Open toolbar

الزعيم السوفيتي السابق ميخائيل جورباتشوف في جامعة سانت بطرسبرغ، روسيا- 21 مارس 1996 - X00348

شارك القصة
Resize text
دبي-

مع رحيل الزعيم السابق للاتحاد السوفيتي ميخائيل جورباتشوف، الثلاثاء، تننطوي الصفحة الأخيرة لهذه الإمبراطورية التي يرى كثيرون أن جورباتشوف أسهم بشكل أو بآخر في تفكيكها بعدما كانت ملء السمع والبصر.

ولد ميخائيل جورباتشوف في مارس 1931 لفلاحين روسيين من منطقة "كراي ستافروبول" في جنوب شرق روسيا، وانضم في 1946 إلى "الكمسمول" (اتحاد منظمات الشباب السوفيتي) ليستهل بذلك، في مرحلة مبكرة من عمره، العمل الحزبي والسياسي.

ورغم بساطة المهام التي أسندت إليه خلال هذه الفترة، إلا أنَّ جورباتشوف أثبت أنه عضو واعد في "الكمسمول"، ثم في عام 1952 التحق بمدرسة القانون في جامعة موسكو، وأصبح عضواً في الحزب الشيوعي.

وبعد تخرُّجه من الجامعة في عام 1955 تولَّى جورباتشوف عدة مناصب في الكمسمول، والمنظمات التابعة للحزب الشيوعي في "ستافروبول"، وترقَّى حتى أصبح السكرتير الأول للجنة الحزب الإقليمية في عام 1970.

الصعود الحزبي

في عام 1971 تم تعيين جورباتشوف عضواً في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي للاتحاد السوفيتي التي تعد السلطة السيادية الأعلى للحزب، ثم في عام 1978 عُيِّن وزيراً للزراعة في الحزب ليبدأ رحلة الصعود نحو المناصب العليا.

واستمرَّ جورباتشوف في الترقي ليصبح في 1979 عضواً مرشحاً (لا يحق له التصويت) في المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي.

وفي العام التالي نال العضوية الكاملة وهو في التاسعة والأربعين فقط من عمره، الأمر الذي جعله الأصغر سناً بين زملائه في المكتب.

ويرجع الفضل في هذا الصعود السريع إلى علاقته الوثيقة بالقيادي والمنظر الأيدلوجي في الحزب الشيوعي، ميخائيل سوسلوف الذي سبق جورباتشوف في العمل سكرتيراً للحزب بمدينة ستافروبول.

ويعتقد على نطاق واسع أنه بفضل حماية سوسولوف، لم يتحوَّل جورباتشوف إلى كبش فداء في الحزب الشيوعي، على الرغم من شُحِّ الحصاد خلال فترة إشرافه على السياسات الزراعية للاتحاد السوفيتي.

وخلال فترة يوري أندروبوف (1982-1984) كأمين عام للحزب الشيوعي، أصبح جورباتشوف أحد أكثر أعضاء المكتب السياسي نشاطاً وبروزاً.

وبعد وفاة أندروبوف وتولي قسطنطين تشيرنينكو الأمانة العامة للحزب، بات من الواضح أنَّ جورباتشوف هو المرشح المحتمل لخلافة الأخير.

قيادة الحزب

عندما توفي تشيرنينكو في العاشر من مارس 1985، سارت الأمور على النحو المتوقع، إذ انتخب المكتب السياسي في اليوم التالي جورباتشوف (54 عاماً) أميناً عامَّاً للحزب الشيوعي، ليكون بذلك الأصغر في تاريخ هذا المنصب.

وكان الهاجس الأكبر لجورباتشوف في مستهلِّ قيادته للاتحاد السوفيتي، هو إنعاش الاقتصاد السوفيتي الراكد بعد أعوام من الانحسار والنمو المنخفض، خصوصاً خلال فترة حكم ليونيد بريجنيف (1964-1982) .

