
كشف تقرير جديد عن استراتيجية شركة أبل لدخول سوق الأجهزة الذكية القابلة للارتداء، إذ تعمل حالياً على تسريع تطوير مجموعة جديدة من الأجهزة القابلة للارتداء، في إطار تحوّل واسع نحو الأجهزة المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
وبحسب "بلومبرغ"، فإن أبل تركز حالياً على ثلاثة منتجات رئيسية هي نظارات ذكية، وجهاز قابل للارتداء على شكل قلادة يمكن تثبيته بالملابس أو ارتداؤه حول الرقبة، إضافة إلى نسخة متطورة من سماعات AirPods مزودة بقدرات ذكاء اصطناعي موسعة.
وتُبنى هذه الأجهزة الثلاثة حول المساعد الصوتي Siri، الذي يُتوقع أن يعتمد بصورة متزايدة على فهم البيئة البصرية المحيطة بالمستخدم من خلال كاميرات مدمجة، ما يسمح له بتنفيذ مهام بناءً على ما يراه المستخدم فعلياً.
وأشار التقرير إلى أن هذه الأجهزة ستكون مرتبطة بشكل وثيق بهاتف آيفون وتعتمد عليه في جانب كبير من المعالجة. كما ستعتمد جميعها على أنظمة كاميرات بدرجات مختلفة من حيث القدرات، رغم أن الشركة لم تعلن رسمياً عن أي من هذه الخطط حتى الآن، وقد رفض متحدث باسم أبل التعليق على التقرير.
وبحسب المعلومات المتاحة، فإن سماعات AirPods والقلادة الذكية سيُصمَّمان كأجهزة أبسط نسبياً بكاميرات منخفضة الدقة هدفها دعم الذكاء الاصطناعي وفهم البيئة وليس التقاط الصور أو الفيديو التقليدي، بينما ستُطرح النظارات الذكية كمنتج متطور وغني بالميزات.
وقد ألمح الرئيس التنفيذي للشركة تيم كوك خلال اجتماع داخلي شامل مع الموظفين في وقت سابق من هذا الشهر إلى توجه قوي نحو أجهزة الذكاء الاصطناعي، مؤكداً أن الشركة تعمل على "فئات منتجات جديدة" تعتمد على هذه التقنية، وأنها متحمسة للغاية لذلك.
كما أوضح أن أبل تستثمر بكثافة في تقنيات جديدة، مشيراً إلى أن العالم يشهد تغيرات سريعة تتطلب مواكبة متواصلة، وفق "بلومبرغ".
تحول جوهري
وعلى الرغم من استمرار قوة مبيعات آيفون، فإن أبل تُعتبر متأخرة نسبياً في مجال الذكاء الاصطناعي مقارنة ببعض المنافسين، خصوصاً في ما يتعلق بتطوير Siri، إذ واجهت تحديثات المساعد الصوتي تأخيرات ومشكلات تقنية عطلت إطلاق تحسينات كبيرة عليه.
وتعمل الشركة حالياً على إصدار جديد من Siri ضمن نظام iOS 27 المتوقع إطلاقه لاحقاً هذا العام، على أن يتضمن واجهة شبيهة بروبوتات المحادثة، مع اعتماد جزئي على نماذج جيميناي الذكية المطورة بالتعاون مع شركة ألفابت.
ومن المتوقع على المدى البعيد أن يؤدي انتشار الذكاء الاصطناعي إلى تغيير الطريقة التي يستخدم بها الناس الهواتف الذكية، بحيث تنتقل بعض الوظائف إلى أجهزة محيطية قابلة للارتداء.
وقد حققت النظارات الذكية التي طورتها شركة "ميتا" نجاحاً ملحوظاً بالفعل، فيما تعمل OpenAI على تطوير سلسلة أجهزة، منها أجهزة قابلة للارتداء، بالتعاون مع كبير مصممي أبل السابق جوني إيف وعدد من التنفيذيين السابقين في الشركة.
وتسعى أبل منذ فترة إلى إيجاد صيغة ناجحة في هذا المجال، خاصة بعدما لم يحقق جهاز الواقع المختلط Apple Vision Pro الانتشار الاستهلاكي المتوقع بسبب ارتفاع سعره وطبيعة استخدامه المحدودة نسبياً.
