Open toolbar

وزيرة الخارجية البريطانية المرشحة لزعامة حزب المحافظين ليز تروس تلتقي بمؤيديها خلال حدث انتخابي في ليدز. 28 يوليو 2022 - AFP

شارك القصة
Resize text
لندن-

واجهت حملة ليز تروس للفوز بزعامة حزب المحافظين البريطاني أول تهديد جدي، الثلاثاء، إذ اضطرت للتراجع عن خطة دافعت عنها، وتعرَّضت لانتقادات شديدة في اسكتلندا، بينما تتراجع في استطلاعات الرأي.

يأتي ذلك فيما يحتدم الصراع بين تروس وغريمها على زعامة المحافظين وزير المالية السابق ريشي سوناك حول قضايا الضرائب، والتضخم، والأزمة المعيشية، والتعامل مع تحديات الإضراب والانتخابات العامة المقبلة، التي تنذر بعودة "حزب العمال" إلى السلطة. 

واتُّهمت وزيرة الخارجية ليز تروس بإهانة حكومة إدنبره، بعدما قالت إنَّ رئيسة الوزراء الاسكتلندية نيكولا ستورجن تسعى إلى "لفت الأنظار" عبر المطالبة باستقلال اسكتلندا، وأوصت بـ"تجاهلها".

وندَّد "الحزب الوطني الاسكتلندي" الذي يطالب باستفتاء ثانٍ على الاستقلال، بالتصريحات التي أدلت بها تروس خلال تجمُّع انتخابي للمحافظين في جنوب غربي إنجلترا في وقت متأخر الاثنين.

ووصف جون سويني، نائب رئيسة وزراء اسكتلندا، التصريحات بأنها "بغيضة"، وتعكس تناقضاً بين حوالى 200 ألف عضو في الحزب المحافظ، و2.4 مليون صوت فاز بها "الحزب الوطني" في انتخابات العام الماضي، وذلك بحسب ما نقلته وكالة "فرانس برس".

وقال لقناة "بي بي سي": "تملك نيكولا ستورجن شرعية ديمقراطية أكبر من تلك التي ستحظى بها ليز تروس إذا أصبحت رئيسة للوزراء".

وأضاف: "أعتقد أن لا حق ولا أساس إطلاقاً لتروس للإدلاء بهذه التصريحات"، مشيراً إلى أن "مداخلتها السخيفة والعصبية" تشكل دفاعاً عن ضرورة استقلال اسكتلندا.

"تفتقر إلى الحكمة"

وأعادت تصريحات تروس المرتبطة بستورجن إلى الذاكرة الانتقادات الموجهة إليها بشأن "افتقارها إلى الحكمة"، كما كان الحال عندما شجَّعت البريطانيين على القتال في أوكرانيا، عند بدء الغزو الروسي.

وأشار كثيرون أيضاً إلى حضور تروس المكثف على وسائل التواصل الاجتماعي، وتذكيرها المتكرر برئيسة الوزراء المحافظة في ثمانينات القرن الماضي مارجريت تاتشر، كما كان الحال عندما نشرت صورة لنفسها فوق دبابة.

وقال الكاتب المعروف فيليب بولمان في تغريدة: "هل يوجد سياسي على الإطلاق وفي أي مكان يظهر درجة من الإدراك أقل من ليز تروس عندما وصفت نيكولا ستورجن بأنها تسعى للفت الأنظار؟".

في المقابل، استبعد وزير المال السابق ريشي سوناك، خصم تروس في السباق لخلافة رئيس الوزراء بوريس جونسون، استفتاءً ثانياً بعدما صوَّت الاسكتلنديون في 2014 بفارق ضئيل لصالح البقاء في المملكة المتحدة.

والأسبوع الماضي، وصف سوناك الاستفتاء بـ"الأولوية الخاطئة في أسوأ توقيت ممكن". لكن "الحزب الوطني" يشير إلى أن "بريكست" بدَّل النقاش الدستوري، ويطالب باستفتاء جديد في أكتوبر 2023.

وقال سوناك بعدما حصل على دعم 10 من زملائه الاسكتلنديين المحافظين، إنَّ "المحافظة على وحدة المملكة المتحدة تعني مواجهة القومية وهزيمتها في صناديق الاقتراع. أنا الوحيد الذي لديه خطة للقيام بذلك".

