Open toolbar

محمد رمضان ودينا الشربيني في مسلسل "المشوار" - المكتب الإعلامي للشركة المنتجة

شارك القصة
Resize text
القاهرة-

بعد 6 سنوات في انتظار مسلسل جديد للمخرج المصري محمد ياسين، عقب تجربة "أفراح القبة" 2016، تأتي تجربة "المشوار" لتجعلنا نتساءل ما الذي حدث لكي يتحول مسلسل منتظر لمخرج مهم إلى مادة ثقيلة الإيقاع، بها حالة من البطء الدرامي الذي لا يمكن تبريره بأي نظرية فنية، ولكن بمنطق واحد؛ هو دسامة الوقت الممنوح – ثلاثون حلقة- في مقابل خفة الأحداث المعروضة، وسُكون الصراع، وافتعال الأزمات فقط من أجل أن يتنفس العمل خارج جدران الغرف الحوارية المغلقة.

صراع ساكن أم ميت

 من المعرروف أن الكاتب يستخدم الصراع الساكن في البناء الدرامي من أجل أن يمنح المتلقي مساحة لتأمل ما وراء الأحداث والتفاصيل والشخصيات، أو على حد قول الكاتب والمخرج الروسي أندري تاركوفسكي، أن "الشعر يبدأ حين تنتهي المعلومة".

فالصراع حين يسكن وتخفت إيقاعاته، يصبح لدى المشاهد مزيد من الوقت للاستغراق في خواطره مثل هل الشخصيات تمثل نموذجاً متعدد التأويلات! هل ما يحدث يوحي بما هو أعمق! وأكثر تجذراً على المستوى الفكري من مجرد كونه مطاردة أو لعبة كر وفر! ماذا يعني أن ينتمي العمل لتيمة الطريق (مشوار البطل من النقطة ألف إلى النقطة ياء عبر محطات متعددة، كل محطة تشكل مرحلة في بناء متصاعد، وجانب من رحلة ربما الطريق نفسه هو كنزها الحقيقي).

في الحلقات الأولى من المسلسل بدأ المشوار سريعاً، ما قبل البداية ثمة محطة أولية، وهي محطة هامة رغم أن الجمهور لا يشاهدها! ولكنه يعايش نتائجها أو على حد قول صناع الدراما، أن الأعمال الجيدة هي التي لا تبدأ قبل أن تكون هناك شخصية رئيسية أو أكثر قد اتخذت قراراً هاماً قبل بداية الأحداث.

 ويكفي أن نشير إلى أعمال هامة مثل "ليالي الحلمية"، والتي تبدأ حلقاتها الأولى بعد أن أخذ سليم البدري قرار بالزواج من علية ابنة العطار، وتبدأ الأحداث بتوابع هذا القرار.

وفي المشوار تبدأ الأحداث وسط جبال الملح بكل تداعيات الملح في المخيلة الشعبية من أنه دلالة على الصبر أو اهتراء الجلد أو العطش أو البياض الثلجي الخادع، وقد اتخذ ماهر(محمد رمضان) وزوجته ورد (دينا الشربيني) قراراً هاماً نتعرف عليه بالتدريج أثناء رحلة هروبهم من رجال "وجيه بيه" صاحب الآثار الحقيقي، والذي أقدم ماهر وزوجته على سرقتها ودس بعضها في بيته لضمان التخلص منه.

بعد رحلة الهروب الأولى يتوقف ورد وماهر عند ثاني محطة بعد محطة الملاحات والمكس في الأسكندرية شمالاً، وهي محطة القاهرة أو الجيزة تحديداً عند بيت مغني المهرجانات شامل وعشيقته عزة، صديقة ورد منذ طفولتها، في هذه المحطة يثبت المشوار طويلاً كأنها المحطة (موقف) وليست جزء من رحلة! 

في البداية نتصور أن علاقة شامل وعزة هي انعكاس ما لعلاقة ماهر وورد، ربما في سياق حياتي آخر، أو هكذا أرهصت المقدمات التي جمعت ما بين ورد وعزة في تاريخ طفولي وشبابي مشترك ومتداخل، قبل أن تشق كل منهن طريقها في الحياة.

ولكن مع ترهل الإيقاع في الحلقات التي قضاها الثنائي الهارب في بيت الثنائي الفني، ومع استغراق الحكي داخل علاقة شامل وعزة، حتى أنها في بعض الحلقات حلت محل العلاقة الأساسية بين ورد وماهر، لم ينتبه صناع العمل إلى أن الصراع بهذه الطريقة لم يعد ساكنا وإنما ميت.

