Open toolbar

رقائق من تصنيع شركة Altera داخل النظام الملاحي للصاروخ الروسي الموجه بدقة من طراز 9M544 - كييف - 19 يوليو 2022 - REUTERS

شارك القصة
Resize text
كييف-

عقب الغزو الروسي لأوكرانيا، أعلن الغرب عن حزم عقوبات جديدة قاسية على موسكو، وأوقفت شركات التكنولوجيا الغربية صادراتها إلى روسيا، لكن رغم ذلك، تواصلت إمدادات أجزاء الحواسيب الغربية إلى روسيا على ما وجد تحقيق استقصائي لوكالة "رويترز".

باستخدام نصل سكين قام مسؤول أوكراني بإزالة 18 مسماراً ورفع الغطاء عن صندوق أسود حديدي صغير، داخل صاروخ روسي غير منفجر سقط على مدينة أوكرانية، وبداخل الصندوق كانت توجد أربعة ألواح منزلقة ممتلئة برقاقات الكمبيوتر.

هذه الرقاقات هي الأدمغة الإلكترونية لصاروخ كروز روسي من طراز 9M727، وهو أحد أكثر الأسلحة فتكاً التي استخدمتها القوات الروسية لضرب أوكرانيا منذ غزوها البلد في 24 فبراير.

الصندوق الأسود، وكذلك أسلحة روسية استعرضتها "رويترز" تم جمعها من ميدان المعركة بواسطة الجيش الأوكراني، تحتوي على إلكترونيات تحمل علامات بالكتابة الروسية، وأحياناً تحمل كتابة بخط يدوي.

ولكن أغلب المكونات الإلكترونية داخل تلك الأسلحة هي أجهزة تحكم دقيقة مبرمجة بواسطة رقاقات ومعالجات تحمل أختام شركات رقاقات أميركية من بينها " Texas Instruments Inc" و"Altera" المملوكة لشركة Intel، و"Xilinix" المملوكة لـ"AMD"، و"Maxim Integrated Products Inc" ورقاقات مصنعة بواسطة "Cypress Semiconductor" والمملوكة لشركة "Infineon AG" الألمانية.

وقال مسؤول أوكراني رفيع طلب عدم ذكر اسمه، إن "الأمر بسيط. بدون الرقاقات الأميركية فإن الصواريخ الروسية ومعظم الأسلحة لن تعمل".

المكونات الغربية في الأسلحة الروسية والتي تم فحصها كانت جزءاً من تحقيق لوكالة "رويترز" بالتعاون مع "المعهد الملكي المتحد للخدمات" (RUSI)، ومقره لندن وهو مركز أبحاث دفاعي، وموقع "iStories" الروسي الذي يركز على التحقيقات الاستقصائية.

ليست للاستخدام العسكري

وفيما تخضع الرقاقات الغربية الأكثر تعقيداً والمستخدمة في أسلحة روسية لمتطلبات رخصة تصدير خاصة، فإن التحقيق الاستقصائي كشف أن الكثير من الأسلحة الروسية تحتوي على رقاقات كمبيوتر عادية ومكونات أخرى يمكن العثور عليها في الأسواق الاستهلاكية.

ويمكن الحصول على تلك الأجزاء بسهولة، وهي لا تخضع لقيود التصدير التي تخضع لها الأجزاء المتطورة.

عقب الغزو الروسي حظرت الولايات المتحدة ودول أخرى صادرات التكنولوجيا المتطورة إلى روسيا سعياً منها إلى عرقلة الصناعة الدفاعية الروسية، وأعلنت شركات التكنولوجيا أنها أوقفت كل صادراتها إلى روسيا.

ولكن الفريق الاستقصائي اكتشف أن أجزاء الكمبيوتر التي تحمل أسماء علامات تجارية غربية إلى روسيا، لم تتوقف، مع وصول آلاف الشحنات إلى موسكو منذ الغزو.

القائمين على شحن تلك الأجزاء كانوا في الأغلب موردين غير معتمدين، ولكن القائمة تضمنت أيضاً بعض المصنعين الأصليين لتلك الرقاقات والأجزاء.

 سجلات الجمارك الروسية

قدمت "رويترز" سجلات الجمارك الروسية لشركات AMD, Analog Devices, Infineon, Intel and Texas Instruments، بشأن شحنات تحوي منتجاتهم وصلت إلى روسيا بعد الغزو.

ثلاثة من المصنعين وهم "AMD" و"Analog Device" و"Infineon"، قالوا إنهم بدأوا تحقيقاً داخلياً بعدما وفرت "رويترز" لهم بيانات الجمارك التي تظهر أن آلاف الشحنات الحديثة من منتجاتهم وصلت إلى روسيا عبر بائعين خارجيين (طرف ثالث).

شركتا "Infineon" و"Texas Instruments" قالتا إن المنتجات التي شحنت كانت في الطريق بالفعل وقت الغزو الروسي. بينما قالت "Intel" إن المنتجات كانت تسليمات داخلية تمت قبل وقف الشركة عملياتها في روسيا في أوائل أبريل.

