
لم يكفِ أميركا اللاتينية أنها باتت بؤرة تفشّي فيروس "كورونا" المستجد في العالم، بل فاقمت هذه الجائحة معضلة الفساد في القارة.
الحديث عن الفساد في أميركا اللاتينية ليس جديداً، إذ إنه مُتجذِّر ويطاول كل دولها، سواء التي يحكمها اليمين أو اليسار. ففي الفساد يصبح الجميع "رفاق سلاح"، علماً أنه ظاهرة عالمية، لكنه يتخذ أبعاداً أخرى في القارة، نتيجة الفقر وانعدام وجود شبكة أمان اجتماعي.
وهذه الآفة تجد في محنة "كورونا" أرضاً خصبة لترتع في القارة، إذ اتُهم مسؤولون بالتورط في عمليات شراء احتيالية لأجهزة تنفس وكمّامات وإمدادات طبية أخرى. ونقلت وكالة "أسوشييتد برس" عن خوسيه أوغاز، وهو مدعٍ عام سابق في البيرو، قوله: "عندما يكون هناك وضع صعب، تُخفَّف قواعد الإنفاق، ونجد دوماً شخصاً يتطلع إلى الاستفادة لتحقيق ربح".
أوغاز مدرك لما يتحدث عنه، إذ سجن الرئيس البيروفي السابق ألبرتو فوجيموري ومساعده فلاديميرو مونتيسينوس بعد إدانتهما بالفساد، كما كان رئيساً لمنظمة "الشفافية الدولية" بين عامَي 2014 و2017. وزاد: "الفساد في أميركا اللاتينية تاريخي. إنه ليس عرضياً، بل مشكلة مؤسساتية".
فساد ببُعدٍ سياسي في البرازيل
وأشارت "أسوشييتد برس" إلى أن الشرطة في ريو دي جانيرو دهمت منازل لحاكم الولاية البرازيلية ويلسون ويتزل، في إطار تحقيق واسع في اختلاس مزعوم لجزء من 150 مليون دولار، من أموال عامة مخصصة لتشييد مستشفيات ميدانية لمكافحة "كورونا".
واتخذ الأمر بعداً سياسياً، إذ إن ويتزل خصم للرئيس اليميني المتطرف جايير بولسونارو، بعدما كانا حليفين، واتهمه بتقويض التدابير التي اتخذتها الولاية لكبح الفيروس. ونفى ويتزل ارتكاب مخالفات، واتهم بولسونارو بشنّ حملة "اضطهاد سياسي"، مرجحاً أن تطاول حكاماً لولايات أخرى يعتبرهم الرئيس "أعداء"، ولكن بولسونارو نفى علمه مسبقاً بحملة الدهم، مهنئاً الشرطة الاتحادية في الوقت ذاته.
وفي كولومبيا، يخضع 14من 32 حاكماً لتحقيق في جرائم تتراوح بين اختلاس ومنح عقود بشكل غير قانوني من دون تقديم عطاءات. وفي بوينوس آيرس، يحقق مدّعون عامون في احتمال ضلوع ساسة في صفقة لشراء 15 ألف كمّامة جراحية، انتهت صلاحيتها وكبّدت العاصمة الأرجنتينية 10 أضعاف سعرها.
اعتقال وزير الصحة البوليفي
أما في بوليفيا، فاعتُقل وزير الصحة مارسيلو ناباخاس، بعد مزاعم عن شراء 170 جهاز تنفس بأربعة أضعاف سعرها الذي حددته الشركة المصنّعة في إسبانيا. ويهدد التحقيق فرص الرئيسة المؤقتة جانين أنييز لتولّي المنصب بشكل دائم، بعد 13 عاماً على حكم سلفها اليساري إيفو موراليس الذي استقال العام الماضي بعد اتهامات بتزوير الأصوات في انتخابات الرئاسة.
واعتبر الكاتب الأرجنتيني مارتن كابارّوس، الذي أعدّ كتاباً عن الفساد في أميركا اللاتينية، أن قبول الفساد يعود إلى الاستعمار الإسباني للقارة، ولكن روبرتو دي ميكيلي، أبرز خبراء الشفافية في "بنك التنمية للبلدان الأميركية" (مقره واشنطن)، لا يوافق كابارّوس رأيه، لافتاً إلى أن الفساد يحصد بين 10 و25% من الإنفاق العالمي على الرعاية الصحية، أي مئات المليارات من الدولارات سنوياً.
منصة لمكافحة الفساد في باراغواي
واعتبر أن التكنولوجيا يمكن أن تساعد في حماية أموال الدولة، مشيراً في هذا الصدد إلى باراغواي التي أعدت منصة تتيح للمستخدمين تتبع 110 عقود طارئة قيمتها 26 مليون دولار، مرتبطة بمكافحة "كورونا".
