Open toolbar

علما روسيا وأوكرانيا (صورة تعبيرية) - AFP

شارك القصة
Resize text
القاهرة-

ترفع الحرب الروسية الأوكرانية راية فكرية لا تخطئها عين، في ظل القواسم الثقافية والتاريخية التي تربط البلدين؛ والتشابهات الناجمة عن اشتراك البلدين في جذر لغوي واحد للغات السلافية، وجغرافيا وتاريخ متشابكين، لذا لم يهدأ السجال الثقافي منذ بدء الصراع، حتى إنه احتل جزءاً لا يستهان به من خطابات السياسيين.

"الشرق" استطلعت آراء المتخصصين بشأن ظلال الحرب على السجالات الثقافية والفكرية بين البلدين، واستطلعت نقاط الصراع الثقافي المحتدم بين الأوساط الأدبية المعاصرة في روسيا وأوكرانيا.

تنطلق السجالات الثقافية بين الطرفين بداية من اللغة الأوكرانية الحديثة، التي يعتبرها البعض مجرد لهجة تطورت عن اللغة الروسية، وهو الأمر الذي يرفضه الجانب الأوكراني بشكل تام. 

الكاتب والصحافي المقيم في روسيا أشرف الصباغ، يقول: "صحيح أن هناك تقارباً لغوياً ناتجاً عن أن اللغتين تطورتا عن اللغة السلافية، لكن هذا التقارب أشبه بدرجة التقارب بين الألمانية والفرنسية، فهما أيضاً تطورتا عن اللاتينية". 

ويرد الصباغ مصدر هذا اللبس في فهم العلاقة بين اللغتين إلى "القوميين الروس الذين أشاعوا في العالم أن الجميع يتكلم الروسية، وأن هذه اللغات ذات الجذر السلافي مجرد لهجات روسية وليست لغات مستقلة. لكن هناك 8 دول تتحدث لغات وليدة عن السلافية".

وجهان للغة واحدة

أستاذ الأدب الروسي والمترجم أنور إبراهيم، لخص الروابط الكبيرة بين الأدب الروسي والأوكراني، في المقولة الشهيرة في الأدب الروسي "كلنا خرجنا من معطف جوجول"، التي تنسب إلى الكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي، قائلاً: "كل الكتاب الروس خرجوا من عباءة الكاتب نيقولاي جوجول، وهو في الأصل أوكراني المولد، هاجر لسان بطرسبرج وكتب بالروسية، ويعتبر من أيقونات الأدب الروسي". 

وأوضح إبراهيم أن الكتاب الأوكرانيين هاجر معظمهم إلى المدن الثقافية الكبرى في روسيا مثل سان بطرسبرج وموسكو، على اعتبار أن هذه المدن الكبيرة بوابتهم إلى العالم، "وبذلك يصعب الفصل ثقافياً بين الشعبين، فهما يتحدثان لغات متقاربة تكاد تكون كلها لهجات متنوعة للغة السلافية القديمة".

وتابع: "هذا الفصل الجراحي بين ثقافة البلدين مستجد، ولا أظن أن هناك من ظهر في الفترة الأخيرة يشار إليه من الكتاب الأوكرانيين، معظمهم كتاب روس يقرأون ويتكلمون باللغة الروسية، أما هذه الشوفينية فهي من نتائج الانفصال".

كما يجد الروائي المصري إيمان يحيى هذا الفصل مستحيلاً. عاش يحيى بالاتحاد السوفييتي السابق في الثمانينيات من القرن الماضي، حيث حصل على درجة الدكتوراه في الطب البشري بالجامعات الروسية، وعاش متنقلاً بين موسكو وكييف قبل أن يعود إلى مصر محتفظاً باللغة الروسية التي ترجم عنها بضع أعمال أدبية.

يقول يحيى: "الأدب المكتوب بالأوكرانية قليل جداً، فالفضاء السلافي يجمع روسيا، وبيلاروسيا، وشرق ووسط أوكرانيا وهم يكتبون ويتكلمون الروسية، أما الغرب الأوكراني فمنتشر فيه اللغة الأوكرانية وهي قريبة جدا من الروسية".

