
نكتب حكايات صغيرة عن مدننا تبقى جانبية ولا تعني أبناء الحيّ الآخر، بل لا تعني أبناء المدن الأخرى، لكنها أحياناً تستطيع أن تحمل ذكرياتنا الناجية عن الحرب وأهوالها بعيداً، وأن تصبح نصوصاً أو مراسم لائقة للعنف الذي عشناه، وأن تعود من جديد وثيقةً أصلية تُبرز فظاعة الحرب ونتائجها الكارثية.
هذا ما سعى إليه الكاتب السريلانكي شيهان كاروناتيلاكا، الفائز بجائزة "بوكر البريطانية" 2022، عن روايته "أقمار مالي ألميدا السبعة"، التي استطاع من خلالها بأسلوبه الرافض لواقعٍ مظلم عاشته البلاد، أن يقول ما لم يقله آخرون عن الحرب في بلاده، وأن يفاجئء القارىء من جديد بوقائع أقرب إلى الخيال المرّ.
لم يستطع كاروناتيلاكا أن يتجاوز تلك الحرب، ولا أحد يفعل، على الرغم من تنقّله بين لندن وأمستردام وسنغافورة. بقي حاملاً ذلك الإرث وفظاعته، وجسّده في روايته التي تدور أحداثها في سريلانكا أثناء الحرب الأهلية عام 1990، سارداً قصّة مصوّر حرب يدعى معالي ألميدا، رافق الموت إلى مثواه الأخير، بل استيقظ وهو ميت، في عالَمٍ سفلي مليء بضحايا العنف السياسي.
يقول الكاتب: "بدأت التفكير في حبكة الرواية في عام 2009، بعد نهاية حربنا الأهلية. كان ثمّة نقاش محتدم حول عدد المدنيين الذين لقوا حتفهم في أهوالها. بدت قصة الأشباح حيث يمكن للموتى أن يقدّموا وجهة نظرهم فكرة غريبة بما يكفي كي أسبر أغوارها أكثر، لكني لم أكن شجاعاً بما يكفي للكتابة عن الحاضر".
وأضاف: "عدت عشرين عاماً إلى الوراء، إلى عام 1989 الأحلك في ذاكرتي، حيث اجتمعت حرب عرقية وانتفاضة ماركسية ووجود عسكري أجنبي وفرق مكافحة الإرهاب التابعة للدولة في بوتقة واحدة. كان زمن الاغتيالات والإخفاء القسري والقنابل والجثث. وفي نهاية التسعينيات، كان معظم الخصوم قد ماتوا، لذلك شعرت بأمان أكبر في الكتابة عن هذه الأشباح، بدلاً من تلك الأقرب إلى الحاضر".
كان أمله في أقماره السبعة "أن تُقرأ الرواية في مستقبلٍ غير بعيد، في سريلانكا تحديداً، عندما نكون قد أدركنا أن الاستهداف العرقي والمحسوبية والفساد أمور لم ولن تنجح أبداً"ً، كما قال أثناء تسلّمه الجائزة.
الموتى يتحدّثون
تبلورت فكرة الرواية الفائزة لدى الكاتب في العام 2009، في أعقاب الحرب مباشرةً، حين كانت سريلانكا تخضع لتقييمٍ وطني شامل حول أسباب الصراع، وأعداد الضحايا المدنيين الهائلة وغير المبرّرة.
سأل كاروناتيلاكا عن كيفية معالجة الصدمة المستمرّة للحرب: "لو كان الموتى يستطيعون التحدّث، وفكّرت في كتابة القصّة The Seven Moons of Maali Almeidaعلى هذا النحو".
المسألة برمّتها ترمز إلى ولادة تحدث بالصدفة، ولادة مصوّر مات ثم عاش، بعد أن عاين الرعب وأنفاس الضحايا الأخيرة. لكن هل يستطيع الصحافي أو مصوّر الحروب عموماً أن يتدرّب على الحرب ثم يألفها، بل أن يتعامل مع أمواتها كمن يحلّ مشكلةً عالقة في زمنٍ آخر؟
البدايات
ولد كاروناتيلاكا في جالي، سريلانكا، في العام 1975، ونشأ في العاصمة كولومبو. درس في نيوزيلندا، واستمرّ في العمل والعيش في لندن وأمستردام وسنغافورة. عمل في مجال تأليف الإعلانات، وفي العزف على الجيتار في فرقة روك.
عاش خلال الحرب الأهلية في سريلانكا في الثمانينات، وكان يعتقد أن العنف السياسي جزء من المشهد الطبيعي في البلاد، وأن الحرب خلفية ثابتة للحياة اليومية.
برز على الساحة الأدبية في العام 2011 ، بعد أن نشر روايته الأولى Chinaman التي تتناول صحافياً يشرب الخمرة ويبحث عن نجم كريكيت مشهور مفقود. وقد وضعته تلك الرواية على الخارطة كروائي كوميدي موهوب، وفاز بجائزة "الكومنولث" للكتاب في العام 2012.
يعيش الكاتب السريلانكي حالياً في كولومبو، ولا يزال يؤلف الإعلانات أثناء النهار، ويعمل على رواياته في الصباح الباكر.
وكاروناتيلاكا هو ثاني سريلانكي يفوز بهذه الجائزة التي تُمنح لأفضل رواية صادرة باللغة الإنجليزية، بعد مايكل أونداتجيز الذي حصل على بوكر في العام 1992 عن روايته "المريض الإنجليزي"، التي تحوّلت إلى فيلمٍ سينمائي حاز جوائز عدّة.
رواية فلسفية
وقال نيل ماكجريجور رئيس لجنة التحكيم عن الرواية إنها "فلسفية جادّة تماماً، تأخذ القارئ إلى القلب المظلم للعالم، وإلى أهوال الحرب المميتة في سريلانكا".
أضاف: "وبمجرّد الوصول إلى هناك، يكتشف القارئ أيضاً الرقّة والجمال، الحب والولاء، والسعي وراء مثال يحتذى ويبرّر كلّ حياةٍ بشرية".
تسلّم كاروناتيلاكا الجائزة من ملكة بريطانيا كاميلا، في أوّل احتفال تحضر فيه الأخيرة شخصياً لمنح جائزة الأدب باللغة الإنجليزية منذ العام 2019. كما حصل على 50 ألف جنيه استرليني (56810 دولاراً).
ومُنحت الجائزة العام الماضي للكاتب الجنوب أفريقي دامون جالغوت عن روايته "الوعد" The promise التي تدور أحداثها حول ما تعيشه أسرة مزارعة بيضاء في جنوب أفريقيا بعد الفصل العنصري.
اقرأ أيضاً:




