أثار إعلان تشكيل الحكومة السورية الجديدة، ردود فعل متباينة، تصدّرها موقف الإدارة الذاتية بشمال سوريا التي اعتبرت أن الحكومة لا تعكس التنوع السياسي والتمثيل الفعلي لجميع مكونات الشعب، وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات، وربما مخاوف حول مصير العملية السياسية في البلاد التي أنهكتها الحرب على مدى 14 عاماً.
وبينما يعتبر البعض الحكومة الجديدة خطوة نحو الإصلاح، يعتقد آخرون أنها تفتقر إلى الشمولية اللازمة لنجاح المرحلة المقبلة من عملية الانتقال السياسي.
وتتألف الحكومة التي أدّى وزراؤها اليمين أمام الرئيس أحمد الشرع، من 23 وزيراً، بينهم وزيرة واحدة، هي هند قبوات.
ورغم أن الحكومة سعت إلى تشكيل حكومة تكنوقراط بتعيين وزراء ذوي كفاءات عالية، بقي تمثيل المكونات السياسية السورية في الحكومة محدوداً، وهو ما رآه البعض خطوة لا تزال ناقصة نحو تحقيق العدالة السياسية في سوريا.
انتقادات كردية
وأصدرت الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، بياناً عقب الإعلان عن الحكومة، اعتبرت فيه أن الحكومة تكرّر أخطاء الماضي "بتجاهل التنوع العرقي والطائفي في سوريا، ما يجعلها عرضة لعدم القدرة على إدارة البلاد بشكل فاعل".
وقالت إنها لن تتعاون مع الحكومة، مشيرة إلى أن "غياب التنوع سيزيد من تعميق الأزمة السورية بدلاً من تقديم حلول جذرية لها".
أما مجلس سوريا الديمقراطية (مسد)، فقد أشار إلى أن تشكيل الحكومة جاء بشكل أحادي يعكس سيطرة جهة واحدة، في حين كان من المتوقع أن تخطو الحكومة نحو تمثيل شامل وواقعي لجميع مكونات الشعب السوري.
ولفت إلى أن أي حكومة في سوريا يجب أن تستند إلى مبدأ الشراكة الحقيقية بين جميع القوى الفاعلة في البلاد، ويجب أن تكون قادرة على تقديم حلول للمعاناة المستمرة التي تعيشها مختلف الأطياف السورية.
ورغم أن الحكومة ضمّت وزيرا كردياً هو محمد عبد الرحمن تركو (وزير التربية والتعليم)، اعتبرت معظم الأحزاب الكردية، بما فيها المجلس الوطني الكردي والإدارة الذاتية، أن هذا التمثيل لا يعكس إرادة الأكراد السوريين.
واعتبر المتحدث الرسمي باسم المجلس الوطني الكردي السوري فيصل يوسف، في حديثه لـ"الشرق"، أن التشكيلة الحكومية الجديدة أخفقت في تحقيق تمثيل متوازن لجميع مكونات الشعب السوري، خاصة الأكراد الذين ظلوا غائبين عن المشاركة الفاعلة في هذا السياق.
إلغاء السياسات التمييزية
وقال يوسف إن "الحكومة الجديدة لم تعكس التعددية القومية والدينية في سوريا، وقد استُبعِدَت مكونات أساسية، على رأسها الشعب الكردي"، مشيراً إلى أن "هذا التهميش يعيدنا إلى السياسات الإقصائية التي كانت سائدة في العهود السابقة، والتي لا تسهم في بناء سوريا ديمقراطية".
وتابع: "تمثيل جميع المكونات هو أساس التقدم في عملية الانتقال السياسي، ويعدّ خطوة حاسمة نحو استقرار البلاد".
ولفت يوسف إلى أن "الاستبعاد المتعمد لبعض الفئات، وفي مقدمتها الشعب الكردي، سيعيق مسار بناء سوريا جديدة ويساهم في تفاقم الأزمة السياسية المستمرة"، موضحاً أن "الحل يكمن في تمثيل كل الأطياف السورية لضمان عملية سياسية حقيقية وشاملة".
كما أشار يوسف إلى مجموعة من الإجراءات التي يجب أن تُتخذ لتحقيق شراكة سياسية حقيقية في سوريا، بينها ضرورة "تنفيذ (قرار مجلس الأمن 2254) كأساس للعملية السياسية"، ولفت إلى أهمية "إعادة النظر في الحكومة الانتقالية لتشمل جميع المكونات السورية".