وفي مايو 1985 وبعد شهرين فقط من توليه السلطة، ألقى جورباتشوف خطاباً في مدينة سانت بطرسبرغ (المعروفة آنذاك باسم لينينجراد)، انتقد فيه علناً "النظام الاقتصادي غير الفعال للاتحاد السوفيتي"، ليكون بذلك أول زعيم شيوعي يهاجم صراحة فلسفة الاتحاد القائمة على تحكُّم الدولة في الاقتصاد، وإدارته مركزياً.

ولتغيير هذا الوضع، دعا جورباتشوف في البداية إلى التحديث التكنولوجي السريع، والعمل على زيادة إنتاجية العمال، لكن عندما فشلت هذه الإجراءات غير الجوهرية في تحقيق نتائج ملموسة، أطلق في عام 1987 إصلاحاتٍ غير مسبوقة طالت جميع جوانب النظام الاقتصادي والسياسي في الاتحاد السوفيتي.

وفي مقابلة أجراها عام 2004، يقول الزعيم السوفيتي عن الأسباب التي دفعته إلى إطلاق هذه الإصلاحات التاريخية: "هناك جانبان مهمان، الأول هو التغييرات الهيكلية في الدول الأجنبية. في الاتحاد السوفيتي هذه التغييرات الهيكلية تم تأجيلها إلى أجل غير مسمَّى، وذلك لأنَّ نظامنا كان مترهلاً إلى الحدِّ الذي أفقده القدرة على الاستجابة لتحديات العلوم والثورة التكنولوجية".

ويضيف: "لهذا، كان من الواضح أننا نفتقر إلى التغيير. لقد كنا في حاجة إلى استكشاف طرق جديدة في الإدارة واللامركزية".

بيريسترويكا وجلاسنوست

من هذه الفكرة العامة، انبثق المشروعان الإصلاحيان لجورباتشوف، وهما: بيريسترويكا (إعادة الهيكلة)، وجلاسنوست (الانفتاح).

وفي ظل "الجلاسنوست"، تم توسيع حرية التعبير والحريات السياسية بشكل كبير خصوصاً في وسائل الإعلام، وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى تنصٌّل الحكومة بالكامل من الإرث الشمولي الستاليني الذي ميَّز النظام السوفيتي منذ حقبة جوزيف ستالين.

أمَّا البيريسترويكا، فقد ركَّزت على تحرير الاقتصاد إلى حد ما من القيود المفروضة عليه، حيث خفَّف جورباتشوف من السيطرة المركزية على العديد من الأنشطة الاقتصادية، ما سمح لبعض المزارعين والمصنعين بأنْ يقرروا بأنفسهم نوع المنتجات التي يصنعونها، والسعر الذي سيتقاضونه مقابلها.

ومثَّلت هذه الإجراءات خروجاً عن ضوابط الأسعار الصارمة التي كانت حجر الأساس للسياسات الاقتصادية السوفيتية.

وفي مايو 1988، خطا جورباتشوف خطوة أخرى نحو شكل محدود من رأسمالية السوق عندما سنَّ سياسة جديدة سمحت بإنشاء أعمال تجارية تعاونية محدودة داخل الاتحاد السوفيتي، ما أدَّى إلى ظهور المتاجر والمطاعم والمصانع المملوكة بشكل خاص.

وكان جورباتشوف حذراً في سنِّ هذه السياسات التي بدت راديكالية بمعايير تلك الفترة. وكما يقول ويليام توبمان، مؤلف كتاب "جورباتشوف: حياته وزمانه"، فقد كانت هذه السياسات "وسيلة لإدخال المشاريع الخاصة إلى البلاد دون تسميتها بهذا الاسم"، فـمفهوم "الملكية الخاصة" لا يزال في ذلك الحين من المحرمات.

كما أزال جورباتشوف القيود المفروضة على التجارة الخارجية، وشجع الاستثمار الغربي في الاتحاد السوفيتي.

نتائج عكسية

وعلى الرغم من أن جورباتشوف وضع هذه الإصلاحات في المقام الأول لتحريك الاقتصاد السوفييتي الراكد، إلا أنَّ العديد منها كان له تأثير معاكس.

