تستعد أوكرانيا لأسبوع حاسم من المفاوضات بشأن خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنهاء الحرب مع روسيا، فيما لا تزال تواجه داخلياً تبعات فضيحة الفساد التي هزت نخبتها السياسية، وأطاحت بكبير مفاوضيها، أندريه يرماك، رجل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، القوي في ديوان الرئاسة.
وسيواجه زيلينسكي جولة جديدة من الضغوط الأميركية خلال مفاوضات الأسبوع الجاري، للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب مع روسيا، وتقديم تنازلات، وسط معاناة القوات الأوكرانية من نقص في الأسلحة والتمويل، وفي وقت تعصف فيه فضيحة الفساد بدائرته المقربة، ودعوات من قادة المعارضة إلى إعادة هيكلة شاملة للحكومة، في واحدة من أكثر اللحظات السياسية خطورة على الرئيس الأوكراني منذ اندلاع الحرب.
ووصل وفد أوكراني إلى الولايات المتحدة برئاسة أمين المجلس الوطني للأمن والدفاع رستم عمروف إلى الولايات المتحدة، مساء السبت، لاجتماعات مع وزير الخارجية ماركو روبيو والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر صهر الرئيس الأميركي، الأحد، في ولاية فلوريدا.
وعُين عمروف رئيساً للوفد الأوكراني بعد استقالة أندريه يرماك، كبير المفاوضين والذي كان يشغل منصب مدير مكتب زيلينسكي، الجمعة، بعد ساعات من تفتيش محققي مكافحة الفساد لشقته.
ومن المقرر أن يتوجه ويتكوف وكوشنر الأسبوع الجاري، إلى موسكو، للقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لمناقشة بنود الخطة المعدلة، والتي ألمحت روسيا بالفعل إلى أنها لن تقبلها، بعد ثنائها على البنود الـ28 للخطة الأصلية التي أعلنها ترمب.
وتأتي زيارة ويتكوف إلى موسكو، وسط تزايد التساؤلات بشأن دوره في المفاوضات بعد أن نشرت "بلومبرغ"، نص مكالمة مسربة قدم فيها النصح ليوري أوشاكوف، مساعد بوتين بشأن كيفية إقناع ترمب بخطة السلام.
كما نصحه بفعل ذلك، قبل زيارة زيلينسكي إلى البيت الأبيض في 17 أكتوبر، والتي كانت تهدف لمناقشة الحصول على صواريخ توماهوك، والتي ترغب فيها أوكرانيا، بشدة وأبدى ترمب ميله لتلبية الطلب، إلا أن الزيارة انتهت دون تعهد أميركي بعد مكالمة بوتين وترمب.
زيلينسكي مكشوفاً
ورأت "بلومبرغ" أن استقالة يرماك، تركت زيلينسكي "مكشوفاً"، إذ حرمته من أهم مستشاريه في لحظة حرجة من المفاوضات.
وقاد يرماك المحادثات مع حلفاء أوكرانيا، وساعد في إقناع الولايات المتحدة الأسبوع الماضي، بحذف بعض البنود غير المقبولة من مسودة خطة السلام.
وجاء قرار يرماك بالاستقالة بعد تفتيش شقته من قبل محققي مكافحة الفساد صباح الجمعة. ورغم أن السلطات لم تقدّم تفسيراً للمداهمة، إلا أنها جاءت في سياق تحقيق واسع شمل عدة وزراء وأحد الشركاء التجاريين السابقين لزيلينسكي.
وقال يرماك إنه يتعاون بالكامل مع التحقيق، ولم تُوجَّه إليه أي تهمة بارتكاب مخالفات.
وفي محادثات جنيف نهاية الأسبوع الماضي، مثّل يرماك أوكرانيا وتمكّن من إقناع الولايات المتحدة بإعادة صياغة بنود اتفاق بدا وكأنه يصب في مصلحة روسيا.
واعتبر رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك الجمعة، أن الأزمة السياسية في كييف تمثل "مزيجاً كارثياً"، خصوصاً مع وجود رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان في موسكو للقاء فلاديمير بوتين.
فوضى سياسية بأوكرانيا وسط المفاوضات
وبينما تعمل أوكرانيا على معالجة تفاصيل أساسية في خطة السلام، يدعو نواب المعارضة زيلينسكي إلى توحيد البلاد عبر استبدال وزراء أساسيين ودعم تشكيل ائتلاف جديد في البرلمان.
وكان وزيرا العدل والطاقة قد استقالا بالفعل هذا الشهر بعد اتهامهما بصلات بفضيحة الفساد. وأصبحت تلك المناصب صعبة الشغل، إذ يخشى المرشحون المحتملون أن انضمامهم للحكومة في لحظة محفوفة بالشكوك قد يعرّض سمعتهم للخطر بعد نحو أربع سنوات من الحرب، وفق "واشنطن بوست".
وسيتعين على زيلينسكي إدارة هذا الكمّ من الأزمات، بينما يبحث أيضاً عن شخصية تخلف أقرب مساعديه وأكثرهم ولاءً، والذي تعرّض لانتقادات واسعة بسبب تركيز السلطات في مكتب الرئيس وتعطيل عمل الدبلوماسيين المحترفين، لكنه رغم ذلك احتفظ بثقة زيلينسكي لسنوات، لا سيما في المهام الأكثر حساسية خلال الحرب.
وقال عالم السياسة الأوكراني فولوديمير فيسينكو: "استقالة يرماك بالنسبة لزيلينسكي أشبه بقطع ذراعه اليمنى. إنها عملية مؤلمة للغاية، بدنياً ونفسياً. ستنشأ فجوة نفسية حول زيلينسكي. كان يرماك دائماً إلى جانبه".
وأضاف فيسينكو: "لكن زيلينسكي قادر على التكيّف. يتعلم بسرعة. لا أعتقد أنها كارثة — لكنها تحدٍّ خطير".
وقبل أيام فقط، جلس يرماك مقابل وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في جنيف، بينما كانت كييف تتفاوض على تغييرات جوهرية في مسودة خطة السلام التي كانت في بدايتها تنص على تنازلات كبيرة لصالح روسيا.
ورغم أن استقالته قد تُفسَّر بأنها عرقلة لمسار السلام، قال مراقبون إنه ينبغي النظر إليها بدلاً من ذلك كـ"تعزيز لسمعة جهود مكافحة الفساد في أوكرانيا"، وفق "واشنطن بوست".
وكتبت النائبة الأوكرانية المعارضة آنا سوفسون على منصة "إكس": "هناك أمر واحد يطمئنني حقاً: يبدو أن أندري يرماك خرج من دائرة التفاوض. كانت فكرة عقد محادثات يقودها شخص تضررت مصداقيته بهذا الشكل مخيفة. مهما كانت خلفية إبعاده، فإن وضعه الآن مسؤولاً عن فريق التفاوض سيكون مخاطرة واضحة بمصالح أوكرانيا، وبأي ثقة في العملية".