لذلك تأمل الشركة أن يشكل الدفع الجديد نحو الأجهزة القابلة للارتداء اختراقاً حقيقياً يحافظ على ارتباط المستخدمين بمنظومة أبل التقنية.
نظارة جديدة
أما النظارات الذكية تحديداً، فهي تمثّل الرهان الأكبر للشركة ضمن هذا التوجه، فتخطط أبل لتقديمها كمنتج متقدم ينافس مباشرة نظارات "ميتا رايبان" المزودة بكاميرات.
كما سيحتوي نموذج نظارة أبل على كاميرا عالية الدقة قادرة على التقاط الصور والفيديو، إضافة إلى مستشعر ثانٍ مخصص لتقنيات الرؤية الحاسوبية شبيه بما يُستخدم في نظارة الواقع المختلط Apple Vision Pro، بحيث يمنح الجهاز قدرة أفضل على فهم البيئة المحيطة وقياس المسافات بين العناصر.
وقد أحرزت أبل تقدماً ملحوظاً في تطوير هذه النظارات خلال الأشهر الأخيرة، التي تحمل الاسم الرمزي N50، حيث جرى توزيع نماذج أولية أكثر تطوراً داخل قسمها لهندسة العتاد.
وتستهدف الشركة بدء الإنتاج في وقت مبكر قد يكون ديسمبر 2026 تمهيداً لإطلاق تجاري محتمل خلال عام 2027.
ولا يُتوقع أن تتضمن النظارات شاشة عرض حالياً، بل ستعتمد واجهة الاستخدام على الصوت والكاميرات والميكروفونات، بحيث يمكن للمستخدم إجراء مكالمات، والتفاعل مع "سيري"، والتقاط صور، والاستماع إلى الموسيقى، وتنفيذ إجراءات تعتمد على ما يراه في محيطه.
وتركز أبل في تمييز هذا المنتج على عاملين رئيسيين هما جودة التصنيع وتقنيات الكاميرات.
وفي المراحل الأولى للتطوير، استخدمت الشركة إطارات نظارات جاهزة من علامات تجارية مختلفة لدمج الإلكترونيات فيها، كما ناقشت فكرة الاعتماد على شراكات خارجية على غرار تعاون ميتا مع شركة EssilorLuxottica، أو تعاون جوجل مع شركة Warby Parker Inc، لكنها قررت لاحقاً تطوير نظاراتها الخاصة بمقاسات وألوان متعددة.
وكانت النماذج الأولية الأولى تعتمد على بطارية خارجية منفصلة وكابل اتصال مع آيفون، إلا أن الإصدارات الأحدث باتت تتضمن المكونات داخل الإطار نفسه باستخدام مواد عالية الجودة مثل خام الأكريليك لإضفاء طابع فاخر، كما تدرس الشركة إطلاق أشكال وتصاميم إضافية مستقبلاً.
ولفت تقرير "بلومبرغ" إلى أن هذه النظارات ستعمل كمرافق ذكاء اصطناعي دائم طوال اليوم، بحيث يفهم الجهاز ما يراه المستخدم ويقدّم مساعدة فورية، مثل التعرف على الأشياء أو المكونات الغذائية في الوجبات، أو قراءة النصوص المطبوعة وتحويلها إلى بيانات رقمية يمكن إضافتها مباشرة إلى التقويم، أو إنشاء تذكيرات سياقية عندما ينظر المستخدم إلى منتج معين في متجر، وحتى في التنقل، قد يستخدم المساعد الشخصي Siri المعالم الواقعية حول المستخدم في الإرشادات بدلاً من التعليمات العامة.
ورغم أن أبل تمتلك بالفعل بعض قدرات الذكاء البصري مثل ميزة Visual Intelligence في آيفون، فإن دمج هذه القدرات في النظارات سيجعلها أكثر حضوراً وسهولة في الاستخدام.
ومن المتوقع الكشف رسمياً عن النظارة الجديدة من أبل، بحسب بلومبرغ، بحلول العام المقبل.
مساعد قابل للارتداء
وبما أن بعض المستخدمين لا يرغبون في ارتداء نظارات، تعمل أبل بالتوازي على جهاز القلادة الذكية وسماعات AirPods المزودة بكاميرات.
وقد نشأت فكرة القلادة داخل فريق التصميم الصناعي أثناء تطوير النظارات، قبل الاستقرار على تصميمها النهائي.
