Open toolbar

قوات الأمن العراقية تزيل الحواجز الخرسانية في محيط المنطقة الخضراء بعد انتهاء الاشتباكات وانسحاب المتظاهرين- 30 أغسطس 2022 - Getty Images

شارك القصة
Resize text
دبي -

عاد الهدوء مجدداً إلى شوارع العراق مساء الثلاثاء، بعد أعمال عنف أسفرت عن سقوط العشرات من المتظاهرين، فيما يخيم الترقب على المشهد إزاء خطوات القوى السياسية لحلحلة الأزمة المستمرة في البلاد منذ 10 أشهر.

وكانت الأحداث توالت في العراق عقب إعلان زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر اعتزال العمل السياسي الاثنين، إذ أطلق أنصار التيار احتجاجات في الشوارع تحولت فيما بعد إلى اشتباكات مسلحة، أسفرت عن سقوط 30 شخصاًَ، بحسب وكالة "فرانس برس".

وتعد الاشتباكات التي بدأت الاثنين وتواصلت حتى الثلاثاء، أحدث حلقة من الصراع بين أكبر قوتين شيعيتين في الساحة العراقية، وهما التيار الصدري وتحالف قوى الإطار التنسيقي.

وانسحب أنصار التيار الصدري مساء الثلاثاء من المنطقة الخضراء في بغداد، بعد أن أمهلهم زعيمهم 60 دقيقة لوقف كل الاحتجاجات.

كما دعا الإطار التنسيقي أنصاره للانسحاب، بعد تحذيرات محلية ودولية من انزلاق العراق إلى "مزيد من العنف وإراقة الدماء"، ودعوات إلى الحوار لحل الأزمة السياسية.

وبينما أشادت قيادات في الإطار التنسيقي بمبادرة الصدر لنزع فتيل الأزمة بدعوته لوقف الاحتجاجات، فإن خبراء عراقيون تحدثت إليهم "الشرق" يحذرون من تجدد العنف، في حال الفشل في إيجاد حل سياسي يرضي التيار الصدري وأنصاره. 

فما هي السيناريوهات المحتملة لخروج العراق من الأزمة السياسية؟

تشكيل حكومة مؤقتة

يقر عضو الحزب الديمقراطي الكردستاني محمد زنكة، بأن احتمال عودة العنف مجدداً في الشوراع يبقى أمراً وارداً، لافتاً إلى أن التطورات الأخيرة تبرز الحاجة لتسريع الوصول إلى حل لتفادي السيناريو الأسوأ.

وقال زنكة لـ"الشرق" إن "الإطار التنسيقي يعمل على إيجاد مخرج قانوني للإبقاء على مجلس النواب رغم حالة الفراغ الدستوري"، مشيراً إلى أن تشكيل حكومة "سواء بالمستقلين أو من الكتل الممثلة بالبرلمان سيكون الخيار الأسرع والأفضل والأكثر إرضاء لجميع الأطراف".

وأضاف: "هذه الحكومة ستكون مؤقتة، لإخراج البلاد من الفراغ الدستوري الذي توجد فيه البلاد. على أن تدعو هذه الحكومة إلى إجراء انتخابات مبكرة، يرجح أن تكون نهاية عام 2023 أو بداية 2024."، مؤكداً  أن "هذه هي الحلول المطروحة في الوقت الحالي". 

وفي المقابل يرى الباحث السياسي جاسم الغرابي، أن الإطار التنسيقي أصبح مطالباً بـ"رد الجميل" للتيار الصدري، بعد خفض التصعيد في الشارع، وذلك بتشكيل حكومة تضم المستقلين.

وقال الغرابي لـ"الشرق"، إنه "على الإطار التنسيقي أن يبادر بالتفاعل الإيجابي مع مطالب الصدر، والذهاب نحو حكومة انتقالية تضم سياسيين مستقلين يقودهم شخص من الإطار، على أن تنظم انتخابات جديدة بعد عام".

من جانبه، يرى الباحث السياسي المقرب من التيار الصدري مجاشع التميمي، أن الإطار التنسيقي يحتاج للتشاور مع التيار الصدري ومراعاة مواقفه.

