أعلن الجيش السوري، السبت، وقف جميع عملياته العسكرية في حي الشيخ مقصود بمدينة حلب، والانسحاب تدريجياً من شوارعه، التي شهدت منذ الثلاثاء الماضي، اشتباكات مع قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، التي نفت بدورها وقف إطلاق النار في الحي.
وقالت هيئة العمليات في الجيش السوري في بيان، نقلته وكالة الأنباء السورية "سانا": "نعلن وقف جميع العمليات العسكرية داخل حي الشيخ مقصود بدءاً من الساعة 03:00 ظهراً (12:00 بتوقيت جرينتش)".
وأضافت الهيئة، أنه "سيتم ترحيل مسلحي تنظيم قسد المتحصنين في مشفى ياسين باتجاه مدينة الطبقة، مع سحب أسلحتهم"، مشيرة إلى أن "الجيش سيبدأ بتسليم جميع المرافق الصحية والحكومية إلى مؤسسات الدولة وينسحب تدريجياً من شوارع حي الشيخ مقصود".
وأوضحت الخارجية السورية في بيان، أن "الحكومة السورية نفذت عملية إنفاذ قانون، محدودة النطاق والأهداف في أحياء محددة من مدينة حلب، هما حيّا الشيخ مقصود والأشرفية"، واتخذت هذه الإجراءات لـ"استعادة النظام العام وحماية المدنيين".
وأشار البيان، إلى "انتهاكات متكررة للترتيبات الأمنية المتفق عليها مع وحدات حماية الشعب التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي)، والتي أدت لإلحاق الأذى بالمدنيين".
وذكر البيان أنه "تم التوصل لاتفاقيات أمنية في أبريل 2025 بهدف إنهاء جميع المظاهر العسكرية غير الحكومية في الحين، إلا أن هذه الاتفاقيات تراجعت لاحقاً إثر الانتهاكات المتكررة بما في ذلك الهجمات المسلحة التي انطلقت من داخل الحيين ضد المناطق السكنية في حلب في السابع والثامن من يناير وأسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين".
دمشق: لا نستهدف أي فئة سكانية أو عرقية
وشددت الخارجية السورية، على أن "هذا التدخل لا يُعد حملة عسكرية، ولا ينطوي على أي تغيير ديموجرافي، ولا يستهدف أي فئة سكانية على أسس عرقية أو دينية"، مشيرة إلى أنه "اقتصر على جماعات مسلحة محددة تعمل خارج أي إطار أمني متفق عليه، والتي عرقلت أنشطتها تنفيذ التفاهمات السابقة وارتبطت بانتهاكات خطيرة بما في ذلك تجنيد القاصرين".
وأعربت الخارجية السورية، في ختام بيانها عن شكر دمشق، للولايات المتحدة، والسعودية، وقطر، وتركيا، وفرنسا، وبريطانيا، ومسعود بارزاني (زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق)، على "دورهم الفاعل والمستمر في دعم استقرار سوريا، والحرص على وحدة وسيادة أراضيها، وهو ما يصب في مصلحة تعزيز الأمن والسلام في المنطقة بأسرها".
في المقابل، نفت قوات سوريا الديمقراطية "قسد" في بيان، "وقف إطلاق النار والمعارك في حي الشيخ مقصود"، ووصفتها بأنها "محاولة مكشوفة لتضليل الرأي العام"، مشددة على أن "هذه الادعاءات كاذبة جملة وتفصيلاً".
وكان الجيش السوري أعلن في وقت مبكر، السبت، إنهاء عمليات التمشيط بحي الشيخ مقصود في حلب، في إشارة إلى بسط سيطرته الكاملة على الحي.
وأشارت هيئة عمليات الجيش السوري، في بيان نقلته وكالة الأنباء السورية الرسمية "سانا"، إلى أن الجيش السوري "باشر مهامه في بسط السيادة الوطنية، وسيتعامل بحزم ويدمّر أي مصدر للنيران، لضمان أمن واستقرار المنطقة وحماية الأهالي.
وقال مصدر عسكري سوري لوكالة "سانا"، إن الجيش اعتقل عدداً من عناصر "قسد"، وصادر أسلحة ثقيلة ومتوسطة وذخائر، خلال عمليات التمشيط.
مصادر: انسحاب بعض الأكراد
وأفادت وكالة "رويترز" نقلاً عن 3 مصادر أمنية سورية، السبت، بأن "بعض المقاتلين الأكراد، بما في ذلك بعض من قادتهم وأفراد عائلاتهم، نُقلوا سراً من حلب خلال الليل إلى شمال شرق سوريا".
