Open toolbar

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جين بينج خلال قمة "منظمة شنجهاي للتعاون" في بيشكيك - 14 يونيو 2019 - AFP

شارك القصة
Resize text
دبي-

كان لافتاً أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أقرّ لنظيره الصيني شي جين بينج، ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، بأنه يدرك مخاوفهما بشأن غزو أوكرانيا.

وأثار ذلك الإقرار تحليلات وتكهّنات حول تحوّلات التعاون بين موسكو وبكين، لا سيّما في ظلّ نكسات عسكرية للجيش الروسي بأوكرانيا، فيما تواصل نيودلهي سياسة تهادن بوتين ولا تقوّض علاقاتها مع الغرب.

ورأت "بلومبرغ" في إبلاغ بوتين شي جين بينج أنه يتفهّم "أسئلة" بكين و"مخاوفها" بشأن غزو أوكرانيا، "اعترافاً نادراً بتوترات بين الحليفين".

وأدرجت قول الزعيم الصيني أن بلاده "مستعدة للعمل مع روسيا، وإبراز مسؤوليات القوى الكبرى، وأداء دور قيادي لضخّ استقرار وطاقة إيجابية في عالم تسوده الفوضى"، في إطار مؤشر إضافي إلى أن شي "سيواصل حجب دعم مادي، فيما يعاني بوتين من خسائر مذلّة في ساحة المعركة، ويعارض أي تصعيد يمكن أن يفاقم من تعطيل سلاسل إمدادات الغذاء والطاقة التي تعكّر صفو الاقتصاد العالمي الآن".

وذكّرت "بلومبرغ" بأن بكين التي دعمت موسكو دبلوماسياً منذ بدء الحرب، واتهمت واشنطن باستفزاز الرئيس الروسي، "تجنّبت حتى الآن تقديم أي مساعدة عسكرية مباشرة لبوتين".

وحرص شي جين بينج، في تصريحاته العامة، والبيانات التي أصدرتها الصين لاجتماعاته مع بوتين، على تجنّب التطرّق إلى حرب أوكرانيا، والتركيز بدلاً من ذلك على الحاجة إلى التعاون في مواجهة النفوذ العالمي للولايات المتحدة.

شراكة "بلا حدود"

ويكمن هنا "بيت القصيد" في موقف الصين وهدفها في خضمّ الحرب، علماً أن شي وبوتين امتنعا عن ذكر مسألة الصداقة "بلا حدود" التي أعلناها في مطلع فبراير الماضي خلال دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في بكين، قبل أسابيع من الغزو.

ووَرَدَ في ورقة بحثية أعدّها محلّلون بـ"مجموعة أوراسيا" بقيادة زاكاري ويتلين، أن "الصين لم توافق إطلاقاً على الغزو الروسي، ولن تضحّي بمصالحها من خلال انتهاكها العقوبات الأميركية" المفروضة على موسكو.

واستدركت أن "بكين لا تزال ملتزمة بتوسيع التعاون الاقتصادي وتعميق العلاقات الاستراتيجية مع موسكو، كثقل موازن للنفوذ الغربي في النظام الدولي".

واعتبر فاسيلي كاشين، وهو خبير في العلاقات بين روسيا والصين بـ"الكلية العليا للاقتصاد" في موسكو، أن بوتين استهدف استخدام المحادثات مع شي في سمرقند لتعزيز التبادل التجاري مع الصين والحصول على مزيد من الواردات الصناعية والتكنولوجية، من أجل سدّ الفجوة التي خلّفها غياب السلع الغربية نتيجة العقوبات.

ولكن من خلال ابتعادها عن النزاع "باتت بكين أحد المستفيدين الأساسيين من محن روسيا"، بحسب "بلومبرغ"، مذكّرة بأن الصين والهند تشتريان الخام الروسي بسعر زهيد، فيما تعتمد موسكو بشكل متزايد على اليوان الصيني، من أجل تخزين احتياطاتها من العملات الأجنبية.