ونقلت "أسوشييتد برس" عن وزير المال الباراغواياني بينينيو لوبيز قوله إن المنصة ستمكّن المواطنين من مراقبة كيفية إنفاق أموال الدولة. وأضاف: "الحل بالنسبة إلى الفساد هو العدالة العقابية، غير أن هذه الأداة تنبّه جميع المسؤولين الحكوميين إلى أن إجراءاتنا ستخضع للمجهر".
وشهد عام 2016 نقطة تحوّل، إذ أقرت شركة البناء البرازيلية "أودبريشت"، الأضخم في أميركا اللاتينية، بدفع رشاوى قيمتها 788 مليون دولار خلال أكثر من عقد، للفوز بعقود قيمتها 3.3 مليار دولار.
فضيحة الفساد تلك اعتُبرت الأبرز في القارة، إذ طاولت 12 من دولها ومسّت 13 رئيساً سابقاً ونائباً للرئيس ومئات من الساسة ورجال الأعمال، كما أدت إلى سجن الرئيس البرازيلي السابق لويز إيناسيو لولا دا سيلفا (خرج قبل أشهر بعد قرار إجرائي للمحكمة العليا)، فيما انتحر نظيره البيروفي السابق ألان غارسيا، بعد توجّه مدعين وشرطيين إلى منزله لاعتقاله.
كذلك حُكم بسجن خورخي غلاس، نائب الرئيس الإكوادوري السابق رافاييل كوريا، 6 سنوات بعد إدانته بالفساد، فيما سُجن الرئيس السلفادوري السابق إلياس أنطونيو سقا إثر إدانته باتهامات مماثلة، وفرّ خلفه ماوريسيو فونيس إلى نيكاراغوا بعد اتهامه بإثراء غير مشروع.
فرار مدعية عامة من غواتيمالا
وعام 2015، ساعدت لجنة لمكافحة الفساد، مدعومة من الأمم المتحدة، المدعية العامة في غواتيمالا ثيلما ألدانا على التحقيق في ملف فساد وإدانة الرئيس السابق أوتو بيريز مولينا ونائبته روكسانا بالديتي، ما أدى إلى استقالتهما وسجنهما.
لكن الحملة على الفساد فقدت زخمها في أميركا اللاتينية، إذ إن الرئيس الغواتيمالي جيمي موراليس رفض تجديد مهمة اللجنة، علماً أنه انتُخب رئيساً عام 2016 بعد حملة شعارها "لا فاسد ولا سارق". وأُرغِمت ألدانا على الإقامة في المنفى، وتواجه تهديدات بقتلها في بلادها، بعد منعها من الترشح للرئاسة.
كما أن شخصيات برازيلية سُجنت لتورطها بفضيحة "أودبريشت"، ثم استعادت حريتها أخيراً، بينها نيلما كوداما، وهي تاجرة عملة في السوق السوداء حُكم بسجنها 18 سنة، ولكن الرئيس السابق ميشال تامر قلّص مدة الحكم، علماً أنه أمضى غالبية ولايته يفنّد اتهامه بالفساد.
معلوم عن القاضي السابق سيرجيو مورو أنه قاد التحقيقات في ملف "أودبريشت"، ثم أصبح وزيراً في حكومة بولسونارو، قبل أن يستقيل مؤخراً، متهماً الأخير بالتدخل في عمل الشرطة.
وفي البيرو، أُفرِج عن زعيمة المعارضة كيكو فوجيموري، تحسّباً لإصابتها بـ "كورونا" في السجن، علماً أنها متهمة بتلقي تمويل غير شرعي من "أودبريشت".
كذلك أُوقِفت "مهمة دعم الفساد والإفلات من العقاب" في هندوراس، وهي لجنة دولية.
وأظهر تقرير أعدته منظمة "الشفافية الدولية"، صدر في يناير الماضي، أن أكثر من نصف سكان أميركا اللاتينية يعتقدون أن مشكلة الفساد تزداد سوءاً. واعتبر التقرير أن فنزويلا ونيكاراغوا هما الدولتان الأكثر فساداً في القارة، فيما الأوروغواي وتشيلي هما الأفضل سجلاً.
وندّد التقرير بـ "الدور الفاسد للمال في تمويل الأحزاب السياسية". وأسِفت المنسّقة الإقليمية للمنظمة تيريسيتا تشافيز لـ"تعثر" أميركا اللاتينية منذ 4 سنوات في هذا الصدد. وقالت لوكالة الأنباء الإسبانية (إيفي) إن الاحتجاجات التي شهدتها القارة أخيراً "تُظهر فشلها في مكافحة الفساد".




