الناتو يجتمع لبحث رد مشترك على روسيا.. وموسكو مستعدة لأي تصعيد

time reading iconدقائق القراءة - 11
رئيسة الوزراء الليتوانية إنجريدا سيمونيت ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس ليتوانيا جيتاناس ناوسيدا والأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرج في مؤتمر صحافي مشترك بعد اجتماعهم في فيلنيوس، ليتوانيا .28 نوفمبر 2021 - AFP
رئيسة الوزراء الليتوانية إنجريدا سيمونيت ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس ليتوانيا جيتاناس ناوسيدا والأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرج في مؤتمر صحافي مشترك بعد اجتماعهم في فيلنيوس، ليتوانيا .28 نوفمبر 2021 - AFP
موسكو-الشرق

يعقد وزراء خارجية الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي "الناتو" اجتماعات في لاتفيا، الثلاثاء والأربعاء، على خلفية تصاعد التوتر بين الحلف وروسيا بسبب ملفات عدة، أبرزها أوكرانيا والمناورات العسكرية في البحر الأسود، وأزمة المهاجرين على حدود الاتحاد الأوروبي.

الاجتماع الذي من المقرر أن يشارك فيه أيضاً وزيرا خارجية أوكرانيا وجورجيا، ينتظر أن يبحث في خيارات ردّ مشترك على روسيا، تريده بولندا وبلدان البلطيق السوفيتية السابقة، قوياً وحاسماً، لردع روسيا ومنعها من "اجتياح شرقي أوكرانيا".

في الوقت ذاته، تؤكد الولايات المتحدة أنها تدرس خيارات أوسع في الرد على موسكو، تبدأ بخيارات دبلوماسية، ولا تستثني فرض عقوبات جديدة وزيادة قدرات الجيش الأوكراني ودعمه بأسلحة حديثة، ومستشارين عسكريين.

وقبل يومين من الاجتماع، جددت موسكو التأكيد على عدم وجود أي نية لديها لمهاجمة أوكرانيا، وأبدت خشية من أن التصعيد يهدف إلى"إخفاء أوكرانيا استعداداتها لحل قضية دونباس بالقوة". ورأى الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، أن اللجوء إلى القوة "سيكون جنوناً كاملاً". 

 بالمقابل، دعا رئيس وزراء لاتفيا كريسجانيس كارينز، الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، الأحد، إلى تحذير روسيا من خطر تصعيد التوترات على الحدود مع أوكرانيا، وقال إنه "يجب على الاتحاد الأوروبي والناتو مراقبة الوضع (على الحدود الأوكرانية) عن كثب، ويجب إرسال إشارة واضحة إلى روسيا بأن أي محاولات لتصعيد الوضع لن تمر دون رد". 

العلاقات بأدنى مستوياتها

وتنعقد قمة الحلف في ظل تردي العلاقات مع روسيا إلى أدنى مستوياتها منذ نهاية الحرب الباردة، حسب إقرار مسؤولين في المعسكرين.

وأعلن وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، في أكتوبر الماضي، أن بلاده قررت تجميد عمل بعثتها لدى حلف الناتو في بروكسل، وإغلاق مكتب الارتباط التابع للحلف في موسكو والمكتب الإعلامي للحلف، اعتباراً من بداية نوفمبر.

وقال لافروف حينها، إن قرار موسكو جاء "إثر بعض الإجراءات التي اتخذها حلف شمال الأطلسي، ولم تعد معها الظروف الأساسية للعمل المشترك متوفرة"، مشيراً إلى أن حلف الناتو "غير مهتم بالحوار، ولا نرى ضرورة لكي ندّعي أن تغييراً ما ممكن في المستقبل المنظور".

وجاء القرار الروسي رداً على قرار الحلف، في وقت سابق من أكتوبر الماضي، سحب أوراق اعتماد ثمانية من أعضاء البعثة الروسية لدى الحلف بتهمة التجسس.

ورغم أن الرد الروسي كانت متوقعاً، إلا أنه كان قاسياَ، فالعلاقات بين روسيا والحلف تميزت بالمد والجزر منذ عام 2003 مع توسع الناتو شرقاً، وضم بلدان البلطيق، ولاحقاً ضم أكثر من دولة من بلدان حلف وارسو السابق رغم تحذير روسيا، وبعد ذلك نشر الحلف الدرع الصاروخية في بولندا والتشيك ورومانيا.

ومنذ عام 2008 توترت العلاقات كثيراً بعد حرب جورجيا، وقُطعت لفترة. وفي عام 2014 بعد الأزمة في أوكرانيا وضم شبه جزيرة القرم باتت العلاقات أقرب إلى القطيعة، وفي عام 2018 طرد الحلف عدداً من الدبلوماسيين الروس المعتمدين لديه، على خلفية تسميم العميل المزدوج سيرجي سكريبال قرب لندن، واتهام روسيا باستخدام غاز "نوفوتشوك" المحظور في العملية. 

