
بدأت شبكة "نتفليكس" للبث التدفقي عبر الإنترنت تولي اهتماماً كبيراً للمحتوى العربي، من سينما ومسلسلات ومسرحيات وبرامج، مع بداية الربع الثاني من 2020، الذي شهد ارتفاعاً بنحو 10.1 مليون مشترك جديد عن الربع الأول من العام ذاته، ليبلغ إجمالي المشتركين نحو 192.95 مليون مشترك.
ارتفاع نسبة المشتركين، يرجع إلى التكتيك الاستراتيجي المتّبع من قبل المنصة الأميركية، في إطار سعيها للتوسّع في المنطقة العربية وسكانها (362 مليون نسمة) التي تمثل نحو 5% من إجمالي سكان العالم.
محتوى عربي متنوع
ولاحظ المتابعون لأعمال الشبكة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، نشاطاً زاخراً وغير متوقع في الأشهر الثلاثة الأخيرة، إذ أعلنت "نتفليكس" المتحررة من مقص الرقابة، استحواذها على جملة من الأعمال العربية، منها 9 مسرحيات و44 عملاً من روائع الأفلام العربية، لمخرجين بارزين، مثل: يوسف شاهين ويسري نصر الله ونادين لبكي ومصطفى العقاد وليلى المراكشي، مع روائع معاصرة لمخرجين مثل آن ماري جاسر وهند بوجمعة ومهدي البرصاوي.
ومن هذه الأفلام الأيقونية، هناك: "المصير" و"الرسالة" و"كفرناحوم" و"بيك نعيش"، التي أضافتها "نتفليكس" إلى عشرات الأعمال القديمة والجديدة، التي تزخر بها مكتبتها العربية.
نماذج نسائية ملهمة
وأعلنت "نتفليكس" في الفترة ذاتها عن إنتاج مسلسل جديد للفنانة هند صبري، التي تشارك فيه للمرة الأولى كمنتجة منفذة إلى جانب دور البطولة، وتدور أحداثه عن المرأة العربية عموماً والمصرية بشكل خاص.
ويبدو أن الشبكة تولي موضوع المرأة العربية اهتماماً لافتاً، ليس من جهة المعالجة فقط في الدراما العربية التي تنتجها، مثل المسلسل الأردني "مدرسة الروابي للبنات"، بل أيضاً لناحية تكريمها والاحتفاء بها عبر اختيار مخرجات عربيات شابات لإنتاج أعمال مميزة مثل الأردنية تيما الشوملي التي أنتجت أول مسلسل عربي خاص على "نتفليكس" وهو "جن"، إلى جانب اللبنانية نادين لبكي التي اختارتها لتكون ضمن مجموعة المخرجين الذين صوّروا أفلاماً عن حياتهم الخاصة خلال الحجر الصحي، تحت عنوان: "شغل بيت" (Homemade).
واحتفت الشبكة التي تأسست على يد بريد هاستنغر ومارك راندولف في عام 1997 وكانت متخصصة في بيع الأقراص المدمجة للمسلسلات الدرامية والأفلام السينمائية وتأجيرها، بالنماذج النسائية العربية الملهمة على الشاشة وفي المنطقة خلال شهر رمضان الماضي، مع وجوه مثل الكاتبة ومقدمة البرامج "هتون قاضي" وطبيبة الأسنان "مها جعفر" ونجمة مواقع التواصل "إيمي روكو"، وغيرهن.
ارتفاع مضاعف في نسبة الأرباح
وكانت الشبكة أعلنت أن صافي أرباحها سجّل ارتفاعاً فاق الضعف في الربع الثاني من عام 2020، ليصل إلى 720 مليون دولار، فيما ازداد رقم أعمالها بنسبة 25% ليسجل 6.15 مليار دولار، أي أكثر بقليل من المتوقع (6.08 مليار).
وفي أكتوبر 2017، كانت "نتفليكس" أعلنت عن نيتها لإنتاج أول عمل عربي خاص بها، كان البرنامج الكوميدي "لايف من بيروت" مع الممثل اللبناني عادل كرم، ثم بدأت الإنتاجات تتزايد لتشمل برامج ومسلسلات وأفلاماً أبرزها: "جن" و"أبلة فاهيتا"، إحدى أبرز الشخصيات الكوميدية في مصر، والتي تحظى بشعبية كبيرة في المنطقة العربية.
تنوّع جغرافي عربي
نجحت "نتفليكس" منذ دخولها سباق الإنتاج العربي الأصلي مع مسلسل "جن" و"مدرسة الروابي للبنات" للمنتجة تيما الشوملي، وفيلم "دولار" اللبناني بطولة عادل كرم وأمل بشوشة، في جذب المشاهد العربي من خلال تقديم محتوى جديد ومثير لاهتمامات الشريحة الأكبر في المنطقة وهي النساء والشباب، سواء عبر الإنتاجات الخاصة بها أو الإنتاجات الجاهزة التي تضم قصصاً من السعودية والإمارات والكويت ومصر ولبنان وتونس والمغرب وسوريا والجزائر والسودان.
