الاتفاق السعودي الإيراني.. تفاؤل بـ"مسار جديد" رغم التحديات

ممثلو السعودية وإيران والصين خلال توقيع الاتفاق. 10 مارس 2023 - REUTERS
ممثلو السعودية وإيران والصين خلال توقيع الاتفاق. 10 مارس 2023 - REUTERS
دبي- الشرق

يرى خبراء ومحللون سياسيون أن الاتفاق بين السعودية وإيران على استئناف العلاقات الدبلوماسية، سيخفف من حدّة التوترات التي تشهدها المنطقة منذ سنوات، وسيدفع لمرحلة جديدة من التعاون والتشارك بين الطرفين، ولكنهم لفتوا إلى أن تلك الخطوة تحتاج إلى "وقت كافٍ وآلية تضمن التنفيذ".

وتضمَّن الاتفاق الذي أعلنت عنه السعودية وإيران والصين في بيان ثلاثي الجمعة، أن الرياض وطهران أكدتا خلال المحادثات التي أجريت في بكين على "احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية".

"تأسيس لمصالح مشتركة"

المتحدث باسم وزارة الخارجية العراقية أحمد الصحاف، قال إن "ثمار" الاتفاق السعودي الإيراني "لن تقتصر عند حدود العلاقات الثنائية بين البلدين"، لافتاً إلى أنها "ستمتد إلى تكريس أمن واستقرار المنطقة".

وتوقع الصحاف خلال حديثه لـ"الشرق" أن تسهم الاتفاقية في "حلحلة الملفات التي كانت قد استعصت طيلة السنوات الماضية وانتظرت حلاً"، مشيراً إلى أن طهران والرياض "ارتكنتا إلى الحوار بوصفه سبيلاً لخفض التوتر ومعنى ذلك أننا الآن أمام مسار لتأسيس مصالح مشتركة".

ولفت إلى أن الخطوة "ستسهم في تعزيز الفرص الجماعية وكذلك مواجهة المخاطر والتحديات"، مشيراً إلى أن الاتفاق "سيدخل المنطقة في مرحلة تشاركية على كافة الأصعدة".

وذكر الصحاف أن العراق "ينحو باتجاه تأكيد شراكاته الاستراتيجية المتعددة مع دول المنطقة"، مؤكداً أن بلاده "ستكون لها جملة من الخطوات لتعزيز مسار التفاهمات في المنطقة".

"أزمات إيران الداخلية"

ووصف رئيس مركز الخليج للأبحاث عبد العزيز بن صقر، الاتفاق السعودي الإيراني بـ"المهم جداً"، مرجحاً أن "تكون إيران استجابت لمطلب الصين بتحسين العلاقات مع دول الجوار، وذلك خلال زيارة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي إلى بكين" في فبراير.

وقال عبد العزيز بن صقر لـ"الشرق": إن "الصين يمكن أن تكون طرفاً مهماً لضمان تنفيذ هذا الاتفاق السعودي الإيراني"، لافتاً إلى أن "ما كان يعطل الاتفاقات السابقة بين البلدين هو عدم وجود آلية تضمن تنفيذ الاتفاقية".

وفي ما يتعلق بانعكاس الاتفاق السعودي الإيراني على المنطقة، قال: "إن متطلبات السعودية وبقية دول المنطقة كانت توقّف إيران عن السياسية التدخلية والتوسعية بالشأن الداخلي العربي وهو ما نص عليه الاتفاق بالحديث عن احترام السيادة"، واصفاً ذلك بـ"المهم".

ولفت رئيس مركز الخليج للأبحاث إلى أن طهران "لديها جملة من المشاكل الداخلية منها التحركات (الاحتجاجات) وارتفاع نسب التضخم وانخفاض سعر العملة الذي أصبح أمراً مزعجاً"، مضيفاً أن "من مصلحتها إنهاء التدخلات الخارجية وأن تلتفت إلى الداخل للحفاظ على أمنها واستقرارها"، واصفاً تدخلاتها الإقليمية بـ"غير المبررة".

تداعيات الاتفاق على المنطقة

الأكاديمي والباحث بالعلاقات الدولية، الدكتور أحمد الركبان، اعتبر أن "إيران أكثر حاجة إلى هذا الاتفاق، نظراً لأنها تواجه إشكالات كثيرة في علاقاتها الدولية، سواء مع جيرانها أو حتى مع الأمم المتحدة"، إضافة إلى أنها تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية في الداخل.

