يمكن قراءة مقاربة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن الحرب في أوكرانيا على أنها محاولة لتجربة كل الأوراق دفعة واحدة، "الدبلوماسية الشخصية"، "ضغط ساحة المعركة"، "العقوبات الاقتصادية"، و"تقاسم الأعباء مع أوروبا". وفي خلفية كل ذلك، حساب سياسي داخلي بسيط: إذا انهارت أوكرانيا يمكنه القول إنه لم يكن المسؤول عن الفشل، وإذا تحقق السلام، يمكنه نيل الفضل. هذا التوازن بين إظهار القيادة وتفادي المسؤولية هو ما يحدد ملامح مقاربته المتغيرة.
ثقة ترمب جاءت دائماً محاطة بالتناقضات. فهو تارةً يصرّح بأن الحرب يمكن حلّها بسرعة عبر علاقته الشخصية مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وتارة أخرى يهدّد بـ "عواقب كبيرة جداً" إذا فشلت الدبلوماسية.
هذا المزج بين التفاؤل والتهديد ظهر بوضوح في لقائه المتوتّر مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في البيت الأبيض، حيث قال له علناً: "أنتم لا تفوزون. لديكم فرصة جيدة للنجاة بفضلنا… أنتم لا تملكون الأوراق. معنا تملكونها، لكن من دوننا لا تملكون أي ورقة". بهذه الكلمات قدّم نفسه كصانع صفقات لا غنى عنه، وفي الوقت ذاته مهّد الطريق لتحميل الآخرين المسؤولية إذا طال أمد الحرب.
التناقض نفسه انسحب على أوروبا. فقد شدّد مراراً على أن "أوروبا ستقدّم لهم الضمانات، ونحن سندعم بدور ثانوي"، فيما أكد نائبه جي دي فانس، أنه على أوروبا أن تتحمل "الجزء الأكبر من العبء" في أمن أوكرانيا. لكن ترمب يلمّح أيضاً إلى أنه قد يلجأ للتصعيد إذا شعر أن بوتين يعرقل الوصول إلى اتفاق.
التفوق الميداني
بالنسبة للعديد من المحللين، فإن ساحة المعركة، لا الطاولات الدبلوماسية، هي التي سترسم النهاية.
جون ميرشايمر، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاجو، أوضح في سلسة لقاءات في وسائل إعلام مختلفة أن الحرب وجودية بالنسبة لموسكو، وأنها مدفوعة برفض توسع حلف شمال الأطلسي، معتبراً أن روسيا "تمسك بزمام المبادرة"، وأن كل شهر إضافي من القتال يضعف أوكرانيا أكثر.
واللافت أن ميرشايمر كرّر هذا الموقف في أكثر من مقابلة، وعلى منصات مختلفة، ما يعكس ثبات رؤيته بأن موسكو قادرة على تحمّل سنوات طويلة من القتال إذا كان ذلك سيمنع كييف من دخول حلف الناتو.
لكن سارة هرموش، الرئيسة التنفيذية لشركة H9 Defense المتخصصة في الاستشارات الأمنية، قدّمت في تصريحاتها لـ"الشرق" صورة مغايرة، ووصفت الوضع بأنه "جمود ميداني".
وأوضحت أن روسيا خصصت نحو 7% من اقتصادها للدفاع، وتحقق مكاسب صغيرة ولكن ثابتة، فيما تُمدّد أوكرانيا الخدمة العسكرية حتى سنّ الستين، وتعتمد أكثر على السلاح الغربي.
وقالت: "هذه حرب استنزاف، لكنها أيضاً حرب تكيّف"، أي أن الطرفين يغيّران تكتيكاتهما، ويعززان إنتاجهما الحربي بمرور الوقت، لكن دون اقتراب من حسم سريع.
أما فيليب فازيليفسكي، مدير مركز دراسات الاستخبارات والحروب غير التقليدية في معهد أبحاث السياسة الخارجية FPRI، فشدّد في حديثه لـ "الشرق"، على أن الحرب "ليست مجرد صراع جغرافي أو عسكري، بل صراع هوية". لذلك فإن مجرد جمع بوتين وزيلينسكي حول طاولة واحدة لا يكفي لإنهاء النزاع.