وأضافت المصادر أن "نحو 300 مقاتل كردي اختاروا البقاء في حي الشيخ مقصود للقتال".
وكانت إلهام أحمد، الرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية الكردية لشمال وشرق سوريا، رحبت خلال الليل باتفاق إعادة انتشار المقاتلين من الشيخ مقصود بأمان إلى شرق سوريا، لكن لم يصدر إعلان عن "قسد" بشأن اكتمال الانسحاب.
حصيلة الاشتباكات
من جانبه، قال محافظ حلب عزام الغريب، إن "تنظيم قسد لم ينفذ اتفاق الأول من نيسان (أبريل) بخصوص خروج قواته من أحياء الشيخ مقصود والأشرفية، وجعل منها منطلقاً لاستهداف مواقع الجيش والأمن الداخلي والأحياء المجاورة".
وأضاف خلال مؤتمر صحافي مشترك مع وزيري الإعلام حمزة المصطفى، والشؤون الاجتماعية والعمل، هند قبوات، في مبنى المحافظة بمدينة حلب، أن "انتهاكات تنظيم قسد تكررت مراراً، والدولة تحلت بالصبر ودعت للتهدئة حفاظاً على حياة الناس"، وفق ما أوردت وكالة "سانا".
وتابع: "قسد صعدت اعتداءاتها على أحياء حلب وتسببت بقتل 6 مدنيين، وإصابة أكثر من 70 معظمهم نساء وأطفال"، لافتاً إلى نزوح أكثر من 155 ألف شخص من حيي الأشرفية والشيخ مقصود خلال أقل من أسبوع.
وأوضح الغريب، أن الجيش السوري اتخذ "الإجراءات المناسبة لبسط الأمن في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية"، مشيراً إلى أنه "فور انتهاء الجيش من عمليات التمشيط، بدأت مؤسسات الدولة الخدمية في دخول هذه الأحياء بالتنسيق مع الجيش".
وقال وزير الإعلام حمزة المصطفى، إن "العاصمة الاقتصادية لسوريا كانت تحت تهديد تنظيم قسد يومياً". وقالت وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات: "نعمل على تأمين احتياجات النازحين في مراكز الإيواء بحلب بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني والمحلي".
وكان وزير الطوارئ وإدارة الكوارث السوري، رائد الصالح، أعلن، الجمعة، أن فرق الوزارة بدأت تنفيذ مهامها في الأحياء التي كانت خاضعة لسيطرة تنظيم "قسد" في حلب، وذلك في خطوة لاستعادة الحياة الطبيعية فيها.
وكتب الصالح في منشور على منصة "إكس"، أن هذه المهام تشمل إزالة السواتر الترابية وفتح الطرقات، بالتوازي مع البدء بأعمال المسح لإزالة مخلفات الحرب، بما يضمن سلامة المدنيين وتهيئة الظروف المناسبة لعودة الحياة، حسبما ذكرت وكالة "سانا".
استهداف مبنى محافظة حلب
وفي وقت لاحق، أفادت قناة "الإخبارية" السورية، نقلاً عن مراسلها، بأن "طائرة مسيرة (تابعة) لتنظيم قسد استهدفت مبنى محافظة حلب بعد المؤتمر الصحافي، الذي عقدته المحافظة"، بحضور وزير الإعلام ووزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل ومحافظ حلب عزام الغريب، دون ذكر تفاصيل إضافية.
بدورها، اتهمت مديريّة إعلام حلب في بيان، قوات "قسد" بـ"استهداف مبنى محافظة حلب بطائرة مسيرة أثناء عقد مؤتمر الصحافي، معتبرة أن هذا "الاعتداء يعبر عن السلوك الاجرامي التي ينتهجه تنظيم قسد في محاولة لإسكات صوت الإعلام لمنع وصول الحقيقة للرأي العام".
وأضاف البيان، أن "ما يقوم به تنظيم قسد من استهداف المؤسسات الحكومية، والكوادر الإعلامية والمؤسسات الطبية نتيجة عجزه و خسائره الفادحة وانهيار منظومته الميلشياوية التي ارتكبت جرائم بحق المدنيين في حلب منذ بداية التحرير".
وأدانت مديرية إعلام حلب، "ما يقوم به تنظيم قسد باستهداف الكوادر الإعلامية، والعمل على تضليل الرأي العام، ونشر الشائعات التي تهدد السلم الأهلي للمجتمع السوري"، وفق البيان.