"تضليل متعمد"

وإلى جانب تعليقاتها الاسكتلندية، واجهت تروس انتكاسة أخرى مع اضطرارها إلى التراجع عن خطة لتوفير مليارات الدولارات سنوياً في خزانة الحكومة، لكن على حساب العاملين البريطانيين كما يرى منتقدون. 

وكانت تحدثت تروس عن إنشاء "مجالس لتحديد الأجور" للعاملين في القطاع العام خارج لندن، كبديل عن الأجور الموحدة على الصعيد الوطني.

وأفادت حملتها في وقت متأخر الاثنين، بأنَّ الخطة قد تساعد على توفير 8.8 مليار جنيه إسترليني (10.75 مليار دولار) سنوياً إذا شملت "جميع العاملين في القطاع العام على المدى الطويل".

أثار ذلك عاصفة انتقادات من المحافظين في مناطق إنجلترا الأكثر فقراً، الذين قالوا إن الإشارة إلى جميع الموظفين تشمل الممرضين والمدرسين وعناصر الشرطة الذين يعانون تداعيات التضخم.

ورغم وضوح صيغتها، قال ناطق باسم حملة تروس الثلاثاء، إن الخطة كانت ضحية "تضليل متعمد"، مشيراً إلى عدم وجود أي نية لخفض أجور العاملين في القطاع العام، في تراجع تام واضح عن الخطة.

ومع هذه النكسات، لا تزال تروس تحظى مع ذلك بدعم أبرز الشخصيات في حكومة جونسون المنتهية ولايتها. 

الضرائب 

ويمثل موضوع الضرائب قضية ساخنة في السباق لخلافة بوريس جونسون، مع تباين وجهات نظر تروس وسوناك بشأنها، وانعكاس مواقفهما في هذا الشأن على التوجه العام لحزب المحافظين وأعضائه.

وتقدَّمت تروس بشكل كبير في الاستطلاعات خلال الأسابيع القليلة الماضية، بناءً على تعهُّدها خفض الضرائب فوراً للتعامل مع أزمة تكاليف المعيشة التي تشهدها بريطانيا.

في المقابل، أعلن سوناك خطته لخفض ضرائب القيمة المضافة على فواتير الطاقة، في محاولة منه لكسب القاعدة الشعبية للانتخابات العامة.

وعلى الرغم من أهمية هذا الإعلان للشارع البريطاني، إلا أنه تسبب في انتكاسه كبيرة في حصيلة الأصوات المتوقع حصوله عليها بين أعضاء حزب المحافظين، وذلك بسبب وضعهم الاقتصادي المتميز.

ووفقاً لدراسة صادرة عن "مجلس البحوث الاقتصادية والاجتماعية"، فإنَّ أعضاء حزب المحافظين لا يعكسون الوضع الاقتصادي للشعب البريطاني، حيث يرتفع متوسط الدخل لـ40% من أعضاء حزب المحافظين عن متوسط ​​الدخل الوطني، ويجني واحد من كل 20 أكثر من 100 ألف جنيه إسترليني سنوياً، مقارنة بمتوسط دخل 31 ألف جنيه إسترليني للفرد في بريطانيا.

واعتبرت صحيفة "ذي جارديان" البريطانية أنَّ تروس على اتصال أقوى مع الأشخاص الذين يعانون أزمة المعيشة، لكن سوناك أيضاً ينظر إليه بوصفه الأكثر فعالية وحكمة في الإدارة.

مع ذلك تحقق تروس، كما تقول الصحيفة، نتائج أفضل في ما يتعلَّق بانطباعات الناخبين عن إلمامها بتفاصيل أزمة المعيشة، وذلك مع ترويجها للعقيدة التي فقدت مصداقيتها بأنَّ التخفيضات الضريبية، التي تفيد الأثرياء في المقام الأول، ستدعم النمو تلقائياً.

التحديات الداخلية

وإلى جانب الأزمة المعيشة غير المسبوقة، تتزايد المخاوف المتعلقة بـ"الهيئة الوطنية للصحة" (إن.إتش. إس)، والقوى العاملة في القطاع، إضافة إلى سلسلة إضرابات متكررة لقطاع السكك الحديد والمواصلات. وبدلاً من أن تدرج هذه المشاريع في خطابات المرشحين بشكل عميق، تم تناولها بشكل مثير للقلق.

وتعهَّدت تروس بقمع النقابات المسؤولة عن الإضرابات من خلال وضع قوانين تعجيزية لقانونية الإضرابات، في ما يبدو حلاً لإنهاء الإضراب من وجهة نظر أعضاء حزب المحافظين فقط، من دون باقي الشارع البريطاني.

