
تصاعدت أزمة شرائح الهاتف المحمول في مصر والمسجلة بأسماء مواطنين لا يعرفون عنها شيئاً، إذ قرر الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، الاثنين، إحالة شركات المحمول الأربع العاملة في البلاد، إلى النيابة العامة للتحقيق في مخالفات تسجيل الخطوط، وأعلن اتخاذ ما سماه "إجراءات تنظيمية حاسمة" لحماية حقوق المواطنين.
يأتي هذا الإجراء بعد انتشار شكاوى من مئات المستخدمين، خلال الأيام الماضية، من اكتشافهم وجود أرقام مسجلة بأسمائهم، دون أن تكون في حوزتهم، أو لهم علاقة بها.
وجاءت الشكاوى لأن شريحة الهاتف المحمول لم تعد مجرد وسيلة لإجراء المكالمات أو الاتصال بالإنترنت، بل تحولت إلى ما يشبه "هوية رقمية" ترتبط بها الحسابات البنكية والمحافظ الإلكترونية والخدمات الحكومية وغيرها من المعاملات اليومية.
ومع هذه الأهمية للشريحة، لم يعد اكتشاف خطوط هواتف محمولة مجهولة مسجلة بالرقم القومي لمواطنين دون علمهم مجرد "خلل إداري"، بل بات مصدر قلق قانوني وأمني، إذ قد يجد صاحب الرقم نفسه مسؤولاً عن خط لم يسجله أو يستعمله، وربما يواجه تبعات قانونية على أفعال ارتكبها شخص آخر.
وسلطت قضية جنائية انتهت بسجن شاب يُدعى عمرو عمارة بسبب خط هاتف محمول مسجل باسمه واستخدمه شخص آخر، الضوء على ثغرة في سوق الاتصالات المصرية، وأثارت تساؤلات بشأن آليات تسجيل شرائح المحمول والتحقق من بيانات أصحابها.
ودفعت القضية مواطنين إلى الاستعلام عن خطوط المحمول المسجلة بأسمائهم عبر تطبيق الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات "My NTRA"، إذ اكتشف كثيرون وجود شرائح مسجلة ببياناتهم الشخصية دون علمهم، وفقاً لمئات المنشوارت على وسائل التواصل.
ويتيح تطبيق الجهاز للمستخدم الاطلاع على خطوط المحمول المسجلة بالرقم القومي (بطاقة الهوية الوطنية) عبر خدمة "أرقامي"، التي أطلقها الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في يناير 2022، والتحقق من الأرقام المرتبطة ببياناته الشخصية واتخاذ الإجراءات اللازمة بشأن أي خطوط لا تخصه.
وخلال الأيام الماضية، نشر مستخدمون عبر منصات التواصل الاجتماعي لقطات شاشة من التطبيق تفيد اكتشاف خطوط مسجلة بأسمائهم لم يسبق لهم شراءها أو استخدامها.
المشكلة لم تعد تتعلق فقط بمعرفة عدد الخطوط المسجلة باسم المستخدم، وإنما بالمرحلة التي سبقت ظهورها على حسابه: كيف دخلت بياناته إلى عملية تسجيل خط لا يعرف عن وجوده شيئاً؟
شروط شراء خطوط المحمول في مصر
تحدد القواعد المنظمة لبيع شرائح المحمول في مصر إجراءات تجعل تسجيل خط باسم شخص دون علمه أمراً يصعب حدوثه.
فوفقاً لقواعد الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، يتعين على المواطن الراغب في شراء شريحة محمول جديدة التوجه إلى أحد فروع شركات المحمول، وتقديم أصل بطاقة الرقم القومي السارية لموظف البيع، الذي يتحقق منها، ويحتفظ بصورة ضوئية منها.
ويشترط الجهاز وجود العميل شخصياً للتوقيع على أصل عقد الشريحة، وتسلم نسخة منه، ويضع حداً أقصى قدره 10 خطوط صوتية، و5 خطوط بيانات يمكن تسجيلها بالرقم القومي الواحد لدى كل شركة محمول.
لكن على أرض الواقع، تعني الأزمة الحالية أن أحد هذه الشروط أو الخطوات لم ينفذ بالصورة التي تنص عليها القواعد التنظيمية.
الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، سبق أن أعلن في 17 أكتوبر 2024، تنفيذ سلسلة من الضبطيات القضائية في القاهرة الكبرى ومحافظات بالصعيد، بالتنسيق مع مباحث الاتصالات والأمن العام، أسفرت عن ضبط عدد كبير من الشرائح كانت تباع خارج منافذ البيع المعتمدة، بحسب بيان للجهاز.
ولم تقتصر المضبوطات على الشرائح، إذ أعلن الجهاز العثور على أعداد كبيرة من صور بطاقات الرقم القومي، وعقود بيع وتفعيل شرائح مسجلة بأسماء عملاء في محافظتي القاهرة وأسيوط، واعتبر تلك الممارسات مخالفة للأطر التنظيمية الخاصة ببيع وتفعيل خطوط المحمول في السوق المصرية.
لكن الجهاز لم يوضح مصدر صور بطاقات الرقم القومي التي جرى ضبطها، أو الطريقة التي وصلت بها بيانات أصحابها إلى تلك الجهات، لتظل رحلة بيانات المستخدم واحدة من أبرز الحلقات غير الواضحة في القضية.
ولا تتوافر، حتى الآن، معلومات رسمية تحدد سبب هذه الظاهرة التي أرجعها بعض الخبراء إلى منافذ بيع مخالفة، أو إعادة استخدام بيانات سبق الحصول عليها، أو ممارسات فردية داخل شركات الاتصالات، لكن تحديد السبب يتطلب الرجوع إلى سجل كل خط على حدة.
وهنا، تصبح سجلات الشركات نقطة البداية الأهم، لأنها يمكن أن تكشف متى جرى تسجيل الخط، وأين تمت عملية البيع، والجهة التي نفذتها، والمستندات التي استُخدمت خلالها.
أزمة خطوط المحمول في مصر
تبيع شركات الهاتف المحمول الأربعة العاملة في مصر، الشرائح عبر شبكة من الفروع والموزعين ومنافذ البيع، ما يضع هذه الحلقة في قلب أي محاولة لفهم كيفية تسجيل خط باسم شخص لا يعرف شيئاً عن الخط.
وتكتسب منظومة المبيعات أهمية إضافية في ضوء ما ورد في قصة الشاب الذي عاقبته المحكمة بالسجن، إذ قال - بحسب تقارير محلية - إن تسجيل الخط باسمه جاء في الأساس لمساعدة إحدى العاملات في مجال مبيعات الاتصالات على تحقيق مستهدف المبيعات الخاص بها.
ولا تكفي هذه الواقعة وحدها للربط بين مستهدفات البيع وحالات تسجيل الخطوط دون علم أصحابها، لكنها تفتح مساراً يستحق التدقيق في طبيعة الحوافز المرتبطة ببيع الشرائح، ومدى الرقابة المفروضة على العاملين في منافذ البيع والموزعين.
الشق الأهم هنا لا يتعلق بوجود مستهدفات للمبيعات في حد ذاته، وإنما بالضمانات الموضوعة لمنع تحول بيانات عميل سبق التعامل معه إلى وسيلة لتفعيل خط جديد دون حضوره أو موافقته.
ماذا يحدث عند ظهور خط محمول مجهول؟
أوضح الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات أن المستخدم الذي يكتشف عبر تطبيق My NTRA خطاً أو خطوطاً لا يعرفها يمكنه التوجه إلى فرع أو منفذ بيع تابع للشركة صاحبة الخط، وتقديم أصل بطاقة الرقم القومي، وطلب الاستعلام عن الأرقام المسجلة باسمه.
وبحسب صفحة الأسئلة الشائعة على الموقع الإلكتروني للجهاز، يمكن للمستخدم بعد ذلك اتخاذ الإجراء الذي يراه مناسباً، سواء بإعادة تنشيط الخط باسمه إذا كان يخصه، أو طلب إلغائه إذا لم يكن كذلك.
وصفحة الأسئلة الشائعة غير متوفرة حالياً، إلا أن "الشرق" تمكنت من الوصول إلى أحدث نسخة مؤرشفة من تلك الصفحة جرى الاحتفاظ بها عبر خدمات الأرشفة في أبريل الماضي.