يستخدم يحيى مشهد الريف في كلتا الثقافتين دليلاً على هذه الوحدة الثقافية، قائلاً: "حين تقرأ أشعار الأوكراني تاراس شيفتشينكو (1814- 1861) وهو شاعر أوكرانى من أبرز دعاة الحكم الذاتي في إطار وحدوي سلافي، وتقارن كتاباته بأي روايات روسية، فإنك تجد مشهد الريف واحداً، صحيح أن هناك ظواهر في الأدب الأوكراني، لكن تظل أسماء معدودة، ولا تقارن بأي حال مع الأدب الروسي، في النهاية خرج (الجميع من عباءة جوجول)".

"من يمتلك جوجول؟"

جوجول أيضاً كان مفتاحاً استعان به أشرف الصباغ في دحض فكرة وحدة الثقافة الروسية الأوكرانية، قائلاً: "لا يصح أبداً أن نتكلم عن الأدب الأوكراني باعتباره  صوتاً واحداً، إذا كنا نتحدث عن جوجول كأيقونة أدبية روسية، فيجب أيضاً أن نذكر أنه ولد في كييف عاصمة أوكرانيا حالياً".

وأضاف أنه "هناك معركة فكرية بشأن نسبة أدب جوجول إلى روسيا، ومن ثم فهناك تيارات متباينة في أوكرانيا كما هو الحال في روسيا، التوجهات القومية موجودة وتدعي أن هذه القطعة من العالم كتلة واحدة، لكن أيضاً المناوشات الفكرية والثقافية موجودة طوال الوقت بين الكتاب الروس وبعضهم، وبين الأوكرانيين وبعضهم، لكن فكرة وحدة التاريخ والأدب يتم توظيفها سياسياً من الجانب الأقوى والأعلى صوتاً وهو الجانب الروسي".

لا ينكر الصباغ التأثير القوي للفكر والثقافة الروسية في فترات الاتحاد السوفييتي، لكنه يبرر ذلك بـ"هيمنة السوفييت على دول حلف وارسو ودول الاتحاد السوفييتي السابق، وفرض اللغة الروسية على هذه الدول كلغة رسمية للتعليم في المدارس والتعاملات الحكومية، وعلى الصعيد الأدبي فإن تقديم أي عمل أدبي من هذه الدول كان لا بد أن يتم عبر اللغة الروسية، ومنها إلى بقية دول العالم".

أجيال ترفض الوصاية

بحسب الصباغ فإنه بعد سيطرة الضعف على الاتحاد السوفييتي في ستينيات القرن العشرين، ظهرت أجيال تنتمي إلى التراث المحلي، بعيداً عن عباءة الأدب والثقافة الروسية، عرفها العالم مترجمة مباشرة عن اللغة الأم مثل كتابات الكاتب ميلان كونديرا من تشيكوسلوفاكيا، ومن قرغيزستان جنكيز أيتماتوف.

كذلك من أوكرانيا مثل أندريه كوركوف وهو من مواليد مطلع الستينيات ترجمت كتاباته لأكثر من 35 لغة، أيضاً الكاتبة ماريا ماتيوس التي تنتمي إلى الجيل نفسه. ومن أشهر رواياتها "دروسية حلوة" التي صدرت عام 2003، وتعتبر من أهم روايات الأدب الأوكراني الحديث، وتناقش هذه الكتابات الحياة العامة، والمرارة الشديدة تجاه الوصاية الروسية على الثقافة وكل مناحي الإبداع المعرفي في أوكرانيا.

يقول الصباغ: "لم تعد روسيا هي الأم الرؤوم أو الدولة الإمبريالية التي تهيمن على هذه الدول، وبذلك ظهرت نخب فكرية في هذه الدول ومن ضمنها أوكرانيا، نخب اشتبكت وما زالت تشتبك مع الخطاب الروسي، منهم على سبيل المثال، مقالات الكاتب أندريه كوركوف الذي سخر من خطاب الرئيس الروسي (فلاديمير بوتين) الذي أعلن فيه الاعتراف بانفصال إقليمي دونيتسك ولوغانسك".