وقال التميمي لـ"الشرق"، إن "تشكيل أي حكومة لا تحظى بدعم التيار الصدري سيكون صعباً جداً"، مبرراً ذلك بالقاعدة الشعبية الكبيرة التي يحظى بها التيار.

مهلة جديدة 

غير أنه قبل تشكيل الحكومة، يحتاج البرلمان العراقي إلى انتخاب رئيس للجمهورية، الذي يمنحه الدستور اختصاص تكليف زعيم الكتلة الأكبر في مجلس النواب بتشكيل حكومة جديدة.

ودخل العراق منذ 7 أبريل الماضي، في "فراغ دستوري" بعدما عجز مجلس النواب مرات عدة عن انتخاب رئيس جديد للبلاد، ما تسبب بانتهاء المهلة الدستورية التي حددتها المحكمة الاتحادية العليا في الـ6 من أبريل. الأمر الذي اضطر المحكمة للاجتهاد القانوني، وإصدار قرار باستمرار الرئيس المنتهية ولايته برهم صالح في منصبه لحين انتخاب رئيس جديد.

وفي السياق، رجح الباحث في الشؤون السياسية بالعراق سعودن الساعدي، أن يدعو رئيس مجلس النواب إلى اجتماع مع الكتل الممثلة في البرلمان من أجل الاتفاق على سقف زمني جديد لانتخاب رئيس الجمهورية.

وقال الساعدي لـ"الشرق"، إنه يستبعد أي سيناريو آخر، غير تحديد مهلة جديدة لانتخاب رئيس جديد للجمهورية، "طالما أن التيار الصدري أصبح خارج المعادلة"، باستقالة نوابه وإعلان مقتدى الصدر اعتزاله السياسية.

وأضاف أن "اللاعبين الثلاثة المتبقون هم الإطار التنسيقي وتحالف السيادة والأحزاب الكردستانية"، لافتاً إلى احتمال الوصول إلى تسوية بين الكثل الثلاثة.

من جانبه، يرى الكاتب والباحث السياسي المقرب من الإطار التنسيقي، مفيد السعيدي احتمال الذهاب في السناريو ذاته.

وقال السعيدي لـ"الشرق"، إن"الكرة الآن في ملعب الإطار التنسيقي وتحالف السيادة والأحزاب الكردستانية".

وأضاف: "على الحزبين الكردستانيين (الديمقراطي والاتحاد الوطني) الشروع في طرح مرشحيهما لمنصب رئيس الجمهورية أو التوافق على مرشح واحد، على أن يحدد زعيم تحالف السيادة محمد الحلبوسي موعد جلسة للتصويت على المرشح، ومن ثم الشروع في تشكيل حكومة جديدة حتى نستطيع الذهاب نحو تعديل دستوري وتعديل قانون الانتخابات وانتخاب مفوضية انتخابات جديدة".

وأضاف السعيدي أنه بعد إكمال تلك الخطوات فقط "يمكن الذهاب نحو حل البرلمان وتنظيم انتخابات جديدة، تليها بداية عملية سياسية جديدة ".

إطلاق حوار وطني

وبالرغم من أن التيار الصدري سحب عضوية كل نوابه في البرلمان البالغ عددهم 73 نائباً وتوزعت تلك المقاعد على كتل أخرى، فإن انتخاب رئيس جديد للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة يحتاج إلى التشاور مع مقتدى الصدر، بحسب مفيد السعيدي.

وقال الباحث السياسي العراقي إن "أي مبادرة سيقدم عليها الإطار التنسيقي، يجب أن تتم بالتشاور مع مقتدى الصدر أو من يفوضه لينوب عنه، نظراً إلى أن التيار الصدري يبقى صاحب قاعدة شعبية كبيرة" قد تؤثر على نجاح أي خطوة في هذا الصدد.

وأوضح السعيدي أن "التيار الصدري انسحب من العملية البرلمانية، لكنه ما زال موجوداً في العملية التنفيذية والقرار السياسي. فهو كيان كبير لا يمكن جعله خارج إطار العملية السياسية في المرحلة المقبلة، والقيام بذلك سيكون خطأ استراتيجياً".