وتوفر هذه الإجراءات للمستخدم وسيلة للتخلص من رقم أو أرقام لا يعرفها، لكنها تعالج النتيجة الظاهرة للمشكلة أكثر مما توضح سببها، فإلغاء الخط لا يكشف، في حد ذاته، كيف جرى تسجيله، أو من نفذ العملية، أو من أين حصل على بيانات الشخص المسجل باسمه الخط، ولهذا، فإن تتبع عملية تسجيل الخط خطوة لا تقل أهمية عن إغلاقه.
شركات المحمول في مصر
شركات المحمول العاملة في السوق المصرية، وهي فودافون مصر، وأورانج مصر، وإي آند مصر، وWE، هي التي تسجل بيانات المشتركين، وهي المسؤولة عن بيع الشرائح عبر منافذها والموزعين المعتمدين لديها، ولا تتوافر بيانات رسمية توضح عدد الشكاوى بشأن الخطوط التي لا تخص أصحابها، أو حالات إنكار الملكية التي تستقبلها الشركات الأربع، ما يجعل من الصعب تحديد الحجم الحقيقي للظاهرة، أو معرفة ما إذا كانت الشكاوى المتداولة خلال الأيام الماضية محدودة، أم لا.
كما أن التعامل مع خط المحمول محل الشكوى باعتباره حالة منفردة ربما ينهي مشكلة صاحبه، لكنه لا يكشف بالضرورة ما إذا كان المنفذ، أو المسار نفسه استُخدم لتسجيل خطوط أخرى بالطريقة ذاتها.
وتزداد حساسية الأزمة لأن رقم المحمول، المكون من 11 رقماً في مصر، لم يعد مجرد وسيلة لإجراء المكالمات، فتنص القواعد المنشورة من الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات على إمكانية فتح محفظة إلكترونية واحدة فقط على كل خط هاتف محمول، وبحد أقصى 3 محافظ على بطاقة الرقم القومي للعميل.
ويوضح دليل الجهاز الخاص بمحافظ الهاتف المحمول أن الخط يجب أن يكون مسجلاً باسم صاحب المحفظة ورقم بطاقته، وأن رقم الهاتف نفسه يمثل رقم حساب المحفظة الإلكترونية.
وبذلك أصبحت سلامة العلاقة بين رقم المحمول وصاحب هويته المسجل جزءاً من منظومة أوسع تشمل الخدمات المالية والحسابات الرقمية وعمليات التحقق الإلكتروني.
وتصبح هذه العلاقة أكثر حساسية عندما يظهر الرقم في تحقيق جنائي، إذ يمكن أن تتحول بيانات تسجيل الخط من معلومة لدى شركة الاتصالات إلى عنصر ضمن مسار إثبات يحتاج إلى التمييز بين صاحب الرقم على الورق والشخص الذي كان يحمل الشريحة ويستخدمها فعلياً.
التسجيل لا يعني ملكية خط المحمول
وفي أحدث بيان له بشأن الأزمة، أعلن الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات أحقية المستخدم في أن تسجيل خط محمول باسم شخص لا يرتب عليه مسؤولية عن الأفعال التي تقع باستخدام الرقم، متى ثبت أن الخط لا يخصه، أو لم يكن في حيازته أو تحت سيطرته الفعلية.
وقال الجهاز إنه يواصل مراجعة وتطوير الضوابط المنظمة لتسجيل وتفعيل خطوط المحمول، بالتزامن مع تشديد أعمال المراجعة والتفتيش على شركات الاتصالات، وتطبيق الإجراءات والجزاءات المقررة حال رصد مخالفات.
البصمة الحيوية لتسجيل خطوط الهاتف
أشار الجهاز إلى العمل على تعزيز وسائل التحقق من هوية المستخدمين، ومنها التحقق بالبصمة الحيوية، في إطار تطوير إجراءات تسجيل وتفعيل خطوط المحمول.
ودعا الجهاز المواطنين إلى الاستعلام بصورة دورية عن الأرقام المسجلة بأسمائهم عبر تطبيق My NTRA، والإبلاغ فوراً عن أي خط غير معلوم لهم.