وعلى سبيل المثال كان القطاع الزراعي يوفر الغذاء بتكلفة منخفضة بفضل عقود من الدعم الحكومي الكبير، لكن مع السياسات الجديدة، أصبح من الممكن فرض أسعار أعلى في السوق، وهي أسعار لم يستطيع العديد من السوفييت تحمُّلها.

كما أدَّت بعض سياسات جورباتشوف إلى رفع الإنفاق الحكومي، والديون السوفيتية بشكل كبير. وقادت مطالبات العمال برفع الأجور إلى تضخم خطير.

ويرى نقاد جورباتشوف في الحزب الشيوعي أنَّه تسرع في تطبيق إصلاحاته، ولم يسمح بتحول تدريجي من نظام شيوعي فائق التمركز، إلى نظام أقل مركزية، وأكثر انفتاحاً على السوق، الأمر الذي قاد في النهاية إلى سقوط النظام كله.

مؤسسات الحكم

وامتدَّت إصلاحات جورباتشوف في إطار البيريسترويكا أو إعادة الهيكلة لتشمل مؤسسات الحكم التي سعى الزعيم الرحل إلى إعادة بنائها لتنسجم مع رؤيته المتعلقة بتوسيع الديمقراطية.

وفي هذا الصدد، تم في عام 1989 إنشاء مجلس نواب الشعب في الاتحاد السوفيتي، مع انتخاب بعض أعضائه مباشرة من قبل الشعب في انتخابات تنافسية. 

ثم في مايو 1989، تمَّ انتخاب جورباتشوف رئيساً لمجلس السوفيت الأعلى، وبالتالي احتفظ بالرئاسة الوطنية. كان الهدف من هذه الخطوة بالنسبة لجورباتشوف هو تعزيز صلاحياته التنفيذية للمضي قدماً في إصلاحاته.

وخلال الجلسة العامة للجنة المركزية للحزب الشيوعي في فبراير 1990، صوَّت الشيوعيون لمصلحة اعتماد نظام رئاسي ودستور، وبالتالي التخلي عن مبدأ احتكار السلطة الذي يعد من ثوابت الحزب.

السياسة الخارجية 

على مستوى السياسة الخارجية، أبدى جورباتشوف أيضاً انفتاحاً كبيراً على الغرب لم يكن معهوداً في أجواء الحرب الباردة.

وأقام جورباتشوف منذ البداية علاقات أكثر دفئاً مع الولايات المتحدة، ففي ديسمبر عام 1987 وقع اتفاقية مع الرئيس الأميركي رونالد ريجان لتدمير جميع المخزونات الحالية من الصواريخ ذات الرؤوس النووية متوسطة المدى في البلدين.

وفي عام 1988 و1989 أشرف بنفسه على انسحاب القوات السوفيتية من أفغانستان بعد احتلال دام 9 سنوات.

وطيلة عام 1989، انتهز جورباتشوف كل فرصة للتعبير عن دعمه للشيوعيين الإصلاحيين في بلدان الكتلة السوفيتية في أوروبا الشرقية، معلناً أنه من حق كل أرض اشتراكية "حرية اختيار" أنظمتها الاشتراكية الخاصة بها.

وعندما سقط جدار برلين في نوفمبر 1989، وتهاوت الأنظمة الشيوعية في تلك البلدان مثل أحجار الدومينو، أذعن جورباتشوف ضمنياً لسقوطها، ولم يحاول التدخل عسكرياً.

ومع وصول الحكومات غير الشيوعية إلى السلطة في كل من ألمانيا الشرقية، وبولندا، والمجر وتشيكوسلوفاكيا في أواخر عامي 1989-1990، وافق جورباتشوف على الانسحاب التدريجي للقوات السوفيتية من تلك البلدان.

وبحلول صيف عام 1990، ولم يحل الصيف إلا وقد وافق أيضاً على إعادة توحيد ألمانيا الشرقية مع جارتها الغربية.

وأدَّت هذه التغيرات في أوروبا الشرقية إلى اضطرابات داخلية في الجمهوريات السوفيتية التي بدأت أيضاً تطالب بالانفصال عن الاتحاد السوفيتي.