"حدود صداقة الرفيق شي"

أشارت إليزابيث ويشنيك، وهي باحثة في "مركز التحليلات البحرية" وهو معهد بحثي أمني في واشنطن، إلى أن "المسؤولين الصينيين يتحدثون عن شراكة بلا حدود" مع موسكو، مستدركة أن "روسيا والصين اتفقتا دوماً على الاختلاف بشأن ملفات عديدة"، علماً أن صادرات موسكو إلى بكين زادت بنحو 50% وبلغت 40.8 مليار دولار، خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2022.

ورأت أماندا هسياو، وهي محلّلة في "مجموعة الأزمات الدولية" (مقرها بروكسل)، أن تقديم الصين "دعماً سياسياً ومعنوياً" لروسيا، وامتناعها في الوقت ذاته عن تقديم مساعدات عسكرية والتزامها بالعقوبات الغربية "يعكس توازناً بين مصالحها الاستراتيجية وتلك الاقتصادية"، مضيفة أن "هذه المصالح ستواصل توجيه موقف بكين" في هذا الصدد.

واعتبرت كلارا فيريرا ماركيس، وهي كاتبة رأي في "بلومبرغ"، أن "بوتين يكتشف حدود صداقة الرفيق شي"، ذلك أن الصين "في وضع غير مريح، إذ تحاول موازنة تحالفها الأيديولوجي مع موسكو، مع فعل عدواني من بوتين ينتهك المبادئ الأساسية للدبلوماسية الصينية، المتمثلة في وحدة أراضي (الدول) وعدم التدخل" في شؤونها الداخلية.

وأضافت أن شي جين بينج الذي يستعد لولاية رئاسية ثالثة تُعتبر سابقة في الصين، خلال مؤتمر الحزب الشيوعي الشهر المقبل، لا يريد "ربط نفسه بالفشل"، بعدما "عانى بوتين أسوأ هزيمة استراتيجية له منذ بداية الحرب".

ولفتت ماركيس إلى أن صحيفة "جلوبال تايمز" الرسمية الصينية كتبت أن العلاقات بين بكين وموسكو "في أفضل حالاتها في التاريخ"، مستدركة أن "لدى الصين أصدقاء كثيرين في العالم" وعليها "منع الغرب من الترويج لتشكيل الصين وروسيا تكتلاً سياسياً وعسكرياً".

"تأرجح" موقف الهند

في السياق ذاته، تعمّد رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي، أن ينتقد غزو أوكرانيا علناً خلال لقائه بوتين في أوزبكستان، بعدما أبلغه ذلك هاتفياً في وقت سابق، بقوله إن "الزمن الحالي ليس زمن حرب"، مشدداً على أهمية "الديمقراطية والدبلوماسية والحوار".

وشكلت الهند "واحدة من أبرز الدول المتأرجحة"، في موقفها من غزو أوكرانيا. وتجنّبت الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى حدّ كبير حتى الآن، الضغط على نيودلهي بشأن علاقاتها الوثيقة مع روسيا، أبرز مورّد لها في السلاح والطاقة، جزئياً من أجل إبقاء مودي إلى جانبهم ضد الصين، من خلال تحالف "الرباعية" (كواد)، الذي يضمّ أيضاً الولايات المتحدة واليابان وأستراليا.

ونجح مودي حتى الآن في إيجاد توازن بين الجانبين، مع تعزيز مصالح الهند، إذ سعى للحصول على نفط بسعر زهيد، وأسلحة تمكّنه من مواجهة تحدي الصين على الحدود المتنازع عليها مع الهند في الهيمالايا، إضافة إلى مزيد من الاستثمارات من الولايات المتحدة وحلفائها، الذين يسعون لتنويع سلاسل التوريد للنأي عن الصين.

"لغز" تواجهه نيودلهي

خلال الأشهر السبعة الأولى من العام، بلغت واردات الهند من روسيا أكثر من 13 مليار دولار، مقارنة بملياري دولار في العام السابق، وفقاً لأرقام وزارة التجارة الهندية.

وفي الوقت ذاته انخفضت صادرات الهند إلى روسيا إلى 700 مليون دولار، مقارنة بـ950 مليوناً قبل عام.

