يلتقط صورة سيلفي من غرفته في أحد فنادق إيطاليا، وعلى شاشة حاسوبه خلفه إعلان الجائزة. 6 أكتوبر 2026 - @NobelPrize
القاهرة-

حين أُعلن اسم فرانسيس هالسن فائزاً بجائزة نوبل في الفيزياء لعام 2026، بدا طبيعياً أن تتجه الأنظار فوراً إلى "آيس كيوب"، المرصد العملاق المدفون تحت جليد القطب الجنوبي، وإلى النيوترينوات التي قضى عقوداً يطاردها.

تكشف سيرة هالسن عن مسار شخصي لافت؛ طفل بلجيكي نشأ في أوروبا الخارجة من الحرب العالمية الثانية، ودرس الفيزياء في بلاده، ثم غادر إلى جنيف، ومنها ذهب في زيارة يفترض أن تستمر 6 أشهر إلى ولاية ويسكنسون الأميركية، فإذا بهذه الرحلة القصيرة تتحول إلى حياة كاملة.

ولد فرانسيس لويس هالسن في 23 مارس 1944 في مدينة تينن، الواقعة في إقليم فلاندرز في بلجيكا، قبل أشهر قليلة من تحرير أجزاء واسعة من البلاد من الاحتلال الألماني النازي.

واصل هالسن دراسته في بلجيكا، فالتحق بجامعة لوفان، وحصل على درجة الماجستير في الرياضيات والفيزياء عام 1966، ثم الدكتوراه عام 1969، قبل أن يحصل على مؤهل أكاديمي أعلى في 1972. وكانت أطروحته للدكتوراه تتناول موضوعاً نظرياً يتعلق بالتناظرات المكسورة في الهادرونات، ما يكشف أن بداياته العلمية كانت في الفيزياء النظرية للجسيمات، قبل انتقاله لاحقاً إلى علم الفلك.

سيرة فرانسيس هالسن

بعد الدكتوراه، انتقل هالسن إلى سيرن في جنيف، حيث عمل باحثاً علمياً بين عامي 1969 و1971.

وفي تلك الفترة كانت فيزياء الجسيمات تمر بمرحلة شديدة الحيوية، مع تطورات متسارعة في فهم البنية الأساسية للمادة. وكان هالسن، الذي انتقل من جامعة بلجيكية إلى أحد أهم مراكز الفيزياء في العالم، في بداية مسار يبدو في ظاهره تقليدياً بالنسبة إلى عالم فيزياء جسيمات شاب، لكن حياته تغيرت بسبب دعوة تبدو، في سيرته الآن، أشبه بتفصيلة صغيرة قادت إلى كل ما جاء بعدها.

ففي عام 1971 تلقى هالسن وهو في سيرن، دعوة من أحد زملائه للذهاب إلى جامعة ويسكونسن-ماديسون بالولايات المتحدة في زيارة بحثية مدتها 6 أشهر.

وذهب هالسن بالفعل إلى ماديسون، لكن الأشهر الستة لم تنته عملياً أبداً؛ إذ بقي في الجامعة، والتحق بهيئة التدريس فيها منذ 1972، واستمر مرتبطاً بها لأكثر من 5 عقود. 

تكشف المصادفة جانباً مهماً من شخصية هالسن كما تظهر في مقابلاته اللاحقة؛ فهو لا يميل إلى تقديم حياته باعتبارها مسيرة مخططة بعناية انتهت حتماً إلى النجاح، بل يتحدث كثيراً عن الحظ والصدفة.

حتى بعد حصوله على جوائز علمية كبرى، ظل يقول إنه كان محظوظاً بصورة لا تصدق، وإنه لا يقضي كثيراً من الوقت في التفكير في إرثه العلمي، بل يفضل النظر إلى ما سيأتي. وفي مقابلة مع الجمعية الفيزيائية الأميركية قبل فوزه بجائزة نوبل في الفيزياء لعام 2026، قال: "ليس لدي وقت للتفكير في إرثي... أنا أنظر فقط إلى المستقبل".

ومع مرور السنوات، أصبحت ويسكونسن وطنه العلمي، ثم أصبح هالسن مواطناً أميركياً إلى جانب جذوره البلجيكية، لكنه لم ينقطع عن أوروبا، أو عن الجامعات البلجيكية، وحصل لاحقاً على مناصب وتكريمات أكاديمية في بلجيكا وأوروبا، بينها درجة دكتوراه فخرية من جامعة جنت، كما عمل أستاذاً دولياً زائراً في عدة جامعات بلجيكية. وهكذا ظلت سيرته موزعة بين هويتين؛ عالم نشأ في بلجيكا، لكنه أمضى الجزء الأكبر من حياته الأكاديمية في الولايات المتحدة.