وأعلنت "نتفليكس" في الفترة الأخيرة عن الانتهاء من تصوير المسلسل المصري "ما وراء الطبيعة" من إخراج عمرو سلامة وبطولة أحمد أمين، والمقتبس من سلسلة روايات الرعب الشهيرة التي باعت 15 مليون نسخة للأديب الشهير الراحل أحمد خالد توفيق.
كما أطلقت "نتفليكس" في يونيو الماضي المسلسل السعودي "وساوس" وهو من تأليف رولان حسن وإخراج هناء العمير.
.
نوستالجيا عربية بجودة عالية
ومن أهم مزايا هذا "الغزو" للسوق العربية أن الشبكة ترمّم الأعمال المعروضة لتحسين نوعية الصوت والصورة والألوان، وتقدمها بأبهى حللها وبجودة أفضل مما كانت عليه، مع ترجمة تصل إلى 20 لغة.
ذلك الترميم، طال أفلام يوسف شاهين، التي لطالما عانت مشكلة في الصوت، فضلاً عن أشهر المسرحيات الكوميدية الرائدة التي تقدّمها ضمن باقة "نوستالجيا عربية"، وتضم مسرحيات مصرية شهيرة، مثل: "مدرسة المشاغبين" و"ريا وسكينة" و"العيال كبرت" و"الواد سيّد الشغال" و"شاهد ما شافش حاجة"، إلى جانب مسرحيتين من الكويت، هما: "مراهق في الخمسين" و"باي باي لندن".
وتتعامل "نتفليكس" مع الإنتاجات العربية بجديّة في الطرح والالتزام بمواعيد التصوير والبث، كذلك في المعايير المتبعة بدءاً من اختيار الأعمال ذات الشعبية الواسعة والمشاركة في المهرجانات الدولية والحاصلة على جوائز عربية وعالمية وأفلام شباك التذاكر.
كما تعمل "نتفليكس" على انتقاء أشهر المخرجين والكتّاب والممثلين ومقدمي البرامج في العالم العربي، مع الحفاظ على سياستها الواضحة في تحقيق التنوّع الثقافي في هوية العمل وجغرافيته، موسّعة رقعة إنتاجها بين دول الخليج العربي وشمال إفريقيا وبلاد الشام.
ونقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن نهى الطيب، مديرة قسم المشتريات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وتركيا في "نتفليكس"، قولها إن "الشبكة تبحث عن مواضيع تحفّز على الإبداع والخيال وتثير النقاش"، معتبرة أن "هذا التوسع في المنطقة فرصة للتعبير بين سينمائيين من العالم العربي والجمهور العريض".
وأضافت الطيب: "ما يهمّنا خصوصاً هي القصص المحلية الأصيلة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التي تعدّ بوتقة لثقافات منوّعة مختلفة عما عليه الحال في الدول الغربية".
تسويق عالمي للسينما العربية
هذا التنوّع في الاستثمار لا يخدم "نتفليكس" في توسيع انتشارها في الشرق الأوسط فقط، بل يخدمها حول العالم، حيث يتحدث اللغة العربية نحو 440 مليون شخص حول العالم، وهي رابع أكثر اللغات المستخدمة شيوعاً على الإنترنت، وفق إحصاءات موقع "Internet World Stats".
ويعود ذلك التنوع بمنفعة تسويقية على الإنتاج العربي الذي سيكون متاحاً لجمهور عريض من مختلف الجنسيات في 190 دولة حول العالم. وعادة، لا تجد الأعمال العربية طريقها إلى التلفزيونات الأجنبية أو صالات العرض التجارية، إلا في ما ندر، وفي أحسن تقدير تصل إلى المهرجانات الدولية التي يتابعها عادة عدد قليل من الشغوفين بالسينما والنقاد وصناع الأفلام والمسلسلات.
وربما لا تكون اختيارات "نتفليكس" شاملة لأهم وأفضل الإنتاجات العربية في هذا المجال، لكنها مجرّد بداية تزيد حماسة المخرجين الشباب وتشعل المنافسة في المنطقة، ولكن يظل على القيّمين على "نتفليكس" الالتفات إلى الأفلام الفنية العميقة وغير التجارية التي تطرح مواضيع جدلية وشائكة ولا تجد طريقها إلى الصالات المحلية ولا شاشات التلفزيون العربية.
ويرى المتابعون أنه آن الأوان للشبكة الأميركية المتحرّرة من مقصّ الرقيب أن تفكّر في جذب الجمهور المثقف والثائر والمناضل والمتديّن كما تفكر بجمهور الأعمال التجارية والأكثر شعبية.
ومن المتوقع بحسب خبراء سوق المنصات التدفقية ظهور كيانات ومنصات أخرى منافسة لـ"نتفليكس" قد تعقّد الأمر من ناحية استقطاب المزيد من المشتركين الجدد في مناطق جديدة، ما يضع الشبكة أمام تحديات للمحافظة على الزيادة اللافتة في معدلات المشاهدين في المنطقة العربية والعالم، التي جنتها خلال فترة الحجر الصحي جراء انتشار كورونا.




