لم تعد الجزر المتناثرة في بحر الصين الشرقي مجرد نقاط جغرافية صغيرة، بل أصبحت محوراً لتنافس استراتيجي متصاعد بين الصين واليابان، ومع تكثيف بكين لمناوراتها العسكرية ودورياتها البحرية في محيط الجزر خلال الفترة الأخيرة، عاد النزاع إلى واجهة الاهتمام الإقليمي والدولي، في ظل مخاوف متزايدة من أن يؤدي أي "احتكاك غير محسوب" إلى تصعيد يهدد أمن واستقرار المنطقة بأكملها.
وتكررت المناوشات بين الصين واليابان بشأن الجزر المتنازع عليها، والتي تطلق عليها بكين اسم "دياويو"، وتسميها طوكيو "سينكاكو".
وكان خفر السواحل الصيني، أعلن في مطلع ديسمبر الجاري، مرور تشكيل من سفنه عبر مياه جزر سينكاكو التي تديرها اليابان، فيما سماها "دورية لحماية الحقوق"، مضيفاً أن العبور كان "وفقاً للقانون الدولي"، وذلك، وسط تصاعد للخلاف الدبلوماسي بين البلدين، بعد تصريحات يابانية رسمية بشأن تايوان.
وبينما أبرمت اليابان والصين اتفاقاً مبدئياً في عام 2008، للاستغلال المشترك للموارد في بحر الصين الشرقي، الممر المائي الذي يفصل بين البلدين، فقد تصاعدت التوترات خلال العقد ونصف العقد الماضيين.
وتتركز التوترات في بحر الصين الجنوبي أيضاً، حول النزاعات المتعلقة بالوصول إلى مناطق الصيد، وموارد الطاقة تحت سطح البحر، وقضايا عسكرية استراتيجية، مثل السيطرة على طرق التجارة الحيوية و"حق" السفن العسكرية الأميركية في العمل ضمن المنطقة الاقتصادية الخالصة للصين التي تمتد لمسافة 200 ميل بحري.
مواقف الأطراف المعنية:
- اليابان: تسعى إلى الدفاع عن الأراضي التي تديرها، وحماية حقوق الصيد، وإظهار الردع في ظل المخاوف من تصاعد الحزم الصيني إقليمياً.
- الصين: تهدف إلى تعزيز مطالبها بالسيادة والرد على تصريحات طوكيو الأخيرة بشأن تايوان.
- مجتمعات الصيد اليابانية: غالباً ما تجد نفسها عالقة بين التوترات الدبلوماسية والضرورة الاقتصادية.
- الولايات المتحدة: مُلزمة بموجب معاهدة بالدفاع عن اليابان إذا تعرضت أراضيها لهجوم، ما يجعل واشنطن طرفاً خارجياً محورياً.
- الجيران الإقليميون: تراقب تايوان وكوريا الجنوبية ودول جنوب شرق آسيا هذه الحوادث عن كثب باعتبارها مؤشرات على السلوك البحري الصيني.
والثلاثاء، أعاد الجيش الصيني مرة أخرى، نشر مدمرات وقاذفات قنابل ووحدات أخرى للتدريب على الهجمات البحرية والدفاع الجوي والعمليات المضادة للغواصات حول بعض الجزر المتنازع عليها، وهو ما رفضته طوكيو، مشيرة إلى أن هذه التدريبات "تصعد النزاع إلى صراع شامل".
نزاع تاريخي
على مدار سنوات، تطالب كلٌّ من طوكيو وبكين بالجزر غير المأهولة، المعروفة باسم جزر سينكاكو في اليابان، وجزر دياويو في الصين، باعتبارها تابعةً لها.
وقد تصاعدت التوترات بشأن هذه السلسلة الصخرية، الواقعة على بُعد 1900 كيلومتر (1200ميل) جنوب غرب طوكيو، لسنوات، ومع وجود مطالبات عليها تعود إلى مئات السنين، فمن غير المرجح أن تتراجع أي من اليابان أو الصين عن موقفها بشأن هذه الأراضي، التي تُعتبر "حقاً وطنياً أصيلاً" في كلتا العاصمتين.