وتعليقاً على خطة تروس، قالت نائبة زعيم "حزب العمال" أنجيلا راينر إن التغييرات المقترحة لن تفعل شيئاً لمعالجة الأزمة الاقتصادية.

واتهمت راينر مرشحي "المحافظين" بخوض "سباق تسلح واسع النطاق لمفاقمة التوترات، وتصعيد الانقسامات من أجل الفوز في الانتخابات فحسب"، بدلاً من حل أزمات معقدة تواجهها بريطانيا.

والإشارة هنا إلى موجات الإضراب الصناعي في الصيف من عمال البريد الملكي والسكك الحديد، تتبعها موجة أخرى من إضرابات أعضاء هيئة التدريس، يليها الأطباء في الخريف، اعتراضاً على عروض الرواتب التي يرون أنَّها لا تتواءم مع التضخم.

وفيما ينتظر الجميع خطة واضحة للخروج من هذا النفق المظلم، لم يذكر سوناك ولا تروس خطط الخروج من الأزمة أو السيطرة على قوائم انتظار تلقي العلاج الطبي، التي وصلت لمستويات قياسية.

تفاوت الاستطلاعات

ومع تباين مواقف تروس وسوناك تجاه العديد من القضايا، تتباين أيضاً المواقف تجاههما على المستويات الانتخابية الثلاث: البرلمان، وأعضاء حزب المحافظين، والناخبين البريطانيين.

وعلى الرغم من تقدم سوناك في الجولات السابقة بفارق أصوات كبير بين البرلمانين، إلا أن سيكولوجية الناخبين البرلمانيين تختلف عن أعضاء الحزب، كما تختلف عن القاعدة الشعبية للبريطانيين.

وبحسب أحدث الاستفتاءات التي أجريت بشكل داخلي للكتلة البرلمانية لحزب المحافظين، فإن سوناك يتصدَّر بجدارة.

ومع ذلك فإنه يتراجع أمام تروس في أحدث استفتاء على مستوى أعضاء الحزب، حيث اعتبرت تروس الخيار المفضل لـ49% من الأعضاء، بينما صوت 31% منهم لصالح سوناك، في حين لم يحسم 15%، وامتنع 6% عن التصويت. وباستبعاد الممتنعين، فإنَّ الـ15% المتبقية هي الحاسمة، ولذلك يتبارى الآن سوناك وتروس للفوز بتلك الشريحة.

وعلى الرغم من أن العملية بأسرها لن تنتهي قبل أوائل سبتمبر المقبل، إلا أن العديد من أعضاء حزب المحافظين الذين يقدر عددهم بـ160 ألفاً، عادة ما يتخذون قراراتهم في وقت أبكر من ذلك، حيث تبدأ استمارات الاقتراع في الوصول لمنازل أعضاء الحزب بين الأول والخامس من أغسطس، فيما يبدأ التصويت الإلكتروني في الثاني من أغسطس.

ومع بدء أعضاء المحافظين التصويت بالبريد وعبر الإنترنت هذا الأسبوع، أظهر استطلاع نشرته "ذي تايمز" أن تروس باتت تتقدم بفارق 5 نقاط، بعدما كان الفارق أكثر من 20 نقطة (48% مقابل 43%). ومن المقرر أن تصدر نتيجة الانتخابات في الخامس من سبتمبر.

ويترقب أعضاء حزب المحافظين 12 مناظرة أخرى للمتنافسين، في محاولة لكسب المزيد من الأصوات، وغالباً ما تكشف تلك المناقشات عن شقاق واضح، لذلك يتوقع أنْ تلعب المناظرات دوراً محورياً في التصويت حتى اللحظات الأخيرة.

هاجس الانتخابات العامة

وبغض النظر عن الفائز النهائي بزعامة حزب المحافظين، فإنَّ الحزب يواجه هاجس الانتخابات العامة المقبلة.

فقبل ثلاث سنوات، قاد رئيس وزراء بريطانيا المستقيل بوريوس جونسون حزبه إلى أكبر فوز انتخابي للمحافظين منذ الثمانينات، لكن فترة حكمه شهدت سلسلة من الفضائح والإخفاقات التي عجز جونسون عن التصدي لها، وأجبر على استقالة وصفت بالمخزية.

ووضعت أزمات جونسون المصوتين لانتخاب زعيم حزب المحافظين في حيرة شديدة، فشخصية زعيم حزب المحافظين المقبل سيكون لها عامل كبير جداً في نتائج انتخابات 2024.