وقالت إندراني باجشي، الرئيسة التنفيذية لـ"مركز أنانتا آسبن"، وهو معهد أبحاث يتخذ نيودلهي مقراً، إن "التحدي الذي تواجهه الهند يتمثل في إدارة العلاقات المتدهورة مع روسيا، ورعاية علاقات متنامية مع الولايات المتحدة وتأمين مصالحها من كل الجوانب بوصفها قوة متنامية".

وأضافت: "بصرف النظر عن مدى رغبة الهند في الحفاظ على علاقاتها مع روسيا، فإن هذا (الأمر) سيزداد صعوبة مع الوقت".

وقد يصعب إنهاء الارتباط التاريخي لنيودلهي بموسكو، لكن المسؤولين الهنود يبدون أكثر حذراً إزاء الصين، وقد يدرجون في تخطيطهم الاستراتيجي بعيد المدى إعلان شي جين بينج وبوتين صداقة "بلا حدود" بين بلديهما.

وأشار هارش بانت، أستاذ العلاقات الدولية في "كينجز كوليدج لندن"، إلى "إيحاءات متزايدة بأن روسيا ستتّبع الصين إلى حدّ كبير، لا سيّما بعد الأزمة الأوكرانية"، وتابع: "سيشكّل هذا (الأمر) جزءاً كبيراً من اللغز الذي سيتوجّب على الهند حلّه".

روسيا "تابعة للصين"

ويعتبر أود أرني ويستاد، وهو أستاذ التاريخ والشؤون العالمية في جامعة "ييل" الأميركية، أن بكين "ستندم في النهاية على دعمها موسكو" في الحرب، مشيراً إلى أن علاقات الصين مع الولايات المتحدة وأوروبا ستكون دوماً أكثر أهمية من علاقاتها بروسيا.

ورأى أن روسيا والصين "ليسا شريكين طبيعيين"، مضيفاً أن مفكّري السياسة الخارجية في الدائرة المقرّبة من بوتين يبرّرون التحالف مع الصين بـ"الحاجة إلى نكاية الغرب، وليس بسبب أي انسجام طبيعي بين القوتين".

أما ألكسندر جابوييف، وهو باحث في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، فوصف روسيا بأنها "تابعة للصين"، معتبراً أن حرب أوكرانيا "حوّلت موسكو إلى شريك صغير لبكين".

وكتب جابوييف في مجلة "فورين أفيرز" أن "الصين استفادت من الاضطراب الاقتصادي (الذي سبّبته) الحرب، وجعلت نفسها سوقاً بديلاً للسلع الروسية التي كانت تُباع في الأسواق الأوروبية"، كما "استغلّت بالكامل فرص شراء سلع روسية بسعر زهيد، من خلال ترتيبات قصيرة الأجل لا تجازف بانتهاك العقوبات" الغربية المفروضة على موسكو.

ونبّه إلى أن "هذه التعاملات مع الصين ستكون مكلفة بالنسبة لروسيا"، مضيفاً أن اعتماد موسكو على بكين سيمنح الأخيرة "نفوذاً هائلاً، وستكون قادرة على انتزاع تنازلات من روسيا، كانت تُعتبر سابقاً أحادية"، بما في ذلك مفاوضات لمدّ خط أنابيب جديد سيربط حقول الغاز في غرب سيبيريا بالسوق الصينية.

واستبعد جابوييف أن "تنقذ بكين موسكو أو تساعد بشكل كبير في تحديث الاقتصاد الروسي"، مستدركاً أنها "ستفعل ما يكفي للحفاظ على نظام صديق في الكرملين، وتعزيز المصالح الوطنية الصينية، من خلال شراء موارد طبيعية روسية بأسعار زهيدة، وتوسيع سوق التكنولوجيا الصينية، والترويج للمعايير التكنولوجية الصينية، وجعل اليوان العملة الإقليمية المعتمدة في شمال أوراسيا".