وتُشبه هذه الجزر إلى حدٍّ كبيرٍ قمم جبال الهيمالايا الصخرية، حيث اندلع توتر دام عقوداً على حدودٍ غير مُرسّمة بين أراضي الصين والهند.
لكن أي تصعيد غير متوقع في جزر سينكاكو/دياويو قد يُشعل مواجهة عسكرية بين الصين والولايات المتحدة، خاصة في ظل معاهدة الدفاع مشترك بين الولايات المتحدة واليابان، حيث تلتزم الولايات المتحدة بالدفاع عن الأراضي اليابانية في حال تعرضها لهجوم من قوة أجنبية.
وتعود جذور النزاع الصيني الياباني، حول أحقية امتلاك هذه الجزر، إلى اختلاف الروايات التاريخية حول السيادة على الجزر. فاليابان تستند إلى مبدأ "الأرض الخلاء" terra nullius، مؤكدة أن مسوحات أُجريت في عام 1895، لم تُظهر أي دليل على سيطرة صينية سابقة، وأن الجزر أُلحقت رسمياً بالأراضي اليابانية، وفق موقع الخارجية اليابانية.
في المقابل، ترفض الصين هذه الرواية، مستندة إلى وثائق تاريخية تعود إلى القرن الرابع عشر، تشير إلى أن الجزر كانت جزءاً من أراضيها. وقد أدى غياب الحسم التاريخي النهائي إلى استمرار النزاع وتعقيده، وفق موقع Eurasiareview.
وتقول الصين إن ملكيتها للجزر تعود إلى عام 1400، بينما تقول اليابان إنها لم ترَ أي أثر للسيطرة الصينية على الجزر في مسح أجري في عام 1885، لذلك اعترفت رسمياً بأنها أراضٍ يابانية في عام 1895. وبعد الحرب العالمية الثانية أصبحت الجزر تحت السيطرة الأميركية حتى عام 1972.
وأممت طوكيو هذه الجزر في عام 2012، بعدما كانت مملوكة للقطاع الخاص، وذلك لمنع بيعها، ما أثار احتجاجات ضخمة في الصين، وسط موجة من المشاعر القومية. ورشق المتظاهرون السفارة اليابانية في بكين حينها.
وقد ازدادت أهمية الجزر مع اكتشاف موارد طبيعية محتملة ومناطق صيد غنية تحيط بها، ما جعل السيطرة عليها ذات بعد اقتصادي واستراتيجي متزايد.
احتكاكات يومية
وفي هذا السياق، كثّفت الصين خلال السنوات الأخيرة دورياتها البحرية ونفّذت مناورات عسكرية في محيط الجزر، شملت تحركات لسفن خفر السواحل والبحرية، في محاولة لتعزيز مطالبها السيادية وفرض أمر واقع بحري. وتُعد هذه المناورات رسالة سياسية موجهة لليابان وحلفائها، مفادها أن بكين لن تتراجع عن مطالبها.
وأدت هذه التحركات، إلى زيادة الاحتكاكات في المياه المتنازع عليها، خاصة في ظل غياب اتفاق واضح لترسيم الحدود البحرية بين الصين واليابان، الأمر الذي يرفع من احتمالات وقوع صدامات عرضية أو سوء تقدير قد يتطور إلى تصعيد أوسع.
كما أثارت المناورات الصينية قلق طوكيو، التي ردّت بتعزيز وجود خفر السواحل الياباني حول الجزر، في محاولة لاحتواء التصعيد والحفاظ على السيطرة الإدارية القائمة.
وتزامنت المناورات الصينية مع تصاعد التوتر بشأن تايوان، ما زاد من حساسية الموقف، خاصة في ظل تصريحات رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي، التي ربطت أمن الجزر بإمكانية التدخل في حال وقوع أزمة عبر مضيق تايوان، ما أثار غضب بكين.