ولا توحي الطريقة التي يتحدث بها هالسن عن نفسه بصورة العالم الذي كان مقتنعاً دائماً بأنه صاحب مشروع تاريخي، فالعكس أقرب إلى الحقيقة، إذ يكرر في مقابلاته أنه بدأ كثيراً من الخطوات بدافع الفضول أكثر من اليقين.

وعندما تحدث عن البدايات المبكرة للمشروع الذي ارتبط اسمه به لاحقاً، وصف الفكرة بأنها كانت في البداية مجرد "شيء لطيف". وقال إن طريقة التفكير كانت تقريباً: "فلندرس الجليد، ولنصمم أداة للحفر بالماء الساخن، ولنر إن كانت الفكرة ستنجح"، ثم أضاف أنهم فوجئوا بأنفسهم وهم يتجاوزون عقبة بعد أخرى.

ميل للاستقرار

ومن اللافت أيضاً أن هالسن لم يبدأ حياته باعتباره عالم تجارب يعمل وسط المعدات الضخمة، بل كان في الأصل فيزيائياً نظرياً.

وقد نشر في بداياته أبحاثاً في فيزياء الجسيمات والعمليات المرتبطة بالكواركات (جسيمات أولية تعد من المكونات الأساسية للمادة Quarks)، قبل أن يتوسع تدريجياً إلى المنطقة التي تلتقي فيها فيزياء الجسيمات بعلم الكون والأشعة الكونية. وربما تفسر هذه الخلفية جانباً من أسلوبه، فهو لم يدخل مجالاً جاهزاً ويتخصص فيه منذ الجامعة، بل انتقل بين موضوعات مختلفة قبل أن يجد السؤال الذي سيلازمه لعقود.

كما يظهر في سيرته ميل واضح إلى الاستمرار والاستقرار طويلاً مع المؤسسات والأفكار، فمنذ أن وصل إلى ماديسون في بداية السبعينيات ظل مرتبطاً بالجامعة نفسها، وارتقى فيها إلى مواقع أكاديمية بارزة، من بينها أستاذية جريجوري برايت، ومنصب أستاذ أبحاث فيلاس، كما تولى إدارة معهد فيزياء الجسيمات الأولية فيها.

هذه الاستمرارية الطويلة تميز مسيرة بدأت في أوروبا ثم استقرت، على نحو لم يكن مخططاً له في الأصل، في مدينة جامعية أميركية أصبحت مركز حياته المهنية.

وحتى الجوائز لم تغير كثيراً الطريقة التي يقدم بها نفسه، فقد حصل خلال العقود الماضية على سلسلة طويلة من التكريمات، بينها جائزة بلزان عام 2015، وجائزة برونو بونتيكورفو في 2018، وجائزة يوده في 2019، ثم انتخابه عضواً في الأكاديمية الوطنية الأميركية للعلوم عام 2024، وميدالية الجمعية الفيزيائية الأميركية للإنجاز الاستثنائي في 2026، قبل أن تأتي نوبل في العام نفسه.

ومع ذلك، ظلت عباراته في المقابلات بعيدة عن خطاب الإنجاز الشخصي، وأكثر ميلاً إلى الحديث عن الفريق والحظ والأشخاص الذين شاركوه الطريق.

وكان هذا واضحاً مرة أخرى لحظة حصوله على جائزة نوبل، إذ قال هالسن، الذي بلغ 82 عاماً عند إعلان فوزه، إنه فوجئ بها ولم يكن يتوقعها، وسارع إلى إعادة الحديث إلى زملائه والمتعاونين معه بدلاً من الاكتفاء بالحديث عن نفسه. وحتى وهو يتلقى أكبر تكريم علمي يمكن أن يحصل عليه باحث، كان موجوداً في إيطاليا في مهمة علمية، وأشار إلى أنه يعمل على مقترح بحثي جديد، وكأن الجائزة لم تكن نهاية الرحلة بقدر ما كانت "حدثاً كبيراً" وقع في منتصف يوم عمل عادي.

وفي مقابلة قبل الجائزة بعام تقريباً، قال هالسن جملة تختصر ربما نظرته إلى حياته أكثر مما تفعل أي قائمة من الأوسمة: "لقد كنت محظوظاً بصورة لا تصدق، وأريد أن أستمتع بما تبقى من حياتي".

تصنيفات

قصص قد تهمك