ويمثل تعامل الزعيم المقبل للحزب مع التحديات الداخلية، خصوصاً تلك الاقتصادية، تحدياً سياسياً أشد خطورة بالنسبة للمحافظين، إذ أن اخفاق رئيس وزراء حزب المحافظين المقبل قد يتسبَّب في أزمة سياسية عميقة مع الشعب، وبالتبعية سيهدي حينها فوزاً مؤكداً لـ"حزب العمال" بالانتخابات العامة المقبلة، لذلك يعد قرار التصويت لصالح تروس أو سوناك شديد التعقيد.

ويصر سوناك بقوة على كونه المرشح الوحيد الذي يمكنه قيادة حزب المحافظين لهزيمة السير كير ستارمر زعيم "حزب العمال" في الانتخاب العامة المقبلة، في وقت تظهر فيه استطلاعات "يوجوف" و"BMG" للرأي تزايد رغبات الشعب البريطاني في تولي ستارمر منصب رئيس الوزراء، إذا لم يغير المحافظون سياستهم.

التركيبة العرقية

ويمثل الجانب العرقي تحدياً آخر، إذ يهيمن البيض الأثرياء على التركيبة الديموغرافية لحزب المحافظين، بخلاف القاعدة الشعبية المتنوعة، والتي تعتبر المتحكم الأخير في الانتخابات العامة.

ويضع هذا التباين حزب المحافظين في مأزق، فكلما تقدم أحد المتنافسين على زعامة المحافظين (تروس أو سوناك) في استفتاءات الحزب الداخلية، تراجعت فرص المحافظين في الانتخابات العامة المقبلة.

ويرجع ذلك إلى أنَّ الأشخاص الذين يختارون زعيم الحزب القادم لا يمثلون التنوع الإثني أو الشريحة الاقتصادية التي تتواءم مع مختلف مكونات المجتمع البريطاني، حيث يشغل أعضاء المحافظين شريحة واحدة، وبالتالي ليس ضرورياً أن ما يراه 3% من المصوتين (أعضاء حزب المحافظين) يعبر عن القاعدة الشعبية الانتخابية.

وفي تعليق على هذه المسألة، قال البروفيسور تيم بيل رئيس مشروع أعضاء الحزب لـ"الشرق": إنَّ "هناك بلا شك نواة صلبة من الناخبين المتحيزين عنصرياً في جمهور الناخبين ككل، وبالطبع بين أعضاء حزب المحافظين، إلا أنها تتضاءل تدريجياً كل عام".

وأضاف: "أي شخص من أقلية عرقية يترشح لأي منصب منتخب يتعرض لخطر التصويت ضده بسبب لون بشرته، لكن عدد الأشخاص المستعدين للقيام بذلك قليل نسبياً. صحيح أن البعض سيصوت لمجرد رؤية هذا يحدث، لكن بعد دراستنا، أستطيع التأكيد أنَّ التصويت بناءً على العرق لن يحسم هذه المنافسة".

وتابع: "هذا التناقض، كما أعتقد، هو إصرار على أنَّ الرغبة في زيادة التنوع هي نوع من العنصرية العكسية"، مضيفاً أنه "مجرد جزء من عقلية تقدمية تريد أن تعكس سياسة التنوع السكاني لبريطانيا في القرن الحادي والعشرين، ولكنها بعيدة كل البعد عن كونها نظرية مؤامرة لاستبدال الأشخاص البيض بأشخاص من ذوي البشرة السمراء، أو الرجال بالنساء".

وفي حال فوز سوناك، سيكون أول رئيس وزراء ملوَّن يتقلَّد هذا المنصب في تاريخ بريطانيا، بينما في حالة تروس ستكون ثالث امرأة تتولى منصب رئيسة الوزراء، وفي كلتا الحالتين سيكون التنوع وتمكين المرأة حاضرين، لكن ما يهم الناخبين هو الخطة الفعلية للتعامل مع  التحديات.

اقرأ أيضاً:

Google News تابعوا أخبار الشرق عبر Google News

نستخدم في موقعنا ملف تعريف الارتباط (كوكيز)، لعدة أسباب، منها تقديم ما يهمك من مواضيع، وكذلك تأمين سلامة الموقع والأمان فيه، منحكم تجربة قريبة على ما اعدتم عليه في مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك تحليل طريقة استخدام موقعنا من قبل المستخدمين والقراء.