ويوضح أن كوركوف "قدم نقداً لاذعاً للمغالطات التاريخية التي تضمنها خطاب بوتين، والتي تنكر أي وجود لأوكرانيا قبل عشرينيات القرن الماضي مع أن كييف تاريخياً أقدم من روسيا ذاتها".

يستنتج الصباغ أن هناك أجيالاً تربت بعيداً عن الوصاية الروسية، ولذا فهي قادرة على نقد وتفنيد ورفض الادعاءات الروسية، ورغم سيطرة السوفييت وفرض اللغة الروسية كلغة رسمية للمعاملات، إلا أنها لم تستطع أن تتسيد ثقافات هذه الدول وتلغي ثقافاتها المحلية في نحو سبعين سنة هي عمر الاتحاد السوفييتي. 

"الخروج من العباءة"

يتفق مع الصباغ المترجم المقيم بروسيا أحمد صلاح الدين، الذي يرى أن الكتاب الأوكرانيين لم يعودوا مقيدين بمراكز ثقافية ثابتة، مثلما كان الحال في زمن الاتحاد السوفييتي؛ حين كان على الكاتب أن يقدم إبداعه عبر تلك المراكز الثقافية ليصل إلى النور، أما الآن مع وجود الإنترنت يمكن الوصول من أي مكان في العالم لأي مكان آخر.

ويضيف: "مع استقلال أوكرانيا في التسعينيات، صار العالم مفتوحاً أمام الكتاب الأوكرانيين، لم تعد الناس مرتبطة بمراكز صناعة الثقافة الروسية لم يعد الأديب مجبراً على أن ينشأ على الثقافة الروسية، هذا جعل هناك تنوع أكبر في الأصوات الأدبية والأفكار".

ويؤكد صلاح الدين أن التيارات الأدبية نفسها لم تعد مقيدة بالتوجهات الأيديولوجية، بل إن الأدب نفسه خرج من هذه العباءة المؤدلجة، إذ بات الاهتمام أكثر بالكتابة الواقعية والإنسانية، والاتجاه إلى فكرة الفن للفن، والاهتمام بالكتابة عن حياة الإنسان الصغير والذي يواجه العالم المتوحش.

لكن أستاذ الأدب الروسي بكلية الألسن جامعة عين شمس بمصر محمد نصر الجبالي يرفض استخدام تعبير "هيمنة" في وصف العلاقة بين الأدب الروسي والأوكراني قبل انهيار الاتحاد السوفييتي، فهو يرى نظرية أخرى لتطور الهوية الثقافية والأدبية الأوكرانية والروسية المعاصرة، مفادها أن الأدبين الروسي والأوكراني كانا أدباً واحداً قبل انهيار الاتحاد السوفييتي في مطلع التسعينيات.

وأشار إلى أنه "بحكم أن اللغة الروسية كانت هي لغة الدراسة والتعاملات الرسمية والتعليم، لكن ومع انفصال أوكرانيا، حدث "ارتقاء في اللغة الأوكرانية، وتطورت اللغة وخرجت كتابات بهذه اللغة المحلية المطورة، ومعها تطورت هوية ثقافية جديدة نشأ عليها ثلاثة أو أربعة أجيال لا يمكن نكرانهم" حسب الجبالي.

ويدلل الجبالي على نظريته بأنه "ما زالت معظم الروايات الأوكرانية تصدر في اللغتين الروسية والأوكرانية معاً، إذاً ما حدث أن اللغة الروسية لم تكن مفروضة أو نتاج هيمنة، بل لغة تعامل أيضاً مثلها مثل الأوكرانية، نتيجة للتركيبة السكانية لأهل شرق ووسط أوكرانيا، وهم يتكلمون الروسية ويتعاملون بها حتى الآن".

Google News تابعوا أخبار الشرق عبر Google News

نستخدم في موقعنا ملف تعريف الارتباط (كوكيز)، لعدة أسباب، منها تقديم ما يهمك من مواضيع، وكذلك تأمين سلامة الموقع والأمان فيه، منحكم تجربة قريبة على ما اعدتم عليه في مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك تحليل طريقة استخدام موقعنا من قبل المستخدمين والقراء.