هذه الرؤى المتناقضة تكشف معضلة ترمب: هل يراهن على أن الجمود سيدفع الأطراف نحو التفاوض، أم أن التقدّم الروسي البطيء سيجبر كييف في النهاية على التنازل؟
العقوبات الاقتصادية
في الاقتصاد، يظهر بوضوح الطابع "الصفقاتي" لمقاربة ترمب. هنري أولسن، كاتب محافظ ومؤيد لترمب وزميل في مركز الأخلاقيات والسياسة العامة، قال في تصريحات لـ "الشرق"، إن الإدارة الأميركية، تسعى إلى "سلام تفاوضي يقوم على الخطوط الحالية تقريباً"، بحيث تبقى أوكرانيا دولة مستقلة لكن خارج الناتو. وأضاف أنه "إذا شعر ترمب أن بوتين يعرقل الحل، فقد يلجأ للتصعيد"، ويفتح الباب أمام "دعم أميركي كامل على المستويين الاقتصادي والعسكري".
وأشارت سارة هرموش، الرئيسة التنفيذية لشركة H9 Defense، إلى أن العقوبات لا تُسقط الاقتصادات بين ليلة وضحاها، لكنها "عاماً بعد عام تضعف النمو وتزيد التبعية".
وصمدت روسيا عبر إعادة توجيه صادرات الطاقة نحو آسيا وبناء "اقتصاد حصين" قائم على الحرب، لكنها بدأت تشعر بالأثر مع انسحاب بعض البنوك الصينية والتركية من التعامل معها بفعل العقوبات الثانوية.
أما مدير مركز دراسات الاستخبارات والحروب غير التقليدية في معهد أبحاث السياسة الخارجية، فذهب أبعد من ذلك، معتبراً أن هدف ترمب الحقيقي قد يكون تجميد الصراع ثم إعلان "سلام" يسمح له بإعادة فتح العلاقات الاقتصادية مع روسيا.
أوروبا وتقاسم الأعباء
في كل خطاب تقريباً، يؤكد ترمب أنه على أوروبا أن تتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية. وقد صرّح بوضوح: "أوروبا ستقدّم لهم الضمانات، ونحن سندعم بدور ثانوي".
دونالد جنسن، المدير السابق لبرامج روسيا وأوروبا في معهد الولايات المتحدة للسلام، قال في تصريحات لـ"الشرق"، إن "مقاربة ترمب يصعب وصفها كعقيدة واضحة".
وأضاف: "أتحفّظ على وصف ترمب بالواقعي. مقاربته متناقضة، تتأرجح بين الانعزالية والانخراط". وبرأيه، فإن ترمب "لا ينظر إلى السياسة الخارجية من زاوية أكاديمية، بل من زاوية تجارية، صفقات هنا وهناك".
"هذا التذبذب يربك الحلفاء الأوروبيين، الذين يرغبون في بقاء أميركا ركيزة أمنية أساسية، لكنهم يخشون انسحابها المفاجئ"، على حد وصف جنسن، في حين أكدت هرموش في تصريحاتها لـ"الشرق"، أن "الاتحاد الأوروبي يحتاج الأميركيين"، حتى في وقت تشير فيه واشنطن إلى تركيز متزايد على آسيا.
سياسة بلا عقيدة ثابتة
ما يقدّمه ترمب ليس عقيدة صلبة بقدر ما هو مقاربة متغيّرة، تختبر أدوات مختلفة دون التزام كامل بأي منها. فإذا طالت الحرب وخسرت أوكرانيا أراضي إضافية، سيقول إنه أبعد أميركا عن المستنقع، وألقى العبء على أوروبا. وإذا تحقق السلام لاحقاً، سينسب الفضل إلى ضغوطه وصفقاته.
قد تفتقر هذه السياسة إلى التماسك، لكنها تعكس منطقاً سياسياً واضحاً، يتمثل في تجربة كافة الخيارات، مع ضمان أن يتحمّل الآخرون اللوم حال فشل جهود التسوية.
يتأرجح نهج ترمب بشأن الحرب في أوكرانيا، بين ما يمكن اعتباره "حنكة سياسية"، أو "فرصة ضائعة"، أو ربما "محاولة للتنصل من المسؤولية"، لكن الحكم على ذلك، سيعتمد في النهاية على مآلات الحرب نفسها.