
قالت صحيفة "آسيا تايمز"، إن العقوبات الغربية المفروضة على روسيا بعد غزوها أوكرانيا، والتي وجهت ضربة قاسية إلى اقتصادها، تهدد المشروعات التجارية الروسية خارج حدودها، وأبرزها قطاع تصدير الطاقة النووية والذي تحتكره شركة "روساتوم" المملوكة للحكومة.
ووفق "آسيا تايمز" الناطقة بالإنجليزية ومقرها هونج كونج، فإن "روساتوم" أسهمت في بناء 13 مفاعلاً نووياً من إجمالي 57 تم تشغيلها عالمياً في الفترة من 2011 إلى 2022".
وعلى عكس الصين، وهي الدولة الأكثر نشاطاً في بناء المحطات النووية، فإن 10 من هذه المفاعلات بنيت خارج الحدود الروسية، ما يجعلها أكبر مُصدّر في العالم في ما يتعلق ببناء المحطات النووية.
وأشارت الصحيفة إلى صعوبات تمويلية ناجمة عن العقوبات قد تعطل المشروعات القائمة بالفعل، أو المزمع إقامتها، في الصين، والهند، وبنجلاديش، وتركيا، والمجر، وفنلندا، ومصر، وخسارة روسيا لمشروعات مستقبلية تهدد بـ"أفول حقبة توهج البناء النووي الروسي".
وقالت الصحيفة إنه رغم تراجع الاهتمام ببناء المحطات النووية، في أعقاب حادثة فوكوشيما في عام 2011 باليابان، والنمو المتسارع في أعقابها في قطاعي الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، فإنه لا تزال هناك مجموعة من الدول التي تبدي اهتماماً متزايداً بالطاقة النووية، مثل المملكة العربية السعودية، ورواندا، وفقاً للصحيفة.
سباق محموم في سوق متقلص
وأشارت الصحيفة إلى أن "روساتوم" أبدت نشاطاً غير مسبوق في محاولتها لاحتواء هذا السوق المتقلص، إذ وقعت العام الماضي اتفاقية مع زيمبابوي يلتزم بموجبها الطرفان "بصيغة غامضة" للتعاون في مجال الطاقة النووية.
وأشارت الصحيفة إلى أن "روساتوم" بدأت بالفعل، أو كان متوقعاً أن تبدأ قريباً، أعمال البناء في محطات في الصين، والهند، وبنجلاديش، وتركيا، والمجر، وبيلاروسيا، وفنلندا، ومصر.
وفي إفريقيا، وقعت روسيا اتفاقيات تعاون تطمح أن تؤدي في النهاية إلى التزامات بناء نووي مع نحو 20 دولة.
مفاعلات بقروض روسية
لكن الدول التي تسعى إلى إنشاء محطات نووية عادة ما تواجه عوامل ردع رئيسية، مثل تكلفة البناء الباهظة، وغير المسبوقة في بعض الأحيان، إضافة إلى ما تستغرقه عمليات البناء من وقت طويل، إذ عادة ما تبدأ المحطات الجديدة في إنتاج الكهرباء بعد 10 سنوات أو أكثر من بدء المشروع.
ولفتت الصحيفة إلى أنه بالنسبة لمعظم الدول، يعني ذلك السعي للحصول على قروض طويلة الأجل بقيمة 10 مليارات دولار أو أكثر، والتي يتعين سدادها فيما بعد بفائدة.
كما تربط تعقيدات التكنولوجيا وإمدادات الوقود النووي المعالَج الدولة العميلة بعلاقة تبعية راسخة مع الدولة التي تقوم بتطوير وخدمة المحطة النووية. وقد يعني هذا أن تمتد الاتفاقات لأكثر من 40 عاماً. كما أن هذه الشراكات لا تستمر إلا إذا كانت الدولتان تتمتعان باستقرار طويل الأمد.
ونظراً لأن غزو أوكرانيا يؤدي إلى زعزعة استقرار الاقتصاد الروسي، ويهوي به إلى نفق العزلة الدولية، فقد باتت الآن أي شراكات محتملة في مجال الطاقة النووية تحت وطأة ضغوط شديدة في أحسن الأحوال، ومحكوم عليها بالانهيار في أسوئها حسب الصحيفة.
استراتيجية روساتوم
ولفتت "آسيا تايمز" إلى أن "روساتوم" تبنت في الصفقات التي وقعتها في السنوات العشر الماضية، استراتيجية توسع تجاري عنيفة.
وتبدأ تلك الاستراتيجية، حسب الصحيفة، بتوقيع روسيا، من خلال "روساتوم"، مذكرات تعاون في مجال الطاقة النووية مع الدولة التي أبدت اهتمامها بالطاقة النووية. وبعد ذلك يقوم الطرفان بالضغط من أجل تحويل هذه الاتفاقات إلى إعلان نوايا للتشارك في بناء محطات نووية جديدة.