وعلى الرغم من أنَّ جورباتشوف تدخل عسكرياً لقمع هذه المطالبات إلا أنه حرص على وضع الأساس الدستوري لمنح هذه الجمهوريات الاستقلال في المستقبل.

نوبل وانقلاب

وأثارت هذه السياسات التي انتهجها آخر زعماء الاتحاد السوفيتي ردود فعل متباينة، ففي الغرب تم اعتبارها إنجازاً كبيراً في العلاقات الدولية، ليحصل جورباتشوف في عام 1990 على جائزة نوبل للسلام.

ووفقاً لموقع الجائزة، فقد مُنح جورباتشوف نوبل بسبب "دوره القيادي في التغييرات الجذرية في العلاقات بين الشرق والغرب".

أمَّا في موسكو، فقد قوبلت هذه السياسات بمقاومة كبيرة، ففي أغسطس 1991، نظَّم متشددون في الحزب الشيوعي بالتحالف مع بعض أعضاء "الكيه جي بي" انقلاباً ضد جورباتشوف، لكن الأخير تمكن من الاستمرار في السلطة.

حاول جورباتشوف بعد ذلك الحفاظ على تماسك الاتحاد في وجه التفكك، والمضي في إصلاحاته، لكنه لم يتمكن، ففي 8 ديسمبر من العام نفسه، انهار الاتحاد عملياً مع توقيع اتفاقية بيلوفيجسكايا بوشا التي نتج عنها تشكيل رابطة الدول المستقلة، وتفكك الاتحاد السوفيتي. ثم في 25 ديسمبر 1991 استقال ميخائيل جورباتشوف من منصبه، منهياً بذلك 75 عاماً من حكم الإمبراطورية السوفيتية.

اتهامات

بعد تفكك الاتحاد السوفيتي مارس جورباتشوف النشاط السياسي لفترة محدودة في روسيا، حيث أسس الحزب الاجتماعي الديمقراطي، قبل أن يستقيل منه في عام 2004، وذلك بحسب قناة "روسيا توداي" الروسية.

وتميزت علاقته بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين بحالة من الشد والجذب، ففي عام 2013 وجه الزعيم السوفيتي السابق انتقادات حادة لبوتين، معتبراً أنَّ سياساته تؤثر على حقوق المواطنين الروس، ومطالباً إياه بتغيير أسلوبه. 

لكن على الرغم من ذلك، فقد دعم جورباتشوف ضم شبه جزيرة القرم في 2014، كما أنه احتفظ حتى وفاته بعلاقة مستقرة مع بوتين.

وواجه جورباتشوف في السنوات الأخيرة اتهامات عدة بتسببه في انهيار الاتحاد السوفيتي، بلغت ببعض نواب مجلس الدوما الروسي (البرلمان) إلى المطالبة بمقاضاته، مؤكدين أن مواطني الاتحاد السوفيتي أبدوا خلال الاستفتاء الرغبة في الحفاظ على وحدة الدولة، لكن القياديين السوفييت قاموا بنشاط غير قانوني أدى الى انهيار البلاد.

ويحسب "روسيا توداي"، نفى جورباتشوف هذه الاتهامات ناصحاً بإجراء "تحليل جدي لكل من صوت وكيف صوت في المجلس الروسي الأعلى للموافقة على اتفاقية بيلوفيجسكايا بوشا"، مضيفاً أنه "يجب جمع نواب الدوما آنذاك الذين صوتوا لصالح اتفاقية بيلوفيجسكايا وإرسالهم إلى المنفى".

اقرأ أيضاً:

Google News تابعوا أخبار الشرق عبر Google News

نستخدم في موقعنا ملف تعريف الارتباط (كوكيز)، لعدة أسباب، منها تقديم ما يهمك من مواضيع، وكذلك تأمين سلامة الموقع والأمان فيه، منحكم تجربة قريبة على ما اعدتم عليه في مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك تحليل طريقة استخدام موقعنا من قبل المستخدمين والقراء.