وأضاف أن "الاعتراف بحقوق الشعب الكردي في الدستور وإلغاء السياسات التمييزية سيشكلان خطوة مهمة نحو بناء الثقة بين جميع الأطياف".
وتواصلت "الشرق" مع عدد من المؤسسات الحكومية الرسمية للحصول على تعليق حول التشكيل الجديد، إلا أن الرد جاء بأنه لن تصدر أي تصريحات رسمية في هذا الشأن قبل انتهاء مرحلة التسليم والاستلام بين الوزراء الجدد والقدامى.
وأكدت هذه المؤسسات أن ذلك يأتي من منطلق احترام الإجراءات الداخلية والفترة الانتقالية، مع التأكيد على أن أي بيانات رسمية حول الحكومة لن تصدر إلا بعد استكمال هذه المرحلة.
إشكالية التوازن السياسي
إلى جانب موقف الأكراد، تواجه الحكومة تحديات في تلبية توقعات مكونات أخرى في المجتمع السوري، مثل الدروز والمسيحيين وغيرهم من الأقليات.
في هذا السياق، يرى المحلل السياسي والأكاديمي السوري جهاد تللو، أن الحكومة بحاجة إلى اتخاذ خطوات جادة للتواصل بشكل أفضل مع كافة مكونات الشعب السوري، بما في ذلك تلك التي تشعر بالتهميش، مشيراً إلى أنه من الضروري أن تعمل الحكومة على توضيح أهدافها عبر قنوات إعلامية مناسبة لضمان فهم أكبر من قبل جميع الأطراف المعنية.
وأوضح تللو: "لا يتعلق الأمر بالخطوات السياسية فحسب، بل بكيفية توصيل الرسالة بشكل صحيح، العديد من الشخصيات والمكونات التي تشعر بالإقصاء بحاجة إلى فهم الأهداف والخطط بشكل أفضل، التواصل الجيد سيساهم في تخفيف حدة هذه المشاعر وتحقيق تجاوب أكبر من قبل هذه الأطراف".
ويلفت إلى أن هذه العملية لا تحدث بين ليلة وضحاها، بل تتطلب وقتاً وجهوداً مستمرة من الحكومة، إضافة إلى أداء فعّال يعكس تأثيراً إيجابياً في المستقبل، مما يساعد على تهدئة قلق بعض الأطراف، ويعزز من استقرار البلاد.
من ناحية أخرى، يرى تللو أن تشكيل الحكومة الجديدة يمثل خطوة مهمة نحو استعادة مؤسسات الدولة التي تأثرت بشكل كبير خلال سنوات الحرب.
وقال إن "المرحلة الحالية تركز على بناء مؤسسات الدولة، كأحد أولويات المرحلة الانتقالية التي ستستمر لحوالي خمس سنوات"، معتبراً أن "الحكومة السورية الجديدة ستكون بمثابة نقطة انطلاق نحو استقرار سياسي حقيقي، إذ أن اختيار الشخصيات غير المرتبطة بالأيديولوجيات السياسية يعكس رغبة القيادة السورية في الانتقال إلى مرحلة بناء الدولة بدلاً من الاستمرار في مرحلة الثورة".
وأشار تللو إلى أن الحكومة الجديدة قادرة على وضع الأسس اللازمة لبناء مؤسسات الدولة التي تمهد لعملية سياسية شاملة ومصالحة وطنية، رغم أن هذه العملية ستأخذ وقتاً أطول.
وأضاف: "الجراح التي خلفتها الحرب عميقة على الصعيد المجتمعي والبنية التحتية، وهذا سيستغرق وقتاً طويلاً، لكن وجود المجلس التشريعي الذي سيُشكل خلال أقل من 60 يوماً سيسهم في إتمام صورة الدولة وتقسيم السلطات".
مخاوف من "انقسامات متزايدة"
وتعد هذه التحديات جزءاً من نقاش أوسع وجدل يحيط بتمثيل جميع المكونات السورية في الحكومة الجديدة، خاصة فيما يتعلق بالتمثيل الدرزي، وهنا يشير نزار أبو فخر، عضو مؤتمر الحوار الوطني السوري وأحد الموقعين على مذكرة التفاهم مع محافظ السويداء، في حديثه لـ"الشرق" إلى ما وصفه بمفاهيم الشراكة الوطنية في الحكومة الجديدة.
ولفت إلى أن "الطائفة الدرزية" لا تبحث عن "حصة معينة" في الحكومة، بل تسعى إلى بناء "شراكة وطنية حقيقية" مع جميع مكونات الشعب السوري.