وتزداد خطورة الوضع مع دخول الولايات المتحدة على خط الأزمة، إذ تلتزم واشنطن بموجب معاهدة أمنية بالدفاع عن اليابان في حال تعرضت جزرها لهجوم. وبينما يعزز هذا الالتزام موقف اليابان، تنظر الصين إلى المناورات العسكرية كوسيلة ردع مزدوجة، موجهة لليابان والولايات المتحدة معاً.
نشاط مكثف
وخلال الأسبوع الجاري، أفاد مسؤولون في خفر السواحل الياباني، برصد سفن تابعة للحكومة الصينية في المنطقة المتاخمة للمياه الإقليمية اليابانية قبالة جزر سينكاكو في بحر الصين الشرقي، وذلك لمدة قياسية بلغت 356 يوماً في عام 2025، متجاوزةً بذلك الرقم المسجل في العام الماضي، والبالغ 355 يوماً.
وأكد المسؤولون، رصد أربع سفن تابعة للحكومة الصينية تبحر في المنطقة المتاخمة، فجر الثلاثاء. وبهذا يرتفع عدد أيام رصد السفن التابعة للحكومة الصينية في المنطقة إلى أعلى مستوى له منذ عام 2008، وهو العام الذي تم فيه رصدها لأول مرة.
كما أفاد المسؤولون، حتى الاثنين، بتأكيد 27 حالة دخول لسفن تابعة للحكومة الصينية إلى المياه الإقليمية اليابانية حول جزر سينكاكو، بانخفاض قدره 12 حالة عن العام الماضي الذي سجل 39 حالة.
وخلال الفترة من 21 إلى 24 مارس، مكثت السفن التابعة للحكومة الصينية في المياه الإقليمية اليابانية حول جزر سينكاكو لمدة قياسية بلغت 92 ساعة و8 دقائق.
وصرح ساكاموتو سيشيرو، المسؤول الرفيع في خفر السواحل الياباني، بأن الوضع المتعلق بجزر سينكاكو يزداد توتراً، وتعهد بتكثيف المراقبة واليقظة في إطار سياسة حماية المياه الإقليمية اليابانية بحزم، وفق ما نقلت وكالة NHK اليابانية.
وأضاف ساكاموتو، أن خفر السواحل سيواصل الاستجابة بهدوء وحزم لحماية مياه بلاده الإقليمية، بالتنسيق الوثيق مع الجهات المعنية.
يونجاني في قلب النزاع
في أذهان الكثير من اليابانيين، تُعدّ يوناجوني جنة هادئة بشواطئها البكر ومياهها الصافية. لكن هذه الجزيرة الصغيرة، الأقرب إلى تايوان منها إلى طوكيو، تجد نفسها الآن في قلب توترات إقليمية أشعلتها جولة جديدة من الحملات الصينية على تايوان.
وتقع يوناجوني، على بُعد حوالي 110 كيلومترات شرق تايوان، على طول ما يُسمى "سلسلة الجزر الأولى"، وهي قوس استراتيجي من الجزر استُخدم لمحاصرة التوسع البحري الصيني.
ويُخيّم شبح الحرب على هذا الممر المائي الضيق. وتوجد خطط لتوسيع قاعدة قوات الدفاع الذاتي اليابانية في يوناجوني، وتوسيع المطار والميناء. وفي أبريل الماضي، أعلنت الحكومة، بناء ملاجئ إجلاء تحت الأرض هنا وفي جزر أخرى "على خط المواجهة".
وقد أدى هذا الزحف المتزايد للعسكرة، إلى وضع السكان المدنيين في الجزيرة، والبالغ عددهم 1500 نسمة، في الخطوط الأمامية للتهديدات الجديدة والمتزايدة لأمن اليابان، وجعل العديد من السكان يخشون على سلامتهم ومستقبلهم، حسبما نقلت صحيفة "الجارديان".
