
مرت قبل أيام قليلة الذكرى الخامسة لرحيل المخرج الكوري الجنوبي كيم كي-دوك، حيث توفي 11 ديسمبر 2020 في ريجا، عاصمة لاتفيا، عن عمر ناهز 59 عاماً، إثر مضاعفات مرتبطة بفيروس كوفيد- 19.
وقد اتسمت المرحلة الأخيرة من حياته بالمنفى والجدل، وبانعطافة جذرية ونهائية نحو سينما تقشفية ورمزية أنجزت في معظمها خارج كوريا الجنوبية.
كان كيم كي - دوك سينمائياً لا يطالب صورته بأن تواسي، بل أن تواجِه، وكانت سينماه تسير على الحواف، تكتب بالجرح، وتترك صمتاً أثقل من الكلام، و كان الإنسان في أفلامه محاصراً على الدوام داخل منظومات أقوى منه، وكان الجسد مرآة للخوف، للسلطة، وللانكسار، ولعل فيلمه - The Net - 2016 كان أكثر أعماله اختزالاً لهذه الرؤية:
صياد يعبر حدوداً مائية غير مرئية، فيكتشف أن الرعب لا يقيم في جهة واحدة.
يُستجوب في الجنوب، ويُعاقب في الشمال، ليتكشف المعنى القاسي: الجحيم ليس مكاناً… بل آلية.
صيغة أخرى
هذا الصدى يعود اليوم، بصيغة أخرى، في فيلم Escape - 2024 الذي أنجزه مواطنه لي تشونج-پيل. لكن حيث توقف كيم كي-دوك عند العتبة.
ويأخذنا فيلم Escape إلى قلب واحدة من أكثر البيئات قسوة وانغلاقاً في كوريا الشمالية، حيث نتعرف على الرقيب كيو نام، وهو عسكري وضع بعناية خطة فائقة ودقيقة للفرار إلى الجنوب، واضعاً خريطة لحقول الألغام المغروسة على طول الحدود بين الكوريتين. لكن من يطارده ليس غريباً عنه؛ إنه صديق الطفولة، المقدّم هيون سنغ، ضابط الأمن الوطني، الذي أنقذه من الإعدام سابقاً، ويحاول الآن منعه من الهرب.
ثمةَ ما بين الشخصيتين حوار داخلي قبل أن يتحول مواجهة جسدية: المقدم يرى أن ما وراء الحدود ليس فردوساً، والرقيب يصر على أن حرية امتلاك القرار تستحق المخاطرة بالحياة.
لكن الهروب من جحيم نظام قمعي نحو مكان مجهول.. رهان محفوف بالمخاطر، تتداخل فيه شرارة الأمل مع ثقل اليأس، في مثل هذه اللحظات، لا يُطرح السؤال عن الوجهة، بل عن الثمن الذي ينبغي دفعه لقاء فرصة ضئيلة للحرية، والسينما، كما في هذا الفيلم تمنحنا مرآة لهذه الرحلة الوجودية التي على الإنسان يتواجه معها حين يكون الهروب خياره الأخير.
وإذا ما أردت أختصار العلاقة ما بين هاتين الشخصيّتين، أي المقدم والرقيب فإنّني أراها على أربع مراحل: اللقاء ما بعد غياب، المواجهة، ثم الصدام، وأخيراً الانفصال.
هما شخصيتان تبدوان وكأنهما وجهان لشخص واحد، وهو ما يؤكده المخرج لي تشونج - پيل فيلم Escape يتحدث عن شخصيتين، إحداهما تريد الهروب والأخرى تلاحقها.
وكما عبرت أنت، يمكن أن يبدو الأمر فعلًا وكأنه يتعلق بشخص واحد فقط، شخصية تنقسم إلى قسمين: جزء منه يرغب في التغيير والمضي قدماً، والجزء الآخر يريد البقاء، لذا يمكن القول إن قراءة الفيلم على هذا النحو ممكنة ومكثفة للمعنى.
هذه المواجهة المشحونة بتاريخ الصداقة تضع الشخصيتين في موقع يعكس صراع جيل بأكمله. هنا لا يكتفي المخرج بإعادة تقديم المطاردة التقليدية، بل يحمّلها أسئلة أخلاقية وفلسفية عن الولاء، والحرية، والحدود التي يمكن أن نعبرها في حياتنا.
رؤية بصرية متقشفة
نكتشف بأن المقدم والرقيب كانا صديقين منذ الطفولة، وأن الرقيب يهرب من كابوس، عاشه منذ طفولته. فالهروب لديه ليس انتقالاً من مكان إلى آخر، بل هروب من حالة وجودية، ويرى المخرج بأن "الفردوس ليس موجوداً فقط في الجنوب، والجحيم ليس حكراً حصرياً على في الشمال، فهما يمكن أن يتعايشا في أي مكان".
ويضيف: "قد يظن البعض أن الفيلم مجرد قصة هروب من الشمال إلى الجنوب بحثاً عن حياة أفضل، نعم، قد يبدو الأمر سياسياً أو أيديولوجياً، لكن عند مشاهدة الفيلم، نفهم بأن هذه الرغبة في الهروب، وبمعزل عن الجنسية أو العِرق أو المكان، هي نزعة إنسانية يشترك فيها الجميع".
يقدم لي تشونج-بيل رؤية بصرية متقشفة ودقيقة، الكاميرا قليلة الحركة، اللقطات ضيقة، والألوان رمادية باردة تعكس جمود المناخ السياسي والاجتماعي. الإحساس بالاختناق حاضر في كل مشهد، حتى يكاد المشاهد يشارك البطل شعورَه بالحصار.
أما الأداء التمثيلي لـ لي جي هون في دور الرقيب فيعتمد على الصمت أكثر من الحوار، حيث تتحول النظرات إلى لغة، والملامح إلى ساحة للصراع الداخلي. أما شخصية المقدّم، فمزيج من الصرامة والحنين، ممزقة بين الواجب والعاطفة، ما يمنح المطاردة بعداً إنسانياً مضاعفاً.
في مشهد الركض وسط الألغام، لا نجد مجرد إثارة بصرية، بل ترجمة ملموسة لفكرة أن كل خطوة نحو الحرية قد تكون الأخيرة. والنهاية المفتوحة تترك المشاهد على حافة الاحتمال، منسجمة مع فكرة أن المجهول لا يمكن اختصاره في إجابة واحدة.
هكذا، يؤكد لي تشونج-بيل على أنّه واحدٌ من الأصوات الواعدة في السينما الكورية الجنوبية، وأن Escape ليس مجرد فيلم عن هروب جندي، بل تأمل في الحرية، والاختيار، والقدرة على تحمل نتائج القرار، وفي عالم يزداد فيه بناء الجدران، تذكرنا هذه الحكاية أن المجهول ليس مكاناً على الخريطة… بل شعور يلازمنا أينما ذهبنا.








