"الشرق" تُقابل المرشحة العربية الوحيدة لجائزة نوبل في الطب | الشرق للأخبار

"الشرق" تُقابل المرشحة العربية الوحيدة لجائزة نوبل في الطب

time reading iconدقائق القراءة - 9
في جامعة هارفارد الأميركية هدى الزغبي تستعد للحصول على درجة الدكتوراه في العلوم - 2017 - REUTERS
في جامعة هارفارد الأميركية هدى الزغبي تستعد للحصول على درجة الدكتوراه في العلوم - 2017 - REUTERS
القاهرة -

قبل أيام، أعلنت شركة "كلاريفيت أناليتكس" عن قائمة تضم أبرز المرشحين لجائزة نوبل هذا العام، ومنذ نشأتها عام 1989 تُعد تحليلات هذه المؤسسة الأكثر ثقة ومصداقية في توقع الفائزين، إذ تعتمد على نتائج الأبحاث العلمية التي تحظى بأكبر عدد من الاستشهادات.

وضمت القائمة، للمرة الأولى في التاريخ، سيدة أميركية من أصول عربية (لبنانية)، كمرشحة محتملة لجائزة نوبل في الطب عام 2020، هي الدكتورة هدى الزغبي، عالمة الجينات وأستاذة الوراثة الجزيئية والبشرية، في كلية "بايلور" للطب في هيوستن، أكبر مدن ولاية تكساس الأميركية.

في عام 1954 وُلدت الزغبي، بالعاصمة اللبنانية بيروت، ومنذ الصغر أحبت قراءة أعمال شكسبير وجين أوستن، وكانت تنوى دراسة الأدب في الجامعة، إلا أن والدتها أقنعتها بدراسة الأحياء، فالمرأة في الشرق الأوسط، كما قالت في حوار مع "الشرق" عليها أن تختار مهنة تضمن لها الاستقلال والأمن، في حين أن "الكتابة يُمكن أن تأتي جنباً إلى جنب مع العمل".

الهروب من لبنان

تقول الزغبي لـ"الشرق" إنها درست علوم الأحياء في الجامعة الأميركية العريقة بمدينة بيروت، وإن صلاتها بـ"لبنان الحبيب"، وفق تعبيرها، لم تنقطع قط، لكنها تضيف: "كنت في زيارة لبيروت منذ 9 أشهر. في العادة أزورها بشكل منتظم حيث لا تزال والدتي والعديد من الأقارب هناك، غير أن الظروف الحالية في ظل وباء كورونا، منعتني من العودة. انفطر قلبي وتحطم حين شاهدت الانفجار الذي لحق ببيروت والدمار الذي أحاق بها".

عندما اندلعت الحرب الأهلية اللبنانية في عام 1976، كانت "الزغبي" في عامها الأول بكلية الطب، آنذاك أُصيب شقيقها بشظية، ما دفع والدتها، خوفاً على سلامتهما، إلى إرسالهما للعيش في تكساس، وفي حين كانت الخطة أن تعودا الصيف التالي، حالت الحرب التي استمرت لسنوات دون ذلك. 

ومع ارتفاع وتيرة الحرب، توقفت الدراسة في لبنان وأغلقت الجامعة الأميركية في بيروت أبوابها، فقررت الزغبي إكمال دراستها في الولايات المتحدة حتى نالت شهادتها في الطب، قبل أن تلتحق بمستشفى تكساس للأطفال التابع لكلية "بايلور".

تخصصت الزغبي في أمراض القلب عند الأطفال، لكن رئيس القسم مارفن فيشمان أقنعها بدراسة الأعصاب فـ"الدماغ" كما تراه، "أكثر إثارة من القلب"، ومنذ ذلك الحين، انطلقت الزغبي في دنيا الأعصاب.

الصعود إلى الأضواء

في عام 1983، بدأت عالمة الوراثة الأميركية اللبنانية بدراسة متلازمة "ريت"، حين قابلت للمرة الأولى حالة لطفلة تبلغ 5 سنوات، فانصب اهتمامها على دراسة تلك المتلازمة، لا سيما أن معظم الحالات التي تعاني من تلك المشكلة كانت في الغالب تحظى بتشخيص خاطئ.

ما لبث نجم الزغبي أن بدأ في الصعود، واشتهرت في الولايات المتحدة بقدرتها على تشخيص المرضى بتلك المتلازمة، ما جذب العديد من المراجعين لمستشفى أطفال تكساس، الأمر الذي أسهم في تكوين خبراتها وزيادة معارفها.

حسب مركز مايوكلينك الطبي، تعد متلازمة "ريت" أحد الاضطرابات الوراثية العصبية ذات التكوين النادر، يؤثر على الطريقة التي يتطور بها الدماغ، ما يؤدي إلى فقدان تدريجي للمهارات الحركية والكلام، ويطال تأثيره الأطفال، وفي المقام الأول، الفتيات.

ولأن أعراض المرض تبدو متسقة ومتشابهة بين المرضى، اعتقدت العالمة هدى الزغبي أن الجينات تُشارك في ذلك المرض، ولذلك انضمت عام 1985 لمجموعة "آرثر بيوديت" للتدريب على علم الوراثة والبيولوجيا الجزيئية، ثم أسست لاحقاً معملها الخاص لدراسة الأمراض الجينية.