ولدى سؤال تلك الشركات بشأن استخدام رقاقاتها في أنظمة أسلحة روسيا، قالت الشركات إنها تمتثل لقيود وإجراءات التصدير والعقوبات التجارية.

شركة "Infineon" قالت إنها "قلقة للغاية" بشأن استخدام منتجاتها لأغراض لم تصمم من أجلها. وقالت "إنتل" إنها لا تدعم أو تتسامح مع استخدام منتجاتها لـ"انتهاك حقوق الإنسان".

رقائق "مهربة"

الاعتماد الروسي على الإلكترونيات الغربية في أنظمتها التسليحية كان معروفاً لسنوات. ولدى موسكو تاريخ طويل من الحصول على أجزاء إلكترونية من النوع العسكري مهربة من الولايات المتحدة، بما فيها رقاقات باهظة الثمن مخصصة للأقمار الاصطناعية يمكنها تحمل الإشعاع في الفضاء.

في يوم الغزو، أعلن البيت الأبيض أن الولايات المتحدة وحلفاءها سيفرضون قيوداً واسعة على روسيا في ما يخص أشباه الموصلات، والاتصالات، والتشفير الأمني، وأجهزة الليزر، والمستشعرات، وأجهزة الملاحة، والتكنولوجيا البحرية وإلكترونيات الطيران، وقالت إن تلك القيود ستمنع روسيا من الوصول إلى التكنولوجيات الحديثة.

ولكن رغم ذلك، فإن العديد من التكنولوجيات غير العسكرية لا تزال معفاة من تلك القيود.

متحدث باسم وزارة التجارة الأميركية، والتي تدير القيود على الصادرات قال: "قيود التصدير القوية التي وضعتها الولايات المتحدة و37 حليفاً وشريكاً لها، تؤثر بشكل كبير على قدرة روسيا على الوصول إلى أجزاء وتكنولوجيات تحتاجها لمواصلة عدوانها العسكري، بما في ذلك أشباه الموصلات. مع مرور الوقت ستنفد مخزوناتها، وسيصبح أكثر إيلاماً".

وأضاف: "سنظل يقظين ومنخرطين مع حلفائنا وشركائنا لمواصلة تنفيذ تلك القيود".

رقائق ميكرويف

تظهر أنظمة الكمبيوتر داخل الصندوق الحديدي الأسود الذي كان يحويه صاروخ كروز الروسي، أن روسيا لا تعتمد فقط على أحدث التقنيات التكنولوجية في أسلحتها الدقيقة.

فعلى سبيل المثال، فإن الأختام على رقاقتين من شركة "Texas Instruments"، والتي تقوم بمعالجة الإشارات الرقمية، تشير إلى أنهما صنعتا قبل 30 عاماً.

وقال خبير أسلحة أوكراني مطلع على الأسلحة الروسية التي تم الحصول عليها: "في الأغلب، هي نفس تلك الرقاقات التي يمكنك العثور عليها في سيارتك أو في جهاز الميكرويف".

أستاذ الهندسية الكهربائية في "جامعة كامبريدج" جيهان آماراتونجا، استعرض قائمة تضم أكثر من 600 مكون غربي جمعها "المعهد الملكي المتحد للخدمات" ووكالة "رويترز" من الأسلحة الروسية والأنظمة العسكرية التي تم جمعها من ميدان المعركة بأوكرانيا.

وقال آمارتونجا: "هذه منتجات عادية، عليها تاريخ التصنيع ويمكن العثور عليها في أي أنظمة إلكترونية صناعية". وأضاف أنه بما أن هذه هي الحال، فإن هذه المكونات ليست متخصصة ولا تحمل أي خصائص عسكرية.

ولكنه أشار إلى أن الواقع هو أن كل الدوائر الإلكترونية العادية يمكن استخدامها للأغراض المدنية والعسكرية.

إلكترونيات خارج العقوبات

ورغم ما يصفه الغرب بأنه "سلسلة غير مسبوقة من العقوبات على روسيا" فإن الكثير من السلع الإلكترونية لا تخضع لتلك العقوبات.

وحتى حين تخضع لها، فإن هناك شبكة واسعة من الموردين والتجار الدوليين في شرق آسيا ودول أخرى ممن يرغبون في شحن تلك المنتجات إلى روسيا.

وأظهرت مراجعة قامت بها "رويترز" لسجلات جمارك روسية أن نحو 1500 شحنة من المكونات الإلكترونية الغربية وصلت روسيا بعد غزوها أوكرانيا في 24 فبراير وحتى مايو الماضي.

وتضمنت قائمة مصنعي تلك المنتجات شركات AMD, Analog Devices, Infineon, Intel, Texas Instruments.

وتضمنت تلك الأجزاء معالجات دقيقة ورقاقات قابلة للبرمجة، وأجهزة تخزين معلومات، وأجزاء أخرى.

روسيا نفسها، لم تخف سراً رغبتها في مواصلة تدفق واردات منتجات التكنولوجيا الغربية. ففي يونيو الماضي وقع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، قانوناً يسمح للشركات الروسية باستيراد الأجهزة الإلكترونية ومكوناتها دون إذن من صاحب براءة الاختراع.