ويرى الركبان في حديثه لـ"الشرق" أن "إيران بحاجة إلى السعودية، وهذا باعتراف من مسؤوليها حالياً، وذلك باعتبار أن المملكة دولة مؤثرة في القرار السياسي الدولي"، ولذلك فإنه من "مصلحة إيران أن تكون أكثر صدقاً مع السعودية".

وأشار إلى أن المملكة سبق أن "تعاملت مع إيران منذ ثورة الخميني، وحاولت الحوار ضمن مساعيها للحفاظ على البنية الإسلامية مع دول العالم الإسلامي بما في ذلك إيران. لكن للأسف، فإن تلك الجهود قوبلت من جانب إيران بكثير من التدخل في شؤون السعودية وإثارة القلاقل في الحدود القريبة، سواء في اليمن أو على الناحية الشمالية للسعودية في سوريا والعراق ولبنان".

وبشأن تأثير الاتفاق على القضايا الخلافية بين البلدين في المنطقة، قال الركبان إنه "من شروط الاتفاق عدم التدخل في الشؤون الداخلية وعدم دعم الجماعات الإرهابية. وإيران عُرف عنها داخل الأمم المتحدة أنها تدعم مثل هذه الجماعات وتدعم بعض الأحزاب التي تؤثر على المنطقة، وضمنها حزب الله وجماعة الحوثي في اليمن".

وأضاف الركبان أن العلاقات السعودية مع العراق "أعطت جرس إنذار لإيران، لأنه لا يمكن بأي حال أن يبقى العراق حبيس إيران. فالسعودية دخلت للعراق في السنوات الثلاث الأخيرة وتركت إنجازات في مشاريع البنية التحتية التي باتت ملموسة لدى العراقيين، وضمنها شبكة الكهرباء الضخمة".

وبالنسبة للبعد الدولي للاتفاق، اعتبر تلك الخطوة بمثابة "رسالة إلى الولايات المتحدة، مفادها أنه كما تسعى أميركا للبحث عن مصالحها الشخصية في علاقاتها مع الدول، فإن السعودية لها أيضاً الحق في أن تبحث عن حلفاء جدد، خاصة الصين التي تجمعها بها علاقات تجارية مهمة".

"تحديات قائمة" 

ويرى الكاتب والباحث السياسي السعودي مبارك آل عاتي، أن الاتفاق السعودي الإيراني سيُدخل المنطقة في "مرحلة جديدة"، مضيفاً أن "الاتفاق سيقطع الطريق كثيراً على الدول المتربصة بالمنطقة، والدول التي تدق طبول الحرب وتسعى لنقلها من أوكرانيا إلى المنطقة العربية".

وأوضح لـ"الشرق" أن الاتفاق يُعيد التأكيد على أن "دول المنطقة قادرة على لملمة أواضعها، وتسلم زمام المبادرة من جديد لمعالجة قضاياها متى ما أخلصت النوايا، وكانت هناك قوة ضامنة لأي اتفاق".

وألمح آل عاتي إلى أن السعودية لديها "العديد من المخاوف التي لا تزال قائمة"، لافتاً إلى أن هذا الأمر "سيحتاج لمزيد من الوقت لإثبات النوايا وصدق التعامل مع هذه الاتفاقية"، واصفاً لقاء وزيري خارجية السعودية وإيران المرتقب بـ"المهم في طريق الاتفاق".

"حلحلة القضايا الخلافية"

أستاذ الإعلام السياسي في جامعة قم الإيرانية أحمد مهدي، رجّح أن يعطي الاتفاق السعودي الإيراني "زخماً كبيراً للتأثير على معظم الملفات العالقة والشائكة التي عانت منها المنطقة في العقود الماضية".

وأضاف أن "المضي قدماً في تنفيذ هذا الاتفاق يتطلب المزيد من الوقت والتشاور فيما بينهما والتأسيس لمرحلة جديدة".

وذكر مهدي لـ"الشرق" أن الاتفاق الجديد سيسعى لـ"حلحلة جميع الملفات الخلافية، كما سيترك تأثيراً إيجابياً على ملف اليمن وغيره".

"علامة فاصلة"

ووصف الباحث العماني في الشؤون الدولية سالم الجهوري الاتفاقية بـ"النقطة الفاصلة في أمن واستقرار المنطقة بالمرحلة المقبلة"، مشيراً إلى أن "أي توتر في المنطقة كان سيصّعد الأمور إلى طرق أخرى لا يمكن التحكم فيها".

وأضاف في حديثه لـ"الشرق" أن البلدين "سيساهمان في استقرار المنطقة أمنياً وعسكرياً ويقللان من حجم التوتر"، لافتاً إلى أن إيران أمامها "فرصة كبيرة جداً للانخراط في المنطقة".

اقرأ أيضاً:

تصنيفات