كما نشرت وكالة الأنباء السورية "سانا"، ما قالت إنه "لقطات للأضرار التي لحقت بمبنى محافظة حلب جراء استهدافه بطائرة مسيرة أطلقها تنظيم قسد"، مشيرة إلى عدم وقوع إصابات.
وفي رد على تلك الاتهامات، قالت "قسد" في بيان منفصل، إن قواتها "لم تستهدف أي منطقة مدنية في مدينة حلب"، ووصفتها بأنها "كاذبة ولا تستند إلى أي وقائع ميدانية".
المواجهات في حلب
وكان الجيش السوري أعلن حي "الشيخ مقصود" في مدينة حلب "منطقة عسكرية مغلقة"، وفرض حظراً للتجول في الحي، في ظل تصعيد ميداني قالت وزارة الدفاع إنه يأتي ضمن إجراءات تهدف إلى حماية المدنيين، ومنع استخدامهم كوسيلة ضغط أو كدروع بشرية، وسط اتهامات من قوات سوريا الديمقراطية بمحاولات توغل وقصف مكثف من قبل فصائل تابعة للحكومة.
وقالت وزارة الدفاع السورية، في بيان، إن إجراءاتها بشأن "منح المهل، وفتح الممرات الآمنة"، تجري بالتوازي مع "جهود بسط الأمن، ودعم قوى إنفاذ القانون".
وذكرت الوزارة، أن "ما يقوم به الجيش السوري من منح مهل متكررة، وعدم التعجّل في دخول الأحياء، وفتح ممرات آمنة، تضمن خروج الأهالي بعيداً عن أي أخطار محتملة، يأتي في إطار الحرص على سلامة المدنيين، ومنع استخدامهم كوسيلة ضغط أو كدروع بشرية من قبل المجموعات المسلحة المرتبطة بتنظيم قسد".
وطالبت هيئة عمليات الجيش السوري، المدنيين في الحي، ذي الأغلبية الكردية، بالابتعاد عن النوافذ، والنزول إلى الأدوار السفلية، والحذر من الاقتراب من مواقع قوات "قسد"، أثناء عمليات التمشيط، حسبما نقلت وكالة "سانا".
واشترط إعلان وقف إطلاق النار الذي أصدرته وزارة الدفاع السورية، انسحاب القوات الكردية إلى مناطق شرق نهر الفرات، ومن شأن ذلك أن ينهي فعلياً سيطرة الأكراد على جيوب من حلب تخضع لسيطرتهم منذ الأيام الأولى للصراع السوري الذي بدأ في عام 2011.
لكن مجالس كردية تدير منطقتي "الشيخ مقصود" و"الأشرفية" في حلب، قالت في بيان نشرته وسائل إعلام كردية في سوريا، إن "النداء الذي توجهه قوات حكومة دمشق المؤقتة إلى شعبنا وقواتنا الأمنية هو دعوة للاستسلام، إلا أن شعبنا في هذه الأحياء مصمم على البقاء في أحيائه والدفاع عنها".
ونص اتفاق وقف إطلاق النار على انسحاب القوات الكردية بحلول الساعة التاسعة صباحاً (07:00 بتوقيت جرينتش)، الجمعة، لكن وفقاً لمصادر أمنية سورية، لم ينسحب أحد خلال الليل.
اتفاق 10 مارس
وكانت قوات سوريا الديمقراطية، التي تسيطر على أجزاء كبيرة من شمال شرق سوريا، وقعت مع الرئيس السوري أحمد الشرع، في العاشر من مارس 2025، اتفاقاً وافقت بموجبه على دمج كافة المؤسسات المدنية والعسكرية التابعة لها ضمن مؤسسات الدولة بحلول نهاية العام المنصرم، لكن الجانبين لم يحرزا تقدماً يذكر لتنفيذ الاتفاق.
وأنشأت السلطات الكردية، المدعومة من الولايات المتحدة، إدارة شبه مستقلة في شمال شرق سوريا وأجزاء من حلب، خلال الحرب التي استمرت 14 عاماً، وتقاوم الاندماج الكامل في الحكومة.
وأبدت تلك السلطات تحفظات على التخلي عن هذه المناطق والاندماج بشكل كامل في الحكومة السورية الجديدة، التي تولت السلطة بعد الإطاحة بنظام الرئيس السابق بشار الأسد.
وجاءت أحدث جولة من الاشتباكات بين الطرفين، بعد أيام من لقاء قيادات الحكومة السورية و"قسد" في دمشق، لبحث عملية الاندماج العسكري بينهما، ولكن هذا اللقاء "لم يحقق تقدماً ملموساً" بشأن تنفيذ اتفاق العاشر من مارس 2025 على الأرض.