اكتشافات طبية مذهلة

في تسعينات القرن الماضي، تمكنت الزغبي من تحديد "الجين" المسؤول عن الإصابة بمتلازمة "ريت"، حيث قالت لـ"الشرق" إنها وفريقها البحثي لا يزالون يعملون على قدم وساق لكشف كل ما يتعلق بالمرض، وأضافت: "ساعد ذلك الاكتشاف في توفير التشخيص المبكر والسماح بعلاجات داعمة أفضل، والأهم من ذلك، أنها ساعدتنا في فهم مُسبب المرض بشكل أفضل حتى نتمكن من اكتشاف علاجات جديدة وفعالة". 

لا يقتصر جُهد الزغبي على اكتشاف تلك المتلازمة، بل يمتد ليشمل اكتشاف الجين المسؤول عن "الرنح المخيخي الشوكي من النوع الأول"، وقد أسهمت أيضاً في دراسة الأسباب الجينية الكامنة وراء مرض الزهايمر.

وفي وقتنا الحالي، تنتشر الأخبار عن تقنيات التعديل الجيني. تلك التكنولوجيا القادرة على إزالة العيوب الجينية وتعديلها، ورغم وجود العديد من المعوقات التقنية والمشكلات الأخلاقية المتعلقة بها إلا أن الزغبي تعتقد أنه في يوم من الأيام "ستكون لدينا القدرة على تعديل الجينات بأمان، باستخدام تقنيات التعديل الجيني"، لكنها تعود وتؤكد أن هناك حاجة "لمزيد من الأبحاث بهدف زيادة الأمان والدقة".

الطريق إلى نوبل

نالت الزغبي، خلال مسيرتها في الطب والبحث العلمي، تكريماً في العديد من المحافل الدولية، إذ حصلت على جائزة "الدماغ" لعام 2020، وجائزة "فيكتور أيه ماكوسيك" من الجمعية الأمريكية لعلم الوراثة في العام الماضي، وجائزة "روس" في الطب الجزيئي عام 2018، وجائزة "اختراق" في علوم الحياة عام 2017، وجائزة كندا جيردنر الدولية في العام نفسه. علاوة على أكثر من 40 جائزة دولية مرموقة.

لكن الترشح لجائزة نوبل أمر آخر بكل تأكيد، وهو ما أشارت إليه الزغبي في حديثها لـ"الشرق" تعليقاً على ترشيحها كأول سيدة عربية لجائزة نوبل: "كان ذلك حقاً مفاجأة كبيرة، وهو أيضاً تكريم لطلبتي الرائعين الذين وثقوا بي وعملوا بجد للحفاظ على تقدّم العلم، حتى نتمكن من مساعدة الناس".

عقبات وتحديات

بطبيعة الحال، وكحال الناجحين، لا سيما في مجال الأبحاث العلمية، لم يخل طريق الزغبي من العقبات، حيث كان التحدي الأكبر، في بداية شق طريقها، كما تذكر، الحرب الأهلية اللبنانية، التي أجبرتها على مغادرة لبنان والانقطاع عن تعليمها الطبي، إلا أن "التحدي الآن مختلف. فالتوازن بين عملي وكوني أماً تحدٍّ كبير".

لكن الزغبي، بحسب النتائج والإنجازات، نجحت في التحدي، تقول، "في الماضي، لم يكن لدي أيّ نماذج نسائية يُمكني التواصل معها لمعرفة كيفية التنقل بين وظيفتي الشاقة في مجال العلوم، وإنجاب أطفال، وتتابع: "قمت بأفضل ما لدي.. ونجحت بفضل دعم ومساعدة النماذج الذكورية الموجودة في حياتي من مشرفين وأساتذة".

هناك تصور لدى البعض أن السيدات يواجهن تمييزاً في مجال العلوم، بسبب الجنس، غير أن العالمة هدى الزغبي تعتقد أن ذلك التمييز يقل على بعض المستويات، وتضيف: "اليوم، هناك عدد أكبر من طالبات الدكتوراه والزملاء في البرامج، مقارنة بعقد أو عقدين سابقين"، لكنها في الوقت نفسه لا تنكر أنه في الوقت الحالي لا يزال التمييز يمثل تحدياً بالنسبة للنساء اللائي يبحثن عن وظائف بحثية في الجامعات "نحن النساء نخسر الكثير. ما نحتاج إليه هو نظام دعم أفضل للمرأة".

نصائح للباحثات الشابات

قبل ختام حديثها لـ"الشرق"، وجهت العالمة الأميركية اللبنانية هدى الزغبي نصائح للباحثات الشابات، قائلة: "أدعوهن إلى الإيمان بأنفسهم، وكذلك الحذر من الشك في الكفاءة الذاتية، على الرغم من أن أمراً كهذا يحدث مع الجميع".

وعن تجربتها تقول: "شكّكت في قدرتي على التنقل في مجال العلوم مرات عدة. لكني أدركت أن العثور على طرق للتغلب على هذا الشك الذاتي أمر بالغ الأهمية، ولذلك أقول لكل باحثة شابة: قومي بتكوين شبكة من الزملاء والموجهين الذين يهتمون بك. النساء في العلوم يمثلن القوة الإيجابية. نحن بحاجة إليكن".

تصنيفات