وفي 25 أكتوبر الماضي، قال لافروف: "لا يمكن وصف العلاقات بين روسيا وحلف الناتو بأنها سيئة، لأنه لا توجد علاقات أصلاً بينهما في الوقت الراهن"، وتابع في مؤتمر مشترك مع نظيرته النرويجية أنيكين هويتفيلد في أوسلو، أن "الناتو ليس صديقاً لروسيا". 

"ردع روسيا"

وتصاعد التوتر بين روسيا من جهة، والناتو والولايات المتحدة من جهة أخرى، بشكل كبير في الشهرين الأخيرين. وحذرت روسيا من استفزازات الناتو في البحر الأسود وبحر البلطيق، وزيادة نشاط الناتو في إعداد بنية تحتية من مطارات وموانئ، ونشر أسلحة وقوات تدخل في الجوار، بهدف ردع روسيا. 

ورداً على موافقة وزراء دفاع الناتو في 21 أكتوبر الماضي على خطة رئيسية جديدة لردع روسيا، وتصريحات الأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرج بأن الحلف يدرس خططاً أفضل وأحدث" للرد على "عدوانية" روسيا، رفضت موسكو اتهامات الحلف، واتهمته بـ"زعزعة استقرار أوروبا"، من خلال استعداداته الاستراتيجية.

وقال ألكسندر جروشكو نائب وزير الخارجية الروسي، ، في لقاء مع قناة "روسيا 24" التلفزيونية في 22 أكتوبر الماضي، إن "الناتو يزيد نشاطاته قرب حدود روسيا، ويعمل على إعداد البنية التحتية، المطارات والمستودعات ونشر المعدات للتعزيزات، ما يخلق حقائق عسكرية جديدة على الأرض".

وأشار إلى أن "تحركات الناتو تسير وفق منطق الحرب الباردة"، مشدداً على أن هذه التحركات "تجبر موسكو على اتخاذ الإجراءات المناسبة، لضمان الأمن العسكري والاستقرار في البلاد".

ومنذ نهاية الشهر الماضي، وبعد تقارير إعلامية عن حشود روسية غير مسبوقة على الحدود مع أكرانيا نفتها روسيا أكثر من مرة، ازدات حدة التوتر التي عكستها تصريحات المسؤولين الروس والغربيين.

وانتقدت روسيا بشدة تصريحات وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن بشأن أوكرانيا، في 19 أكتوبر الماضي، حين قال إنه "لا توجد دولة ثالثة لديها حق الفيتو ضد تطلعات كييف للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي".

وقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إن انضمام أوكرانيا للناتو خط أحمر، وحذر في جلسة منتدى فالداي نهاية أكتوبر الماضي، من أن تصريح أوستن "يفتح أبواب الناتو أمام أوكرانيا"، مشدداً على أن"التمركز العسكري للناتو هناك (في أوكرانيا) يجري للتو، بما يشكل تهديداً حقيقياً بالنسبة لروسيا".

واتهمت موسكو الولايات المتحدة والناتو بتشجيع أوكرانيا على حسم الأوضاع عسكرياً في منطقة دونباس شرقي أوكرانيا. ونددت بتزويد أوكرانيا بأسلحة "فتاكة"، واستخدام طائرات "بيرقدار" المسيرة التركية في الصراع ضد الإنفصاليين المقربين منها، وشددت على ضرورة الالتزام باتفاقات مينسك 2015 لحل الأوضاع في أوكرانيا. 

وبعدما كشفت محطة "سي إن إن" الأميركية، أن إدارة بايدن تدرس إرسال مستشارين عسكريين وأسلحة جديدة إلى أوكرانيا، في مواجهة ما تصفه بالتعزيزات العسكرية الروسية غير المسبوقة قرب الحدود بين البلدين، قال جهاز الاستخبارات الخارجية الروسية في بيان، إن "الولايات المتحدة وحلفاءها يواصلون ضخ الأسلحة إلى أوكرانيا ودفعها نحو استخدامها، بما في ذلك الطائرات دون طيار لأغراض الاستفزازات العسكرية".

كما اعتبر المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، أنه في حال كان الحديث عن إرسال مساعدات عسكرية إلى أوكرانيا صحيحاً، فقد يؤدي إلى "زيادة تفاقم الوضع على خط الحدود". 

 وفي مؤشر إلى نية الناتو للتصعيد مع روسيا في الاجتماع المرتقب بليتوانيا، اعتبر الأمين العام للحلف  أن الزيادة "غير العادية" في وجود الدبابات والمدفعية والطائرات المسيّرة وآلاف العسكريين الجاهزين للقتال، تمثّل "مصدر قلق كبير لأسباب كثيرة"، وشدد على أن "الرسالة إلى روسيا هي أن عليها خفض التصعيد والتوتر والتحلي بالشفافية" محذراً من أنه "إذا قررت ( روسيا) استخدام القوة، فستكون هناك عواقب بالطبع". 