واعتبر أبو فخر، أن إرضاء الطوائف بتخصيص حقائب وزارية ليس هو الحل الفعلي للشراكة السياسية، إذ أن "الحكومة الحالية، على الرغم من كونها متعددة الأفراد، لا تُمثل تنوع سوريا بالشكل الصحيح، حيث بقيت الوزارات السيادية في يد الرئيس وفريقه".
وقال إن "العديد من السوريين، بمن فيهم بعض أفراد السُنّة، يشعرون بعدم الارتياح لهذه الحكومة، التي تبنى على أساس الإعلان الدستوري الذي قال إن قطاعات واسعة من المجتمع السوري ترفضه".
وأشار أبو فخر إلى أن غياب التنوع لا يقتصر على السياسة فقط، بل يشمل جميع جوانب الحكومة، متابعاً: "الحكومة الحالية هي جزء من منظومة إقصائية، حيث يعيّن الرئيس ثلث البرلمان، ويحدد مع من يشاركه السلطة".
ولفت إلى أن هذه الحكومة تعكس رؤيته (الشرع) الشخصية، وليس التنوع السياسي أو المجتمعي في سوريا، مما يجعل التصاعد في التوترات أمراً متوقعاً. وأضاف: "غياب التنوع السياسي والطائفي قد يؤدي إلى مزيد من الانقسامات في المجتمع السوري، ويزيد من احتمال حدوث توتر قد تكون غير قابلة للتهدئة".
وذكر أن "الحكومة لا تسعى إلى تفهم هواجس الطائفة الدرزية أو معالجة مشكلاتها"، بل تعمل على "كسب أنصار" من داخلها، وهو ما قد يؤدي إلى توتر داخل المجتمع الدرزي نفسه، مضيفاً أن "الحكومة تتبع أسلوباً سلطوياً، حيث ترى نفسها صاحبة القرار الوحيد، وبالتالي لا ترى حاجة إلى الاستماع إلى مطالب المواطنين أو معالجة الأزمات السياسية والاجتماعية التي يعانون منها".
وأوضح أن مساعي مجموعة من أبناء السويداء، التي هو عضو فيها، تقتصر على توفير "الخدمات الضرورية" للمواطنين، وهو عمل يتم بالتعاون مع محافظ السويداء، لكن هذه المساعي لا تتجاوز الجوانب الخدمية، ولا تعالج القضايا السياسية الجوهرية.
الرئيس السوري أحمد الشرع كان له رأي آخر في هذا السياق، حيث أكد في حديث له الاثنين، أن عملية تشكيل الحكومة الجديدة "اعتمدت على المشاركة والابتعاد عن المحاصصة"، وأن "اختيار الوزراء اعتمد على معايير الخبرة والكفاءة".
وأضاف الشرع، في كلمته بمناسبة عيد الفطر في قصر الشعب بالعاصمة دمشق "سوريا ليست سوقاً للرغبات"، وأن "الحلم الوحيد الذي سيتحقق هو رفعة سوريا".
حكومة بـ"ظروف استثنائية"
وفي تقييمه لتشكيل الحكومة السورية الجديدة، يرى الباحث في الشؤون السياسية مصطفى النعيمي في حديثه لـ"الشرق" أن الحكومة الحالية تشكل نقلة نوعية، رغم أنها تعتمد على أسس تكنوقراطية تهدف إلى تحسين إدارة الوزارات.
ويشير النعيمي إلى أن التشكيل يتسم بتنوع أكاديمي في الوزارات السيادية والتنفيذية، مما يشير إلى مرحلة قادمة ستشهد تقدماً في العديد من الملفات السياسية المهمة، مثل تلك المتعلقة بقوات سوريا الديمقراطية وملف السويداء.
وحول الرسائل السياسية التي يحملها هذا التشكيل، يعتقد النعيمي أن الحكومة جاءت في ظروف استثنائية تحت ضغط دولي شديد، لكن تشكيلها يعكس، رغم ذلك في رأيه تطوراً إيجابياً في تعزيز التوافقات الداخلية بين مختلف المكونات السورية، بما في ذلك الأكراد والدروز والعلويون.
ولفت إلى أن الحكومة ستساهم في إنشاء بيئة آمنة تعزز من التواصل بين الشعب والقيادة، بما يعزز الوعي الجمعي حول أهمية إنقاذ سوريا بعيداً عن التجاذبات المحلية والإقليمية والدولية.