ويشبه نموذج القلادة جهاز Humane AI Pin، الذي لم يحقق نجاحاً تجارياً إلى حد كبير، ولكنه في حالة أبل سيكون ملحقاً للآيفون وليس جهازاً مستقلاً.
وستكون القلادة مثل كاميرا خارجية تعمل بشكل دائم كملحق للهاتف، مع ميكروفون يلتقط أوامر Siri، حتى أن بعض موظفي الشركة يصفونها بأنها "عيون وآذان الهاتف".
ويشارك في تطوير القلادة فريق Vision Products Group المسؤول عن Vision Pro، وهو الفريق ذاته الذي يعمل أيضاً على النظارات الذكية.
وعلى خلاف جهاز Humane، لن تتضمن القلادة جهاز عرض أو شاشة، وستعتمد بشكل كبير على توصيلها بهاتف آيفون لمعالجة البيانات رغم احتوائها على شريحة مخصصة، لكن قدراتها الحاسوبية أقرب إلى AirPods منها إلى ساعة أبل ووتش.
ومن النقاط التي لا تزال محل نقاش داخلي مسألة إضافة مكبر صوت يسمح بإجراء محادثات مباشرة مع الجهاز دون الحاجة إلى توصيلها بسماعة AirPods أو إخراج الهاتف من الجيب.
وتخطط الشركة لإتاحة ارتداء القلادة بطريقتين رئيسيتين، إما عبر مشبك يثبت في الملابس أو كسلسلة حول الرقبة تمر عبر فتحة مخصصة في الجهاز.
ويظل المشروع في مرحلة مبكرة وقد يتم إلغاؤه، لكن في حال استمر قد يُطرح اعتباراً من العام المقبل، مع بقاء الخطط قابلة للتغيير.
تبديل الخطط
وسبق أن أوقفت أبل تطوير نسخ من ساعات "أبل ووتش" Apple Watch مزودة بكاميرات بعدما تبيّن أن وضع الساعة على المعصم يجعل التقاط الصور أمراً غير عملي بسبب الملابس وحركة اليد.
أما سماعات AirPods المزودة بكاميرات، فقد بدأت الشركة في تطويرها منذ فترة، وظهرت تقارير عنها منذ أوائل 2024.
وتواصل أبل إضافة ميزات ذكاء اصطناعي تدريجياً إلى هذه السماعات، ومن أبرزها وضع الترجمة الفورية المباشرة الذي أُطلق العام الماضي، وقد تُطرح هذه السماعات في وقت مبكر ربما هذا العام.
وعلى المدى البعيد، تطمح أبل إلى تطوير نظارات ذكية مزودة بشاشات واقع معزز تعرض بيانات ومعلومات أكثر ثراءً بصرياً، إلا أن إطلاق مثل هذا المنتج ما يزال بعيداً لسنوات.
وكانت الشركة قد أوقفت العام الماضي تطوير نسخة أخف وأرخص من نظارة فيجن برو تحمل الاسم الرمزي N100، والتي كانت تستهدف منها أن تكون مرحلة انتقالية نحو أجهزة الواقع المعزز، إلا أنها فضلت التركيز على النظارات الذكية بدلاً من نظارات الواقع المختلط.
ولا يقتصر اهتمام أبل على الأجهزة القابلة للارتداء فقط، إذ تعمل أيضاً على مجموعة أجهزة منزلية تعتمد على الذكاء الاصطناعي، تشمل شاشة ذكية مبنية حول Siri الجديد، وإصداراً لاحقاً بشاشة أكبر مزود بذراع روبوتية، إضافة إلى تحديث لمكبر الصوت HomePod ومستشعر منزلي صغير للأمن والأتمتة.
وبصورة عامة، يعكس هذا التوجه تحولاً استراتيجياً لدى أبل نحو مرحلة قد تتجاوز الاعتماد الكامل على الهاتف الذكي، حيث تتوقع الشركة انتقال جزء متزايد من التفاعل الرقمي إلى أجهزة محيطية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، مع هدف أساسي يتمثل في الحفاظ على المستخدمين ضمن منظومتها التقنية وتعزيز حضورها في المنافسة العالمية المتسارعة على أجهزة الذكاء الاصطناعي المادية.