لماذا ميت؟

 يرتبط المتلقي بالبطل الرئيسي سواء كان فرداً أو مجموعة، وسواء كان بطلاً خيراً أو لا بطل أو بطل ضد (Anti Hero) وترتبط قرارات البطل وحركته بنمو الصراع وصيرورته، أي اندفاعه إلى الذروة بشكل لا محالة فيه، ولكن عندما يخرق صانع العمل اتفاقه الضمني مع المشاهد، ويمنح دفة الصراع إلى الشخصيات والخطوط فرعية، ويسكن صراع الشخصيات الرئيسية، ويلقيها في دائرة ضيقة مفرغة من أجل افساح المجال للشخصيات الثانوية كي يتطور الخط الخاص بها، ويتصدر المشهد البنائي، فهذا معناه أن الكاتب أمات الصراع، ولم يعد سكونه تأملياً، بقدر ما هو أقرب لمنح الشخصيات الأساسية استراحة غير مطلوبة – خاصة في هذا النوع من التيمات اللاهثة- للتركيز على خط ثانوي، ومحطة من المفترض أنها انتقالية داخل خط المشوار نفسه!

لم يعد هناك مساحة للتأمل ولا للشعر فيما وراء فكرة كيف يكون الأنسان حراً وهو هارب! وأين هي العدالة المتحققة عبر لي رقبة الأخلاق! وهل السرقة من سارق تعتبر عملاً بطولياً أم جريمة! وغيرها من التداعيات التي تشكلت في بداية الحلقات الأولى خاصة مع بلاغة الصورة المقدمة لعبد السلام موسى مدير التصوير، وتكوينات اللقطات التي لم تدع مجالا للشك بأن هناك ما وراء الحكاية.

كسل أم فقدان للبوصلة

مع انطلاق المشوار من الشمال ثم توقفه في الجيزة ثم زيارة ماهر السريعة إلى الصعيد وعلاقته بالمحامي بلدياته (الممثل الجميل محمد عبده)، وضعنا النص أمام رحلة افتراضية من شمال مصر إلى جنوبها، وهي رحلة عكسية كأنما صعودا من البحر إلى الأراضي المرتفعة، على عكس رحلات درامية كثيرة سابقة كانت من الصعيد إلى البحر. 

ولكن (حلقات موقف الجيزة) التهمت مخزون الوقت الدرامي -ومعه صبر المتفرج- قبل أن تنتقل إلى محطة أخرى في منزل تاجر الأثار (سيد رجب) الذي يعرض على ماهر الإقامة عنده من أجل افتعال قصة جديدة بين ماهر وبين ابنة التاجر، والتي بالصدفة تعاني من مشكلات مع زوجها على المستوى العاطفي والإنساني تماماً كما كانت تعاني عزة مع شامل!

وكأن المشكلات العاطفية والجسدية بين الثنائيات هي ما يعتمد عليه صناع العمل في خلق صراعات ومشاكل بين الشخصيات الثانوية! في كسل واضح يضاف إلى فقدان بوصلة الرحلة التي جاءت من الشمال، ثم ركنت في مصر الوسطى دون أن تستكمل طريقها إلى الجنوب كما وعدتنا حتى الآن، رغم اقتراب الحلقات من نهايتها، ومع شعور بأن الرحلة سوف تنتهي نهاية مآساوية يفقد فيها الطفل رحيم حياته كعقاب تراجيدي للبطل الضد ماهر وزوجته.

الدرس المستفاد

 لا يمكن أن تمنع متفرجاً من أن يرفع سقف توقعاته بناء على خبراته السابقة مع صناع الأعمال الفنية، شرائح كثيرة كانت في انتظار عمل جديد للمخرج محمد ياسين، وشرائح أكثر كانت في انتظار ثمرة تعاونه مع محمد رمضان الذي لا ينتمي كل منهم إلى عوالم الآخر.

وفي النهاية خسرت غالبية الشرائح رهانها على تجربة مختلفة، وتوجت الحالة الدرامية بالكثير من الإخفاقات، خاصة مع افتعال مواقف مثل شجار عزة وماهر واتهام عزة أن ماهر يراودها عن نفسها لمجرد أن تطرده من البيت، ومثل استسلام ابنة تاجر الآثار لارتياحها غير المبرر تجاه ماهر تحت شعار (أصلنا بلديات والدم بيحن)!

ولكن أكبر الخسارات هي التي منيت بها صناعة الدراما التليفزيونية، حيث فشلت مجموعة العمل في خلق حالة متجانسة ومختلفة تحتوي على جينات مميزة من التجارب غير المتشابهة، وبدلاً من إنجاز كائن درامي (سوبر) ظهر هذا الهجين المشوه ليصبح حجة لدى العديد من الصناع في المواسم القادمة، لكي يظل كل منهم يدور في فلكه الضيق، ويستهلك أنماطه المحدودة بدلاً من خوض المغامرات التي لو فشلت إحداها فربما تنجح أخرى.  

* ناقد سينمائي

اقرأ أيضاً:

Google News تابعوا أخبار الشرق عبر Google News

نستخدم في موقعنا ملف تعريف الارتباط (كوكيز)، لعدة أسباب، منها تقديم ما يهمك من مواضيع، وكذلك تأمين سلامة الموقع والأمان فيه، منحكم تجربة قريبة على ما اعدتم عليه في مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك تحليل طريقة استخدام موقعنا من قبل المستخدمين والقراء.