
تستعد شركة DeepSeek الصينية لإطلاق الجيل الرابع من نماذجها اللغوية الكبيرة، V4، في خطوة ربما تعيد إلى الأذهان التداعيات التي أحدثها إطلاق نموذجها السابق V3، مطلع العام الماضي، حين اهتزت أسواق المال الأميركية، وتراجعت أسهم كبرى شركات التكنولوجيا بصورة حادة، وتزايدت المخاوف السياسية بشأن موقع الولايات المتحدة في سباق الذكاء الاصطناعي أمام الصين.
وأثار النموذج، الذي وُصف آنذاك بأنه منخفض التكلفة وفعّال في الأداء، موجة اضطراب في الأسواق المالية، وأعاد إشعال الجدل داخل الأوساط السياسية الأميركية، لا سيما بين الأصوات المتشددة تجاه الصين، بشأن قدرة الشركات الصينية على تقويض الهيمنة الأميركية في هذا القطاع الاستراتيجي.
وتوقع تقرير نشرته شبكة CNBC، إطلاق النسخة الجديدة V4 قريباً، استناداً إلى جدول الإصدارات السابق للشركة، كما توقع أن يشهد مؤشر Nasdaq Composite الذي يضم شركات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، موجة تقلبات حادة جديدة، إذا جاء النموذج الجديد بمستوى أداء يتجاوز التوقعات، تماماً كما حدث العام الماضي.
وعندما أطلقت الشركة الصينية نموذج V3، تراجع مؤشر ناسداك المركب بنحو 3%، فيما هوى سهم عملاق تصنيع الرقائق Nvidia بنسبة 17% خلال جلسة واحدة، ما أدى إلى تبخر نحو 600 مليار دولار من قيمته السوقية في وقت قياسي، قبل أن يستعيد جزءاً من خسائره لاحقاً.
ورغم أن الأسواق تعافت تدريجياً، إلا أن تلك اللحظة رسّخت مكانة DeepSeek لاعباً عالمياً لا يمكن تجاهله في ساحة يهيمن عليها تقليدياً عمالقة كاليفورنيا.
وتتزايد حساسية المشهد حالياً، في ظل الإنفاق الضخم الذي ضخته الشركات الأميركية الكبرى في مجال الذكاء الاصطناعي خلال عام 2025، إذ أنفقت شركات مثل أمازون ومايكروسوفت وميتا وجوجل مئات المليارات من الدولارات لتطوير البنية التحتية والنماذج والتطبيقات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ومن المتوقع أن يصل إجمالي الإنفاق الإضافي في 2026 إلى نحو 650 مليار دولار، وبالتالي فإن أي اختراق تقني منخفض التكلفة من جانب منافس صيني ربما يطرح تساؤلات عميقة بشأن كفاءة هذا الإنفاق وجدواه.
وتكمن المفارقة في أن نموذج V3، الذي أربك الصناعة الأميركية، جرى تطويره، وفق تقارير، بتكلفة إنتاج تقل عن 6 ملايين دولار فقط، مع الاعتماد على رقائق أقل تطوراً من إنتاج Nvidia، ما زاد من حدة الصدمة داخل الأسواق وأوساط المستثمرين.
موعد إطلاق النموذج الجديد
أفاد موقع The Information بأن DeepSeek تعتزم طرح V4 بالتزامن مع احتفالات رأس السنة القمرية الصينية، متوقعاً أن يحل النموذج الجديد محل V3 الذي كان المحرك الأساسي لتطبيق المساعد الذكي التابع للشركة، والذي تصدّر قائمة التطبيقات المجانية في الولايات المتحدة والعالم، في يناير الماضي، متفوقاً على تطبيق ChatGPT المطور من قبل OpenAI.
قبل الإعلان الرسمي عن V4، بدأت مؤشرات الترقب تتصاعد بالفعل، إذ كشفت صحيفة South China Morning Post أن الشركة وسعت نافذة السياق في روبوت الدردشة الخاص بها، بما يسمح للنموذج بمعالجة كم أكبر من المعلومات وتذكّرها في مهمة واحدة، وهو ما يتيح للمستخدمين إجراء محادثات أطول وتنفيذ مهام أكثر تعقيداً في جلسة واحدة، ويُعد تمهيداً تقنياً لما قد يحمله الجيل الجديد.