موزع إلكترونيات روسي

أحد تجار التجزئة في روسيا، "Kvantech"، وضع في أعلى موقعه على الإنترنت، بالروسية عبارة "انتباه! نحن نعمل بشكل طبيعي. مخازننا مستعدة لتوريد المعدات للزبائن من الاتحاد الروسي رغم العقوبات الأوروبية والأميركية".

 ورفضت وزارة التجارة الأميركية التعليق، فيما لم يرد الاتحاد الأوروبي على طلب التعليق.

ويضم الموقع الروسي علامات تجارية لشركات التكنولوجيا الأميركية.

ولدى توجيه السؤال للشركة بشأن كيفية مواصلتها بيع أجهزة ومعدات كمبيوتر غربية، قال مسؤول بالشركة قدم للوكالة اسمه الأول فقط "فيكتور" أن هذا "سر تجاري".

تحقيقات داخلية

وحصلت "رويترز" على سجلات الجمارك الروسية من 3 مصادر تجارية، تضمنت واحدة منها بيانات عام 2022. وللتحقق من صحة البيانات الأحدث، قارنت الوكالة عينة من البيانات مع سجلات أخرى حصلت عليها في وقت سابق، بما فيها بيانات الشاري والبائع والأكواد الدولية للمنتجات ومعلومات أخرى مع المصدرين الآخرين، ووجدت أن المعلومات متطابقة.

أندري تاوبير، متحدث باسم شركة “Infineon”، قال إن الشركة الألمانية بدأت تحقيقاً داخلياً بناءً على ما كشفته "رويترز" والتي حددت نحو 450 شحنة إلى روسيا بين 25 فبراير و30 مايو تتضمن منتجات للشركة المملوكة لها "Cypress Semiconductor".

وأضاف تاوبر: "نحن في خضم عملية مراجعة والتحقق من المعلومات التي قدمتموها لنا، وسنأخذ الإجراء الملائم إذا اقتضت الحاجة"، وشدد على أن الشركة "تأخذ الأمر بجدية شديدة".

وأشار إلى أن الشركة وجهت كل موزعيها عالمياً بوقف أي شحنات من منتجاتها أو خدماتها تتعارض مع العقوبات وروحها.

وقال إن الامتثال للقوانين هو ذا أهمية قصوى للشركة، وإن لديها سياسة صارمة للامتثال لتلك القوانين. ولكنه من الصعب التحكم في عمليات البيع عبر سلسلة الإمداد بالكامل.

وقال متحدث باسم شركة "AMD" إن الشركة تحقق في بيانات الجمارك الروسية التي شاركتها "رويترز" معهم والتي تضم شحنات جرت بين 2 مارس و31 مايو وبلغت نحو 200 شحنة من مكونات AMD وأكثر من 700 شحنة من مكونات شركة  Xilinx إلى روسيا.

وأضاف أن المعلومات "مقلقة"، وتابع: "فيما لم تر الشركة أي تحويل لمنتجات الشركة إلى روسيا، فإنها تأخذ الأمر بجدية شديدة، وبدأت مراجعة دقيقة للبيانات التي قدمت لها".

مخاوف روسية

تعتمد روسيا على التكنولوجيا الغربية في بعض أنظمتها التسليحية لأنها لا تنتج الكثير الأجزاء الإلكترونية بنفسها. لكن الشركات الدفاعية الروسية لا تستخدم أي من المكونات المتاحة فحسب، فحتى أكثر الرقائق العادية يجب أن تمر عبر سلسلة من عمليات الشراء البيروقراطية الصارمة المصممة لاختبار واعتماد تلك الرقائق لضمان أنها لا تحتوى على "أبواب خلفية" يمكن من خلالها تفعيل أنظمة تجسس أو تخريب غربية.

وفي إجراء يظهر كيف ترى السلطات الروسية مخاوف الاختراق، عرض خبير أوكراني مطلع على الأسلحة الروسية، صوراً على "رويترز" تظهر 3 ملصقات هولوجرافية تحمل شعار السيف والدرع، هو شعار جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هيئة الاستخبارات الروسية الأساسية.

وظهرت الملصقات على صواريخ روسية ومروحيات قتالية ومقاتلات. ولم يرد جهاز الأمن الفيدرالي على رسالة للتعليق على الأمر.

ولمنع أي مكونات مخترقة من الوصول إلى الأسلحة الروسية، يعتمد الكرملين على علماء بمعهد قريب من موسكو، للقيام بعملية التصديق على الأجزاء المستخدمة في الصناعات الدفاعية، بما فيها تصنيع وإصلاح وتحديث وحتى التجارب على تلك الأجزاء بحسب مصدرين مطلعين على الأمر.

اقرأ أيضاً:

  

Google News تابعوا أخبار الشرق عبر Google News

نستخدم في موقعنا ملف تعريف الارتباط (كوكيز)، لعدة أسباب، منها تقديم ما يهمك من مواضيع، وكذلك تأمين سلامة الموقع والأمان فيه، منحكم تجربة قريبة على ما اعدتم عليه في مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك تحليل طريقة استخدام موقعنا من قبل المستخدمين والقراء.