فيلم "رهين".. والأنماط الآمنة في الكوميديا السعودية | الشرق للأخبار
خاص
فن

فيلم "رهين".. والأنماط الآمنة في الكوميديا السعودية

time reading iconدقائق القراءة - 7
مشهد من الفيلم السعودي "رهين" للمخرج أمين الأخنش - نتفليكس
مشهد من الفيلم السعودي "رهين" للمخرج أمين الأخنش - نتفليكس
الرياض -نور هشام السيف

تدور أحداث  فيلم “رهين “ تأليف أحمد عامر و عبدالعزيز العيسى،  إخراج أمين الأخنش، وإنتاج "تلفاز 11"حول شخصية سطّام، البطل الرئيسي والذي يؤدي دوره الممثل محمد الدوخي، رجل يجد نفسه فجأة في أزمة مالية قسرية، تقوده إلى مسار متصاعد من الضغط والارتباك.

يقف في مواجهته أبو عاتق، الرجل الذي يطالب سطّام بالمال ويؤدي دوره  اللاعب السعودي الشهير في التسعينات سعيد العويران، كشخصية ضاغطة تحرّك الحدث  بمشاهد معدودة، يضطر سطّام بالتعاون مع صديقه إلى حيلة شيطانية  للتخلص من كابوس الديون، تؤدي هذه الحيلة إلى مفارقات و مواقف كارثية.

و بين الشخصيات الأب الميسور، والابن المستهتر، ورجل الأعمال صاحب السلطة، يوجد صراع ساخر قائم على التهديد والخوف من العجز، ومحاولات متعثرة للنجاة داخل إطار كوميدي يعتمد على الإيقاع السريع وسوء التفاهم والمطاردة كحل بصري متكرر.

مهلاً، أليس هذا ما اعتدنا مشاهدته في الأفلام السعودية خلال السنوات الأخيرة؟.

المنطقة الآمنة 

عطفاً على السؤال أعلاه، يبدو فيلم "رهين" كحلقة ضمن مسار مألوف وواضح في الكوميديا السعودية المعاصرة، المسار نفسه الذي ظهرت ملامحه في أفلام مثل "سطار" و "مندوب الليل" و"إسعاف" و"الزرفة"، حيث تتكرر حبكة العصابة أو الخطف أو التهديد مقابل المال، وتتحرك الشخصيات داخل ضغط خارجي دائم، بينما يتولى الإيقاع مهمة تعويض غياب التوتر النفسي الحقيقي.

ما يلفت في هذا الاتجاه هو إصرار صناعه على إعادة استخدام الهيكل السردي ذاته، مع تغييرات سطحية في التفاصيل والنبرة، إذ يظهر المال دافعاً وحيداً للأحداث، مع بهارات التهديد الشيطانية، تسبقها المطاردات، نعم تعمل  هذه العناصر لأنها مجرّبة وآمنة، لا لأنها ضرورة درامية.

في هذا السياق أيضاً، يمكن ملاحظة أن شخصية سطّام، كما يجسدها محمد الدوخي، تتحرك ضمن مساحة درامية مألوفة سبق أن اشتغل عليها في  فيلم "مندوب الليل"، تتشابه الشخصيتان بالموقع الذي تشغله داخل السرد، شخصية من بيئة متواضعة مادياً، واقعة تحت ضغط خارجي متواصل، تُقاد بالأحداث أكثر مما تقودها، ويُبنى حضورها على رد الفعل داخل إيقاع متسارع.

ما يتغير هو الإعداد والظروف، بينما يبقى الموقع الدرامي متقارباً، لغة جسده، ردود أفعاله، برودة أعصابه، قد يبدو هذا القرب الأشبه بالاستنساخ، نابعاً من طبيعة الأدوار المكتوبة أكثر مما هو خيار أدائي، بالتالي فهو يعيد الممثل إلى القالب الذي يفرض نفسه حتى على الأداء.

أما شخصية أبو عاتق، بحضور سعيد العويران، شخصية الشر الكرتوني التي تعمل قوة ضغط أكثر منها شخصية متكشفة، وظيفة بلا أبعاد، كما هو الشرير في نموذج الكوميديا المصرية  "غسان مطر نموذجاً".