وقدمت روسيا قروضاً منخفضة الفائدة للعملاء غير القادرين على تحمل تكلفة بناء المحطات النووية الجديدة، حيث تتطلب هذه القروض عادة دفعات سداد سنوية تبدأ فقط بمجرد تشغيل المحطة، وتستمر لمدة 20 عاماً أخرى. وتدعم الدولة الروسية هذه القروض بدرجة كبيرة.
وأعطت الصحيفة مثالاً لهيكلة تلك القروض، بمشروع "الضبعة" النووي المصري كنموذج لكيفية هيكلة القروض، إذ "تبلغ قيمة هذا القرض 25 مليار دولار، يُتوقع أن تغطي 85% من تكاليف البناء، فيما تبلغ قيمة الفائدة السنوية 3%، ويبدأ السداد في عام 2029، ويستمر لمدة 22 عاماً بعد ذلك".
"الخطر الأكبر"
منذ أن بدأ الغزو الروسي لأوكرانيا، واجهت موسكو عاصفة غير مسبوقة من الإدانات والعقوبات الدولية التي استهدفت اقتصادها، وكانت النتيجة الفورية لذلك هي تعليق، وربما إنهاء، مشروع "هانهيكيفي"، التابع لشركة "روساتوم"، في فنلندا.
وفي المجر، وهي أيضاً عضو في الاتحاد الأوروبي، تواجه محطة "باك 2" النووية، التابعة لـ"روساتوم" خطراً داهماً أيضاً. وستخضع مشروعات دولية أخرى لعمليات تدقيق متزايدة.
وتوقعت الصحيفة أن يكمن "الخطر الأكبر" الذي يواجهه برنامج الطاقة النووية الدولي الروسي في تمويل المشروعات، فالاقتصاد الروسي الذي يئن حالياً بالفعل تحت وطأة العقوبات الأجنبية وتكلفة الحرب، ومن ثم لن يكون قادراً على تحمل تقديم هذه القروض الضخمة التي تعتمد عليها جميع مشاريعه النووية في الخارج".
وإضافة إلى ذلك، فإن جزءاً كبيراً من التمويل يأتي في الغالب من الشركات الخاصة، وقالت الصحيفة إن تلك الشركات "يتم ردعها الآن عن الاستثمار في المشروعات الروسية التي تواجه مخاطر مالية"، إذ ستصبح هذه الشركات نفسها بعد ذلك "عرضة لعقوبات محتملة والإضرار بسمعتها".
"أفول وهج روسيا النووي"
تواجه المشروعات النووية التي تقودها روسيا الآن خطراً أكبر بكثير يتمثل في التأخر في البناء وزيادة التكاليف الناجمة عن التعقيدات التي تواجهها عمليات شراء الإمدادات، وصعوبات المعاملات المالية بحسب الصحيفة.
وتوقعت "آسيا تايمز" أن "تتضاعف المخاطر الاقتصادية بعيدة الأمد المرتبطة بالتطورات النووية الضخمة"، ما سيؤدي إلى إحجام العملاء المحتملين.
وأضافت الصحيفة أن هناك "بُعداً سياسياً" للحماسة التي تقود بها روسيا برنامجها العالمي للطاقة النووية"، إذ إن الدول التي تحصل على قروض روسية، وتعتمد على موسكو لاستمرار إمداداتها من الكهرباء، باتت الآن في حاجة ماسة إلى روسيا، وعليها أن تؤكد نيتها الطيبة تجاه الحكومة الروسية، ما يمكن أن يعرض استقلال هذه الدول للخطر.
وكمثال على المخاطر التي تواجهها صناعة المفاعلات النووية الروسي، أشارت الصحيفة إلى إعلان نيجيريا مؤخراً سعيها لبناء منشآت نووية.
وقالت "آسيا تايمز"، إنه في ظل الظروف السابقة، كانت روسيا ستصبح الأوفر حظاً على الإطلاق في الحصول على هذا العقد. ولكن، في ظل الوضع الجيوسياسي الراهن، وما يرتبط به من تحديات مالية "يصبح من المستحيل تصور وضع تستطيع من خلاله "روساتوم" تنفيذ هذا المشروع".
وأشارت إلى أنه من المحتمل أن تنشأ حالات مماثلة حتى في بعض المشاريع التي بدأ العمل في بنائها بالفعل، وقالت إن بناء محطة "الضبعة" النووية في مصر يعتمد على سبيل المثال، على شركاء آخرين يؤيدون عزل روسيا.
وخلصت الصحيفة إلى أن حقبة توهج البناء النووي الروسي "توشك قريباً على الأفول".