"انعدام ثقة"

بلغ التبادل التجاري بين بكين وموسكو أعلى مستوى في عام 2021، مسجّلاً 147 مليار دولار. لكن علاقاتهما الاقتصادية غير متوازنة، إذ تعتمد روسيا على الصين أكثر بكثير ممّا تعتمد بكين على موسكو، الأمر الذي أثار مخاوف في روسيا.

وتُعدّ الصين الشريك التجاري الأول لروسيا بعد الاتحاد الأوروبي، بينما تعد روسيا هي الشريك التجاري الرابع عشر للصين.

ورأت سوزان ثورنتون، وهي أستاذة في كلية الحقوق بجامعة "ييل"، أن الصين وروسيا لا تشكّلان "تحالفاً طبيعياً"، مضيفة أن "تدهور العلاقات مع الولايات المتحدة يسهّل جمع الصين وروسيا معاً".

وثمة "انعدام ثقة بين مسؤولين صينيين وروس، وقادة أعمال ومواطنين"، كما أن زعماء البلدين لم يكونوا مقرّبين من بعضهم بعضاً تاريخياً.

ويُعبّر مواطنو البلدين عن "مشاعر قومية تحطّ من الآخر، فيما أعربت شركات صينية وروسية عن صعوبات في العمل معاً".

ورغم أن روسيا والصين تتشاركان في حدود طويلة تبلغ 4 آلاف و200 كيلومتر، إلا أن التبادل السياحي والأكاديمي بينهما محدود، بحسب "مجلس العلاقات الخارجية" الأميركي.

إيران تدخل "تحالفاً ثلاثياً"

وبالنسبة لموقع طهران في هذه الشراكة "الشائكة" بين بكين وموسكو، كتب هال براندس في "بلومبرغ" أن "إيران تساعد بوتين في خوض حرب (أوكرانيا)، من خلال تزويده بمساعدة عسكرية"، مضيفاً أن ثمة "علاقات استراتيجية خاصة بين بكين وطهران، استغرق تكوينها عقوداً".

وأشار إلى أن "واشنطن لم تواجه بعد تحالفاً كاملاً من قوى معادية"، مستدركاً أن ذلك "يجعلها أكثر خطورة في بعض النواحي".

وأوردت مجلة "ذي ديبلومات" أن حرب أوكرانيا "عززت تحالفاً ثلاثياً"، يضمّ روسيا والصين وإيران، باعتباره "تكتلاً مناهضاً للغرب"، متسائلة عن كيفية استفادة طهران أو بكين على المدى البعيد من تحيّزهما لموسكو.

وأضافت أن روسيا تتواصل مع إيران، جزئياً من أجل تعزيز تعاونهما الاقتصادي وفي الطاقة، في مواجهة العقوبات الدولية التي تخضعان لها.

كما أن طهران وبكين وقّعتا العام الماضي شراكة استراتيجية مدتها 25 عاماً، وتواصل الصين شراء نفط إيراني رغم العقوبات.

ووافقت "منظمة شنغهاي للتعاون" العام الماضي، على قبول إيران بوصفها عضواً دائماً، في خطوة ستعزّز التعاون الأمني والعسكري لطهران مع بكين وموسكو.

وفي عام 2021، زاد حجم التبادل التجاري بين روسيا وإيران بنسبة 81% عن العام السابق، إذ بلغ 3.3 مليار دولار.

وخلال زيارة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي إلى موسكو، في يناير الماضي، وقّع البلدان اتفاقات لتعزيز تعاونهما في قطاع الطاقة. وفي يوليو، أعلنت روسيا أنها ستستثمر 40 مليار دولار في صناعة النفط بإيران.

اقرأ أيضاً:

Google News تابعوا أخبار الشرق عبر Google News

نستخدم في موقعنا ملف تعريف الارتباط (كوكيز)، لعدة أسباب، منها تقديم ما يهمك من مواضيع، وكذلك تأمين سلامة الموقع والأمان فيه، منحكم تجربة قريبة على ما اعدتم عليه في مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك تحليل طريقة استخدام موقعنا من قبل المستخدمين والقراء.