الصورة بدورها نظيفة، ألوان السينوغرافيا مرتبط بروح الليل، و جذابة في الكادرات الداخلية، الأماكن تُعرض خلفيات حديثة مألوفة، من دون أن تتحول إلى قوة ضاغطة أو عنصر دلالي، وهي ذاتها الصورة حين تنتقل إلى  شوارع الرياض لا تقول أكثر مما هو ظاهر من المباني الشاهقة والمعروفة، ثم تنتقل بعد ذلك إلى الحيز الضيق في الحارة البسيطة و الشقة الصغيرة مرورا بالمستودعات "مكان الخطف الكلاسيكي في الأفلام"، بينما الصوت والموسيقى الجميلة للمؤلف الموسيقي أنطونين سيمون، والذي سبق وتعاون مع شركة "تلفاز11" في فيلمي"مندوب الليل" و"القيد" يدعمان الحركة، رغم هندسة موسيقاه إلا أننا لا نشعر بظهور هويتها الواضحة والمميزة سوى في نهاية المشهد مع ظهور التتر، هذا الحياد البصري والسمعي يعزز الإحساس بأن العالم قابل للنقل، وأن الحكاية يمكن أن تحدث في أي مكان مع تغييرات سطحية

إذاً، هذا النمط من البناء المكرر، يكشف نزوعاً واضحاً إلى الأمان السردي، فكان من الطبيعي أن تسير اللغة الحوارية في الاتجاه نفسه، وهذا مايجعل النكتة تنبع غالباً من ضغط الموقف وسوء التفاهم، وحتى سوء التفاهم المسبق، لم يوضح لنا ماهيته بشكل مدروس، على سبيل المثال: لماذا هذه المغالاة في تشبث سطام حول حضانة ابنته؟ ولماذا ابنته لا تريد الجلوس مع والدتها أكثر من 10دقائق؟ 

نعم هو فيلم كوميدي عبثي، لكن كتابته أدرجت خطاً درامياً لتكريس فكرة الإنسان المهزوم، وتركت خيوط الفكرة بدون نسيج، على الرغم أن تكريسها كان سيمر بسلاسة لو نفذ بذات إيقاع العبث.

هوية الفيلم ومنصة العرض

عرض فيلم "رهين" لأول مرة في الدروة الخامسة لمهرجان البحر الأحمر السينمائي، بالتزامن مع انطلاقة عرضه في منصة نتفلكس، وهذا بروتوكول يتماشى مع تصاعد دور الإنتاج التلفزيوني وتحوله إلى شريك أساسي في صناعة الأفلام، انتقلت معه عاداته السردية إلى الشاشة الكبيرة، التلفاز بطبيعته يميل إلى الصيغ القابلة للتكرار، الواضحة، والسريعة في الالتقاط، وحين تنتقل هذه الصيغ إلى السينما من دون إعادة تفكير، يتحول الفيلم إلى حلقة طويلة.

تعزز شراكات المنصات العالمية هذا الميل، و منصة  كبيرة مثل نتفليكس تبحث عن محتوى محلي ولكن  أيضاً بمفهوم عابر للثقافات، سهل المتابعة، قليل المخاطرة، في هذا السياق، ربما تصبح حبكة العصابة والخطف مقابل المال خياراً عملياً ومسلياً، لأنها تضمن حركة مستمرة، وتجنّب الدخول في مناطق أكثر حساسية أو تعقيداً، النتيجة سينما تعمل بكفاءة، وإن افتقرت إلى الفرادة.

في هذا الإطار، لا يفشل "رهين" في أن يكون فيلماً قابلاً للمشاهدة، إنه فيلم مسلي في حيز المنصة، صحيح أنه لا يقدّم مبرراً قوياً لوجوده خارج هذا السياق المتكرر، حبكته تعمل، لكن لأنها مستهلكة ومحبوبة، لا لأنها أصيلة، سوف يمر على بال المشاهدين الكثير من مشاهد الأفلام الهوليودية أثناء المتابعة، و سوف تتم عمليات المقاربة ذهنياً، وهذا ما يجعل الفيلم جزءاً من حلقة تتسع وتدور داخل هوية الكوميديا السعودية التجارية، حلقة تعيد إنتاج نفسها بثقة، لكنها تؤجل سؤال الأصالة.

في المحصلة، لا يتمثل الخطر في ضعف أو فشل، بل في الاعتياد، حين تصبح الحكاية متوقعة قبل أن تشاهد، وحين يتحول الصراع إلى إجراء روتيني، تفقد السينما أحد أهم شروط هويتها، لا يعود الفيلم يُصنع لأنه يحمل شيئاً أصيلاً، إنما تصدر مجموعة من الأفلام تستجيب لتوقع، وتؤدي وظيفة داخل سلسلة غير معلنة  الأعمال المتشابهة.

الكوميديا السعودية قادرة على أن تكون أكثر من حركة وأكثر من تسلية، قادرة على أن تشاكس، تكشف، تدهش، وتطرح أسئلة، لكنها تحتاج إلى شجاعة للخروج من الحلقة المغلقة، وإلى استعداد لإعادة التفكير في القوالب بدل الاكتفاء بإعادة تشغيلها، هنا فقط يمكن أن تبدأ الأصالة كأثر يبقى طويلاً بعد انتهاء المشاهدة.

تصنيفات

قصص قد تهمك