ويتفق مقتدى الصدر والإطار التنسيقي على أن حل الأزمة يكمن في تنظيم انتخابات جديدة. لكن الصدر يريد حل البرلمان قبل كل شيء، بينما يصر الإطار التنسيقي على تشكيل حكومة أولا.

وفي السياق، دعا الرئيس العراقي برهم صالح في كلمة متلفزة، الثلاثاء، إلى "حوار وطني صريح بجدول عمل واضح ومعلوم" يشارك فيه "الجميع"، يهدف إلى الاتفاق على حل يؤدي إلى انتخابات مبكرة وفق تفاهم وطني.

غير أن الباحث السياسي العراقي مجاشع التميمي، قال لـ"الشرق"، إنه يستبعد مشاركة التيار الصدري في أي حوار وطني.

وقال التميمي، إنه "واضح جداً أن الصدر ناقم على العملية السياسية"، مشيراً إلى "انعدام الثقة" بينه والإطار التنسيقي.

وأوضح أن "القوى السياسية لا يمكنها الالتزام بما تقول في الحوار الوطني. فالصدر أعلن اتفاقه أكثر من مرة مع القوى السياسية وضمنها الإطار التنسيقي، لكن الإطار لم يلتزم بتلك الاتفاقات"، مضيفاً أنه "لذلك، فالصدر عازم على عدم الذهاب إلى حوار سياسي، ما لم يكن هناك طرف ضامن لالتزام القوى السياسية بمخرجات الحوار".

وذكر التميمي أنه "قبل انتخابات أكتوبر 2021، وقعت كل القوى السياسية على اتفاقات تلتزم بموجبها باحترام نتائج الانتخابات، لكن ما إن ظهرت النتائج ، تراجعت هذه القوى عن التزاماتها"، موضحاً أنه "لذلك اشترط الصدر أن يكون الحوار علنياً ويبث على التلفزيون لكي تتحمل الأطراف السياسية مسؤوليتها أمام الشعب، لكن الأطراف الأخرى رفضت ذلك". 

وسبق أن رفض التيار الصدري اجتماعاً دعا إليه رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي مع القوى السياسية الأخرى، ودعا إلى مناظرة علنية، غير أن القوى السياسية لم تستجب لدعوة الصدر.

في السياق، اعتبر الباحث السياسي جاسم الغرابي أن الصدر لن يشارك في أي حوار محتمل "ولن يرسل أي شخص ينوب عنه"، مبرراً ذلك بقراره اعتزال السياسة.سيناريو حل البرلمان

ومنذ قرابة الشهر، كان أنصار التيار الصدري يعتصمون قرب البرلمان مطالبين بحلّ مجلس النواب وإجراء انتخابات تشريعية مبكرة.

وقدم التيار الصدر دعوى قضائية تطالب بحل البرلمان، غير أن المحكمة الاتحادية العليا أرجأت، الثلاثاء، البث فيها لأجل غير مسمى.

وكان التيار الصدري قد رفع هذه الدعوى رغم تأكيد مجلس القضاء الأعلى عدم امتلاكه صلاحية حل مجلس النواب، رداً على طلب الصدر، من أجل التوجه لانتخابات مبكرة.

وقال عضو الحزب الديمقراطي الكردستاني محمد زنكة لـ"الشرق"، إنه يستبعد حل البرلمان بعدما قررت المحكمة إرجاء النظر في الدعاوى التي قدمها التيار الصدري، وإعلان المجلس الأعلى للقضاء أن حل البرلمان لا يقع ضمن اختصاصاته.

في المقابل، يرى علي التميمي، وهو قاضي سابق وخبير قانوني، أن التكهن بقرار المحكمة العليا يبقى "غير ممكن" بالرغم من إعلان مجلس القضاء عدم توفرها على صلاحية حل البرلمان.

وقال الخبير القانوني العراقي لـ"الشرق"، إنه حتى في حال عدم اتخاذ المحكمة قراراً بحل البرلمان، فإنه يمكن للبرلمان أن يحل نفسه.

وأوضح أن  "الدستور ينص في المادة 64، على أن البرلمان يمكنه حل نفسه بنفسه بطلب ثلث الأعضاء وبموافقة الأغلبية المطلقة".

وتابع: "حينها يمكن لرئيس الجمهورية أن يدعو إلى انتخابات عامة في مدة أقصاها 60 يوماً بعد حل البرلمان". 

ورجح علي التميمي الذهاب في هذا الاتجاه كسيناريو أخير، في حال فشل الإطار التنسيقي في تشكيل حكومة يقبل بها التيار الصدري.

عودة الفوضى

وبينما يسودالغموض بشأن السيناريو الأرجح الذي قد يتجه إليه العراق، تتزايد مخاوف من عودة الفوضى إلى الشوارع في حال عدم الوصول إلى حل تجمع عليه كل القوى السياسية.

ويرى الأكاديمي والباحث السياسي باسم الخرزرجي،  أن "انسحاب المتظاهرين لن يكون نهاية الأزمة، ما دامت المشكلة الرئيسية موجودة"، موضحاً أن "أحداث العنف إن لم تتجدد غداً، فستتجدد فيما بعد".

وأفاد الخزرجي لـ"الشرق"، بأنه في حال لم تسفر المرحلة المقبلة عن "خارطة طريق واضحة المعالم وحلول طويلة الأمد، فإن الشعب العراقي سيستمر في حمل العصي والسلاح والوقوف أمام البرلمان".

وفي السياق، يرى مدير "برنامج الأمن والدفاع" بمركز صنع السياسات الدولية ماجد القيسي، أن العراق "مقبل على فترة حرجة، نظراً لأن الخلاف القائم قد يتطور إلى تصعيد في الشوارع"، خصوصاً وأن العملية السياسية تشارك فيها أحزاب بأجنحة عسكرية.

وقال القيسي لـ"الشرق"، إن " المادة التاسعة من الدستور تمنع أي حزب سياسي من أن يكون له جناح عسكري. وحتى الأجهزة الأمنية العراقية ممنوعة من ممارسة السياسة. وبالتالي، فالواقع يخالف الدستور".

وأوضح القيسي أن "هناك تقريباً أكثر من 6 مليون قطعة سلاح بيد فصائل مرتبطة بأجندات خارجية"، موضحاً أن "قرار نزع هذا السلاح ليس قراراً عراقياً وإنما قرار خارجي. وهذه أبرز العوائق التي تواجه الأمن العراقي"، لافتاً إلى أن حل الأزمة لا يمكن أن يتم "إلا بالانفلات من التدخل الأجنبي وتأثيره على القوى السياسية والفصائل المسلحة في العراق".

وأضاف أن "ما حدث أخيراً من استخدام للسلاح في الشارع أمر خطير جداً، لأنه من الواضح أنه لا يمكن للدولة أن تضبط الفصائل المسلحة، وذلك لأن الأسلحة في أيادي فصائل متعددة بولاءات خارجية".

واعتبر أن "الأزمة الأمنية التي انتهت بخطاب الصدر ستبقى أزمة أمنية مؤجلة. وإذا لم تقم الأحزاب بإعادة تنشيط وترميم الكثير من مقومات العملية السياسية. فإن الأزمة الأمنية تبقى فقط مسألة وقت قبل أن تنفجر مجدداً".

وكان رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي أعلن، الثلاثاء، أنه كلّف لجنة بالتحقيق في أحداث الاشتباكات التي وقعت الاثنين، في العاصمة بغداد، وتحديد المسؤولين عن وضع السلاح بيد من فتحوا النار على المتظاهرين، رغم التوجيهات بمنع استخدام الرصاص.

وقال مسؤولون أمنيون إن بعض الاشتباكات كانت بين مسلحي "سرايا السلام" التابعة لزعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، وأفراد من قوات الأمن العراقية المكلفة بحماية المنطقة الخضراء، لكن من المحتمل أيضاً أن تكون الجماعات المسلحة المتحالفة مع إيران متورطة فيها أيضاً.

اقرأ أيضاً:

Google News تابعوا أخبار الشرق عبر Google News

نستخدم في موقعنا ملف تعريف الارتباط (كوكيز)، لعدة أسباب، منها تقديم ما يهمك من مواضيع، وكذلك تأمين سلامة الموقع والأمان فيه، منحكم تجربة قريبة على ما اعدتم عليه في مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك تحليل طريقة استخدام موقعنا من قبل المستخدمين والقراء.