
توصل باحثون أميركيون إلى أن تعزيز نشاط جزيء طبيعي في الدماغ قد يساعد على حماية الخلايا العصبية من التغيرات المرتبطة بالتقدم في العمر، والحفاظ على الذاكرة، مما يفتح مساراً جديداً لتطوير علاجات محتملة تستهدف التدهور المعرفي ومرض ألزهايمر.
وكشف البحث، عن آلية بيولوجية تساعد الدماغ على مقاومة آثار الشيخوخة، حتى مع حدوث تغيرات مرضية قد تؤدي عادة إلى ضعف الذاكرة.
وأظهرت النتائج، المنشورة في دورية Nature Neuroscience، أن زيادة نشاط جين يعرف باسم "Pla2g2f" ساعدت على حماية الروابط بين الخلايا العصبية وتقليل الالتهابات واضطرابات الدهون داخل الدماغ، كما ساهمت في الحفاظ على الذاكرة خلال تجارب أجريت على الفئران.
وقال الباحثون إن الاكتشاف يقدم تفسيراً محتملاً لقدرة بعض الأشخاص على الاحتفاظ بقدراتهم المعرفية رغم التقدم في السن، حتى في وجود تغيرات مرضية بالدماغ ترتبط عادة بمرض ألزهايمر.
ومع التقدم في العمر، يتعرض الدماغ لتغيرات بيولوجية تشمل فقدان الاتصالات العصبية واضطراب استقلاب الدهون وارتفاع مستويات الالتهاب المزمن، وهي عوامل قد تتفاعل معاً لتسريع تراجع القدرات المعرفية وزيادة احتمالات الإصابة بالخرف.
وتؤدي المشابك العصبية، وهي نقاط الاتصال التي تسمح للخلايا العصبية بتبادل الإشارات، دوراً أساسياً في التعلم وتكوين الذكريات. ويعد فقدان هذه المشابك في منطقة الحصين، المسؤولة عن جوانب مهمة من الذاكرة، من أبرز التغيرات المصاحبة لشيخوخة الدماغ.
عوامل حماية طبيعية
لكن العلماء لاحظوا أن الأشخاص لا يتأثرون بهذه التغيرات بالدرجة نفسها، إذ يحتفظ بعض كبار السن بقدرات جيدة على التذكر والتعلم رغم ظهور علامات بيولوجية تشير إلى تدهور أنسجة الدماغ.
ودفع هذا التفاوت الباحثين إلى البحث عن عوامل حماية طبيعية قد تنشط داخل الدماغ لمواجهة التلف العصبي، وتساعد في تفسير ما يعرف بالمرونة المعرفية، وهي القدرة على المحافظة على الوظائف الذهنية رغم التغيرات المرتبطة بالعمر أو المرض.
وركز الفريق على تحديد الجينات التي يزداد نشاطها استجابة لفقدان المشابك العصبية في منطقة الحصين لدى الفئران، وأسفرت التجارب عن تحديد جين"Pla2g2f" المسؤول عن إنتاج إنزيم من عائلة الفوسفوليباز، التي تشارك في عمليات استقلاب الدهون وتنظيم مكونات الأغشية الخلوية.
ووجد الباحثون أن نشاط الجين يرتفع في منطقة الحصين مع التقدم في العمر، وكذلك في حالات التهاب الدماغ. ولاحظوا أيضاً ارتفاع مستوياته لدى بعض كبار السن الذين ظهرت في أدمغتهم علامات مرضية مرتبطة بألزهايمر، لكنهم احتفظوا بقدرات معرفية جيدة نسبياً.
ولاختبار دوره، استخدم الباحثون تقنيات وراثية ونواقل فيروسية لخفض نشاط الجين أو زيادته في أدمغة فئران متقدمة في العمر، ثم راقبوا التأثيرات الناتجة على الخلايا العصبية والالتهاب والذاكرة.
وأظهرت التجارب أن تقليل نشاط الجين أدى إلى تفاقم فقدان المشابك العصبية وارتفاع الالتهاب واضطراب استقلاب الدهون وضعف نضج الخلايا العصبية الجديدة، فضلاً عن تراكم قطرات دهنية داخل الخلايا العصبية والخلايا المناعية بالدماغ، بالتزامن مع تراجع الذاكرة.
وفي المقابل، ساعد تعزيز نشاط الجين على الحد من هذه التغيرات والحفاظ على المشابك العصبية وتقليل الالتهاب. وكانت إحدى أبرز النتائج أن زيادة نشاطه في فئران بمنتصف العمر، قبل ظهور تدهور معرفي كبير، غيرت مسار تراجع الذاكرة المرتبط بالشيخوخة.
تعزيز نشاط الجين
ولم تقتصر التأثيرات الوقائية على الخلايا العصبية، بل امتدت إلى تنظيم الدهون داخل الخلايا الدبقية الصغيرة، وهي خلايا مناعية مسؤولة عن إزالة المخلفات الخلوية ودعم الخلايا العصبية، لكن تراكم الدهون داخلها قد يضعف قدرتها على أداء وظائفها.
وأظهرت تجارب على خلايا دبقية صغيرة بشرية أن زيادة نشاط "Pla2g2f" قللت تراكم القطرات الدهنية وإسترات الكوليسترول، وهما من التغيرات التي تلاحظ لدى المصابين بألزهايمر، مما يشير إلى احتمال مساهمة الجزيء في تحسين البيئة الخلوية المحيطة بالخلايا العصبية.
وقالت المؤلفة المشاركة في الدراسة "سينزيا فيسيدوميني" إن شيخوخة الدماغ تتحدد من خلال التفاعل بين عمليات بيولوجية ضارة وأخرى وقائية، وإن فهم العوامل الطبيعية التي تواجه هذه التغيرات قد يساعد على تطوير وسائل جديدة للحفاظ على القدرات المعرفية.
وتشير النتائج إلى أن تعزيز نشاط الجين خلال الشيخوخة قد يساعد على الحفاظ على الذاكرة، وربما يؤخر ظهور الضعف المعرفي البسيط أو مرض ألزهايمر.
ومع ذلك، أكد الباحثون أن النتائج لا تعني التوصل إلى علاج للزهايمر، إذ جاءت الأدلة المتعلقة بتحسين الذاكرة أساساً من تجارب على الفئران، بينما اقتصرت الأبحاث البشرية على مؤشرات بيولوجية وتجارب خلوية.
ويعمل الفريق حالياً على استكشاف وسائل آمنة لزيادة نشاط الجين في الدماغ، لكن تحويل الاكتشاف إلى علاج للمرضى سيظل مرهوناً بأبحاث إضافية لتقييم فعاليته وسلامته لدى البشر.









