خبراء لـ"الشرق": موسكو تستهدف إبعاد أسطولها البحري عن صواريخ أوكرانيا

قاعدة بحرية روسية جديدة في أبخازيا تنذر بتوتر في البحر الأسود

مروحيات عسكرية طراز Ka-52 تحلق فوق سفينة الإنزال Nikolay Filchenkov أثناء نشر عربات مدرعة خلال تدريبات روسية في منطقة أبخازيا الانفصالية بجورجيا. 13 أغسطس 2018 - REUTERS
مروحيات عسكرية طراز Ka-52 تحلق فوق سفينة الإنزال Nikolay Filchenkov أثناء نشر عربات مدرعة خلال تدريبات روسية في منطقة أبخازيا الانفصالية بجورجيا. 13 أغسطس 2018 - REUTERS
موسكو-ديالا الخليلي

أثار إعلان سلطات منطقة "أبخازيا" الانفصالية، الموالية لموسكو، في جورجيا، بدء إنشاء قاعدة دائمة للبحرية الروسية في أراضيها المطلة على ساحل البحر الأسود، خلال العام الجاري، غضب كييف التي هددت باعتبار القاعدة "هدفاً مشروعاً للقوات المسلحة الأوكرانية"، ما ينذر بتوتر جديد في منطقة مشتعلة بفعل الحرب في أوكرانيا.

وقال سكرتير مجلس الأمن في أبخازيا سيرجي شامبا، إن القاعدة الدائمة للبحرية الروسية "قد تبدأ العمل في العام الجاري"، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية "تشهد عملية التصميم، قبل التشغيل الفعلي".

وفي أكتوبر الماضي، أعلن رئيس أبخازيا، أصلان بجانيا توقيع اتفاقية مع موسكو لإنشاء قاعدة دائمة جديدة للبحرية الروسية في منطقة "أوشامتشير" الساحلية، وهي الخطوة التي قالت السلطات الجورجية إنها تمثل "انتهاكاً صارخاً لسيادة جورجيا، وسلامة أراضيها".

"هدف مشروع"

وقال قائد القوات البحرية الأوكرانية أليكسي نيزبابا، عقب تصريحات سكرتير مجلس الأمن في أبخازيا، إن القاعدة البحرية الروسية المستقبلية "ستكون هدفاً مشروعاً لقواتنا المسلحة". مضيفاً أن "أي سفينة ترفع علم روسيا ستكون مستهدفة".

وعبّرت وزارة الخارجية الجورجية، في أكتوبر الماضي، عن قلقها إزاء "بيان نظام الاحتلال الروسي في أبخازيا بشأن إنشاء قاعدة عسكرية روسية أخرى على أراضينا المحتلة"، مضيفة أن "مثل هذه التصرفات تشكل انتهاكاً صارخاً لسيادة جورجيا ووحدة أراضيها".

وتملك روسيا بالفعل قواعد عسكرية دائمة في أبخازيا، وفي منطقة انفصالية أخرى مدعومة من موسكو هي أوسيتيا الجنوبية، وسط جورجيا، واعترفت بهما روسيا كدولتين مستقلتين عقب حربها مع الدولة القوقازية عام 2008.

ويرى مراقبون في موسكو، أن الخطوة تستهدف حماية روسيا لأسطولها المنتشر في شبه جزيرة القرم من الصواريخ الأوكرانية التي تزايد إطلاقها في الآونة الأخيرة من جهة، وكخطوة استباقية في وجه توسع حلف شمال الأطلسي (الناتو) من جهة أخرى. 

قرار قديم جديد 

ويعود مخطط إنشاء قاعدة لسفن أسطول البحر الأسود في ميناء أوتشامشيرا الأبخازي إلى عام 2009، حين اعترفت روسيا بانفصال إقليمي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية بعد حرب القوقاز، إذ خططت موسكو إلى إعمار المنطقة وتثبيت وجودها فيها، عبر تشييد قواعد عسكرية، ونشر طائرات مقاتلة، وهو ما رفضته الولايات المتحدة آنذاك باعتباره "يتعارض مع روح ونص التزامات روسيا".

وبموجب اتفاقيات وقف إطلاق النار الموقعة في 12 أغسطس و8 سبتمبر من العام 2008 بين جورجيا وروسيا، والتي توسط فيها الرئيس الفرنسي نيكولاس ساركوزي، التزمت روسيا بإعادة قواتها إلى مواقعها قبل الحرب في أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا.

وقالت واشنطن آنذاك إن روسيا انتهكت قرارات مجلس الأمن بإعلانها تشييد قواعد عسكرية "تنتهك سيادة جورجيا وسلامة أراضيها"، وقد بدأت روسيا فعلاً أعمال التجريف في الشاطئ في عام 2009. وبدأت قاعدة سفن الدورية في أوتشامشيرا العمل مرة أخرى في عام 2017.