أما عن قدرة الحكومة على معالجة الأزمات القائمة، سواء كانت اقتصادية أو أمنية أو سياسية، فيرى النعيمي أن الحكومة تمتلك القدرة على معالجة هذه التحديات تدريجياً من خلال العمل على استراتيجيات واضحة.
ويشدد على أن الخبراء الأكاديميين ضمن الحكومة سيعززون جهود بناء استراتيجيات من شأنها رفع مستوى الوعي السياسي والعسكري والاقتصادي، مما يساهم في إعادة تحريك عجلة الحياة في سوريا.
ويرى النعيمي أن التشكيل الحكومي الحالي يمتلك الكفاءات اللازمة لتأسيس بيئة آمنة للانتخابات القادمة بعد خمس سنوات، مشيراً إلى أن المرحلة القادمة ستشهد مزيداً من التعاون بين الشعب والقيادة لتحقيق التنمية والتطوير، مع العمل على استعادة مكانة سوريا كدولة مؤثرة على الصعيدين الإقليمي والدولي.
خطوة نحو الاستقرار
وفي تصريحٍ لـ"الشرق"، تناول الدكتور أحمد قربي، عضو لجنة صياغة الإعلان الدستوري السوري للفترة الانتقالية، الأبعاد السياسية والاقتصادية لتشكيل الحكومة السورية الجديدة، مؤكداً أن هذا التشكيل يعتبر خطوة أساسية نحو تحقيق الاستقرار في البلاد.
وأوضح قربي أن الاستقرار لا يرتبط فقط بتشكيل الحكومة، بل يشمل عوامل أساسية عدّة مثل الوضع الاقتصادي، الأمني، والتدخلات الخارجية، مشيراً إلى أن "تشكيل الحكومة في حد ذاته هو عنصر أساسي في مسار الاستقرار السياسي، إذ أن الحكومة مبنية على 3 معايير جوهرية، استعادة الاستقرار، الكفاءة، والشمول".
وتابع قربي شارحاً أن الحكومة تمثل استعادة للاستقرار السياسي من خلال الاعتماد على فريق وزاري موحد، مع التركيز على كفاءة القرار وسرعته، لافتاً إلى أن "أغلب الوزراء من هيئة تحرير الشام، وهو ما يتيح سرعة اتخاذ القرارات، بينما تحقق معيار الشمول إلى حد ما".
وفي سياق الحديث عن التحديات التي تواجه الحكومة، لفت قربي إلى أن التحدي الأمني يبقى الأبرز، خاصة في ظل الاتفاقات الأمنية المعقدة مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والمستجدات الأمنية في مناطق مثل السويداء. كما أشار إلى التحديات المرتبطة بالتدخلات الخارجية، خاصة من جانب إسرائيل وتدمير البنية التحتية السورية.
كما تطرق قربي إلى قضايا العقوبات الاقتصادية موضحا أن هذه العقوبات تُعد من أكبر العوائق أمام تحسن الأوضاع الاقتصادية في البلاد.
وقال إن "التحديات القائمة ليست جديدة، لكن هناك أملاً في أن يساهم تشكيل الحكومة في تجاوز هذه التحديات، خصوصاً بعد التصريحات الإيجابية من بعض الدول. ومع ذلك، يبقى الموقف الأميركي غامضاً حتى الآن، ولم نشهد حتى اللحظة خطوات ملموسة لرفع العقوبات أو تعليقها".
أما بالنسبة لقدرة الحكومة على تحقيق عملية سياسية شاملة ومصالحة وطنية، فقد أكد قربي أن هذا يُعد التحدي الأكبر أمام الحكومة الانتقالية، قائلاً: "الحكومة الانتقالية تواجه مهمة صعبة تتمثل في استعادة الاستقرار وتوفير بيئة مناسبة لانتقال البلاد إلى مرحلة أكثر استقراراً، من خلال كتابة الدستور، تنظيم الانتخابات، وتطبيق العدالة الانتقالية".
ورغم تفاؤل أبدته الحكومة في تصريحاتها ضمن خطابات التنصيب، شدد قربي على أن الوقت ما زال مبكراً للحكم على فاعلية هذه الإجراءات في الواقع، مضيفاً أن "المؤشرات الأولية تبدو إيجابية من حيث التصريحات، لكن النجاح الفعلي سيعتمد على ما ستقدمه الحكومة من خطوات عملية ملموسة في المستقبل القريب".