عسكرة الجزر
على مدى العقد الماضي، استثمرت الحكومة اليابانية عشرات الملايين من الدولارات لجعل يوناجوني حصناً منيعاً في جهودها لمواجهة العدوان العسكري الصيني المحتمل، وذلك بنشر قوات برية، وأبراج للرادارات وتأسيس مواقع لتخزين الذخيرة. ويمكن للأصول العسكرية اليابانية والأميركية هناك، منع السفن الحربية الصينية من الوصول إلى مياه المحيط الهادئ المفتوحة شرقاً في حال اندلاع نزاع.
وتضم الجزيرة ثلاث مستوطنات صغيرة، ومطاراً صغيراً وحامية قوامها حوالي 230 جندياً، وفق صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية.
تقود الصين منذ أوائل نوفمبر حملة شاملة لمعاقبة اليابان، وذلك بعد أن صرّحت رئيسة الوزراء اليابانية، ساناي تاكايتشي، بأن بلادها قد تتدخل عسكرياً إذا شنت الصين هجوماً على تايوان، المتمتعة بالحكم الذاتي، لكن بكين تعتبرها جزءاً من أراضيها.
وعقب هذه التصريحات، أطلقت الحكومة الصينية موجة من الإجراءات الانتقامية، شملت تثبيط السياحة إلى اليابان، وتصعيد الدوريات الجوية والبحرية، بما في ذلك في محيط الجزر اليابانية. كما أجرت الصين مناورات عسكرية بالذخيرة الحية حول تايوان، الثلاثاء، في استعراض لقوة بحريتها وقواتها الجوية، كما شملت بعض هذه الأنشطة مناطق قريبة من جزيرة يوناجوني اليابانية.
وتعتبر طوكيو أن أي هجوم صيني على تايوان، قد يُهدد وصول اليابان إلى الممرات البحرية الحيوية، ويجعل جزر سينكاكو النائية عُرضةً للخطر. (وقد سعى مُعلقون صينيون في السنوات الأخيرة إلى التشكيك في سيادة اليابان على هذه الجزر).
وزار وزير الدفاع الياباني، شينجيرو كويزومي، الجزيرة مؤخراً، حيث شرح بالتفصيل خطط نشر صواريخ مضادة للطائرات متوسطة المدى هناك لردع "هجوم مسلح على بلادنا". وتأتي هذه الخطوة ضمن جهود أوسع تبذلها القوات المسلحة اليابانية، المعروفة باسم قوات الدفاع الذاتي، لتحصين الجزر في جميع أنحاء أوكيناوا كقوة موازنة للصين.
كما صرّحت رئيسة الوزراء تاكايتشي، المعروفة بمواقفها المتشددة تجاه الصين، بأنها ستُسرّع الإنفاق العسكري الياباني إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول الربيع المقبل، أي قبل عامين من الموعد المُحدد.
جزر محاذية لتايوان
في السنوات الأخيرة، ساهم قرب جزيرة يوناجوني من تايوان، في تحويلها إلى مركز للتوترات الإقليمية. ففي عام 2022، وبعد زيارة نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النواب الأميركي آنذاك، لتايوان، أطلقت الصين ما لا يقل عن 11 صاروخاً رداً على ذلك، من بينها صاروخ سقط على بعد حوالي 50 ميلًا شمال شرق يوناجوني.
وقد أثارت التهديدات الصينية المتزايدة ضد تايوان مخاوف جديدة. وتخطط الحكومة اليابانية لبناء ملاجئ تحت الأرض في جزر أوكيناوا النائية خلال السنوات القليلة المقبلة، بما في ذلك ملجأ في يوناجوني يتسع لأكثر من 200 شخص. وتجري السلطات اليابانية، تدريبات إجلاء، في مخطط يهدف لإعداد السكان لاحتمالات تدفق اللاجئين التايوانيين.
كما تخطط اليابان لنشر حوالي 45 جندياً في يوناجوني خلال العام المقبل، لتشكيل وحدة لـ"الحرب الإلكترونية". ويشكك العديد من السكان في نوايا الحكومة اليابانية، قائلين إن وجود المزيد من القوات يجعل الجزيرة هدفاً أكثر خطورة.