وذكر الخبير في الشؤون الاستراتيجية، د. رولاند بيجاموف، لـ"الشرق" أن مبادرة إنشاء القاعدة البحرية، صدرت من أبخازيا، ولم تصدر عن وزارة الدفاع الروسية، معللاً ذلك بارتباط المبادرة بالعملية العسكرية (حرب أوكرانيا)، وضرورة خفض خسائر أسطول البحر الأسود، كونه يتعرض للقصف الأوكراني.

وبشأن دفاع روسيا عن منطقة الساحل هناك، قال بيجاموف "إن ذلك يساعدها على حل الأهداف الاستراتيجية الروسية"، واعتبر أن "عدداً من دول حوض البحر الأسود تشكل تهديداً لروسيا"، مشيراً إلى دول مثل "تركيا وبلغاريا، ورومانيا، الأعضاء في الناتو، وجورجيا، التي تحلم بالانضمام إلى هذا التكتل العسكري"، بحسب وصفه.

تجنب القصف الأوكراني

وقال الخبير العسكري الروسي فيكتور ليتوفكين لـ"الشرق"، إن إنشاء قاعدة بحرية روسية يضمن لموسكو "حماية أسطولها" في القرم، وسيفاستوبول، معتبراً أنهما تقعان في "منطقة عالية الخطورة جرّاء الضربات الجوية الأوكرانية بصواريخ بريطانية وألمانية وفرنسية الصنع".

ولفت إلى "إخراج بعض السفن الروسية إلى مدينة نوفوروسيسك، المطلة على البحر الأسود، في وقت سابق"، مستدركاً: "لكنها لا تستطيع استيعاب الأسطول بأكمله". وتابع: "لهذا، من المعقول، نقلها إلى مكان آخر أقرب إلى تركيا، عضو حلف الناتو، وجورجيا الساعية للانضمام إليه".

كما أشار ليتوفكين إلى أن إنشاء قاعدة بحرية سيكون "أمراً إيجابياً" لصالح مواطني أبخازيا لعدة أسباب، من بينها "تعزيز الأمن في منطقتهم من جهة البحر، فضلاً عن دعم الجانب الاقتصادي عبر خلق فرص عمل جديدة، وتطوير المنطقة"، على حد وصفه.

ورجح الخبير الروسي في الشؤون الاستراتيجية رولاند بيجاموف لـ"الشرق"، ارتباط قرار إنشاء القاعدة البحرية الروسية بالحرب في أوكرانيا، ووجود ضرورة لخفض خسائر الأسطول الروسي في البحر الأسود، والذي يتعرض لقصف أوكراني، خاصة تلك السفن التي لا حاجة ماسة لوجودها في مرمى النيران.

من جانبه، قال الخبير السياسي الجورجي غيلا فاسادزيه، في تصريحات لـ"الشرق"، إن كييف ستنفذ بطبيعة الحال تهديدها باستهداف القاعدة، مضيفاً: "آجلاً أم عاجلاً ستصل الصواريخ الأوكرانية إلى القاعدة البحرية الروسية، وحينها لا أظن أن جورجيا ستعارض القصف".

وأوضح أنه "بالرغم من تصريحات بعض المسؤولين الجورجيين، فإن موقف حكومة تبليسي بسيط، ومفاده: لا علاقة لنا، ولا نستطيع فعل شي، وهم بالفعل لا يستطيعون"، معتبراً أن علاقات روسيا وجورجيا "ليست متوترة بفضل العلاقات التجارية بينهما".

قلق تركي

ورغم أن الإدارة التركية لم تعلن رسمياً موقفها، قال المستشار السابق لرئاسة وزراء تركيا الدكتور جاهد توز لـ"الشرق": "حتى اللحظة لم تصدر أي تصريحات رسمية من السلطات التركية بهذا الخصوص، لكن بعض المتخصصين المقربين من صناع القرار في أنقرة، يتحدثون عن وجود إشارات قلق بشأن التحركات الروسية في البحر الأسود".

واعتبر توز أن "مثل هذه التصرفات ستسبب زعزعة للاستقرار في منطقة البحر الأسود"، مشيراً إلى أن "الأمر لا يتعلق بموسكو وأنقرة فقط، هناك عدة دول مطلة على هذا الساحل المهم".

وذكر: "أنقرة ترى أن مثل هذه التحركات ستؤدي إلى عدم استقرار في المنطقة"، مشدداً على أن "تصعيد التوترات ليس لصالح حوض البحر الأسود نهائياً".

ورجح توز وجود تواصل بين الجهات والمؤسسات المعنية في موسكو وأنقرة بهذا الشأن "رغم عدم وجود تصريحات تركية رسمية".

تصنيفات

قصص قد تهمك