4 ابتكارات
ومن الناحية التقنية، تشير التقارير إلى أن V4 سيقدم 4 ابتكارات رئيسية ربما تعزز موقع الشركة في المنافسة العالمية، أولها بنية جديدة تُعرف باسم MODEL1 تعتمد نظام تخزين متدرج لذاكرة KV، يهدف إلى خفض استهلاك الذاكرة بنحو 40% عبر توزيع البيانات بذكاء بين وحدات معالجة الرسوميات ووحدات المعالجة المركزية وأقراص التخزين، بدلاً من ضغط البيانات بشكل تقليدي، ويُتوقع أن يتيح ذلك توسيع نافذة السياق إلى أكثر من مليون رمز مع تقليل التكاليف.
الابتكار الثاني عبارة عن تقنية Sparse FP8 decoding التي تعتمد مبدأ الدقة الهجينة، بحيث تُحسب الرموز الأكثر أهمية بدقة أعلى، بينما تُعالج الرموز الأقل أهمية بدقة أقل، ما يحقق زيادة في سرعة الاستدلال تصل إلى 1.8 مرة، مع خسارة طفيفة في مستوى الدقة، وهو ما قد يترجم إلى ترشيد ملموس في تكاليف التشغيل.
الابتكار الثالث يتمثل في وحدات ذاكرة تُعرف باسم Engram، تفصل بين السياق قصير الأمد والذاكرة طويلة الأمد، بحيث لا يُعاد تحليل كامل سجل المحادثة في كل مرة، بل تُخزن المعلومات الجوهرية وتُسترجع انتقائياً عند الحاجة، ما يمهد لتطوير وكلاء ذكاء اصطناعي أكثر تخصيصاً ووعياً بالسياق، مع التحكم في النفقات.
أما الميزة الرابعة فتتمثل في ما يسمى mHC optimized residual connections، وهي تحسينات على الوصلات المتبقية داخل النموذج، تسمح له بتحديد الطبقات الأكثر أهمية خلال التدريب عبر إدخال معامل تحجيم خاص، ما يؤدي إلى رفع كفاءة التدريب بنحو 30% وتحسين طفيف في مؤشرات الأداء.
تحديات متصاعدة
ورغم هذا الزخم التقني، لم تسلم DeepSeek من الجدل، إذ حظرت عدة دول، بينها إيطاليا والدنمارك والتشيك، استخدام نماذجها داخل الهيئات الحكومية بسبب مخاوف تتعلق بأمن البيانات والأمن السيبراني. كما أفادت وسائل إعلام محلية في بلجيكا بأن مسؤولين توقفوا عن استخدام تقنيات الشركة، في ديسمبر الماضي.
وعلى صعيد السوق، شهدت حصة DeepSeek في سوق النماذج مفتوحة المصدر تراجعاً ملحوظاً من نحو 50% في بداية 2025 إلى أقل من 25% بنهاية العام، في ظل اشتداد المنافسة من نماذج مثل Qwen التابعة لـ Alibaba، وKimi K2 المطور من Moonshot AI، وInternLM المدعوم من Shanghai AI Laboratory.
وفي مواجهة هذا التراجع أعادت الشركة توجيه مواردها نحو بناء منظومة أوسع تجمع بين النموذج والأدوات، والعمل على تطوير بديل صيني لأداة البرمجة المدعومة بالذكاء الاصطناعي Cursor، التي تجاوز تقييمها 2 مليار دولار في 2025، في إشارة إلى انتقال استراتيجي من التركيز على البنية التحتية إلى طبقة التطبيقات وتطوير المنظومات المتكاملة.
ويعكس مسار DeepSeek تحوّلاً أوسع في صناعة الذكاء الاصطناعي عالمياً، إذ لم تعد المنافسة تقتصر على التفوق البحثي أو تحسين مؤشرات الأداء، بل باتت تدور حول بناء منصات متكاملة تجمع بين النماذج والأدوات والتطبيقات.
ومع اقتراب إطلاق V4، تجد الشركة نفسها أمام لحظة حاسمة تكمن في استعادة الريادة التقنية، واسترجاع الحصة السوقية المفقودة، وإثبات أن تحولها الاستراتيجي قادر على الصمود في وجه منافسة شرسة.
أما الأسواق الأميركية، فستراقب عن كثب، تحسباً لسيناريو الجزء الثاني من صدمة العام الماضي، لكن هذه المرة في بيئة استثمارية أكثر تضخماً، ورهانات مالية أكبر، ومخاطر أعلى.