وازدادت حدة التوتر، مع مناورات أجرتها سفن أميركية مع سفن البحرية الأوكرانيا في البحر الأسود في بداية نوفمبر الجاري، وذلك بعد أيام من تحذير سيرجي ريابكوف نائب وزير الخارجية الروسي، من أن تواجد السفن الأمريكية في البحر الأسود، يعد استفزازاً، ووصفه بأنه "لعب بالنار ومحاولة أخرى لاختبار قوتنا".

أزمة المهاجرين وبيلاروسيا 

وإضافة إلى الملف الأوكراني، لعبت أزمة المهاجرين الراغبين في دخول الاتحاد الأوروبي دوراً في تأجيج العلاقات بين روسيا والناتو، إذ تتهم بولندا وليتوانيا الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو باستخدام المهاجرين كسلاح، من أجل إجبار الإتحاد الأوروبي على الاعتراف به رئيساً شرعياً للبلاد، ورفع العقوبات المفروضة عليه، بعد اتهامات المعارضة له بتزوير الانتخابات الرئاسية في أغسطس من العام الماضي.

واتهم أكثر من مسؤول أوروبي روسيا بدعم لوكاشينكو في حربه "الهجينة"، ونفت روسيا أكثر من مرة أي علاقة لها بأزمة المهاجرين، ودعت أوروبا إلى حوار مباشر مع الرئيس لوكاشينكو.

وتبادلت روسيا وبلدان أوروبية الاتهامات بإثارة أزمة المهاجرين، للتغطية على نوايا عمل عسكري في أوكرانيا.

وتسعى بولندا ودول البلطيق إلى تفعيل البند الرابع من ميثاق الحلف، فيما حذّر الرئيس الليتواني جيتاناس نوسيدا من أنه "إذا ازداد الوضع الأمني سوءاً، فإننا لا نستبعد إجراء مشاورات بموجب المادة الرابعة لحلف شمال الأطلسي"، في إشارة إلى أزمة المهاجرين.

وبموجب المعاهدة التأسيسية للحلف الأطلسي، يمكن لكل عضو المطالبة باجتماع المنظمة للتشاور عندما يرى أن أمنه أو استقلاله مهددان.  

وفي مواجهة تهدايدات الناتو، أجرى الجيشان الروسي والبيلاروسي تدريبات مشتركة، إذ يرتبط البلدان باتفاقات دفاع مشتركة ضمن إطار دولة الوحدة، وترى روسيا أن بيلاروسيا هي خط الدفاع الأول في وجه الناتو.  

اتهام روسي لواشنطن 

في غضون ذلك، اتهم وزير الدفاع الروسي سيرجي شويجو الولايات المتحدة بالتحضير لتوجيه ضربة نووية لبلاده، وأكد أنه خلال التدريبات العسكرية الأميركية (جلوبال ثاندر)، تدربت عشر قاذفات استراتيجية أميركية على إطلاق أسلحة نووية ضد روسيا من الاتجاهين الغربي والشرقي.

وشدد شويجو، في 24 نوفمبر الجاري، على أن قدرات روسيا النووية وقواتها المسلحة بحاجة إلى الحفاظ على جاهزيتها القتالية، تحسباً للنوايا الأمريكية. وأبدى شويجو استياءه من أن التدريبات اقتربت إلى نحو 20 كيلومتراً من حدود روسيا، قائلاً إن "أخطر ما في الأمر أنها كانت محاكاة لضربة نووية أميركية ضد روسيا". 

وأعرب وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، خلال مؤتمر مع وزير خارجية كوريا الجنوبية إي يون، عن قلق موسكو بشأن إعلان واشنطن عن نيتها "نشر أنظمة صواريخ كانت محظورة بموجب معاهدة التخلص من الصواريخ متوسطة وقصيرة المدى في أوروبا، وفي منطقة آسيا والمحيط الهادي".  

وبعدها بأيام، أكد السفير الروسي لدى واشنطن أناتولي أنطونوف، أن حواراً صعباً ينتظر الولايات المتحدة وروسيا حول الصواريخ متوسطة وقصيرة المدى.

وقال أنطونوف، خلال جلسة للمجلس الاستشاري الدولي لمركز دراسة قضايا عدم الانتشار التابع لمعهد ميدلبيري الأمريكي، "لا يرضينا الوضع، ونريد أن نفهم ما يجب أن نقوم به بشكل مشترك من أجل تجنب سباق التسلح، ومنع نشر تلك الصواريخ في مختلف أنحاء العالم".