
في واحد من المشاهد الطريفة في فيلم "الملحد" يسأل العم ابن أخيه الذي أشهر إلحاده عما إذا كان ملحداً حقاً، فيجيبه الشاب بكل ثقة وسعادة: "نعم! أنا ملحد جداً!".
ربما عند هذه النقطة بدأت في عدم أخذ الفيلم بجدية والتعامل معه ككوميديا، في الحقيقة كان يمكن لهذا الفيلم أن يكون "كوميدياً جداً" لو أن صناعه انتبهوا إلى هذه الإمكانية.
حوارات معرض الكتاب
الطريقة التي يؤدى بها الممثلون جمل الحوار في المشهد السابق، ومعظم المشاهد بشكل عام، تتبع الأسلوب نفسه: يقطب الممثلون جباههم ويلوون شفاههم ويحركون أطرافهم، ويهتفون بالكلمات وكأنهم ينادون على المتفرج الجالس في آخر الصالة حتى يسمعهم، أو يخشون أن تغطي الموسيقى التصويرية الصاخبة هي الأخرى على أصواتهم.
صناع الفيلم، غالباً، يرغبون في توصيل الانطباع بأنهم يتعاملون مع الموضوع بشكل "جاد جداً"، على طريقة ندوات معرض الكتاب، وليس باعتباره قصة درامية مسلية ومشوقة، حول شخصيات تدخل في صراع ضد بعضها البعض لأسباب شخصية مقنعة بمعتقدات وأفكار دينية وفلسفية، يخطر ببالي هنا، على سبيل المثال، فيلم Dangerous Methods، الذي يتناول الصراع الفكري المبطن بالشخصي بين عالم النفس فرويد وتلميذه يونج، أو بشكل أعمق متعدد الأصوات فيلم Conclave الذي يدمج بين صراع الشخصيات والطباع والأخلاق وخلافاتها وشكوكها العقائدية، بطريقة تخاطب العقل والعاطفة والحواس.
مناخ متشنج
هذه الجدية الزائدة عن الحد التي يتعامل بها صناع فيلم "الملحد" مع موضوعهم، قد تكون مفهومة في إطار المناخ العام المتشنج الذي تعاني منه العقلية العربية تجاه الموضوعات الدينية، سواء كانت تتعلق بجواز قتل المؤمن للكافر أو بجواز سلام الرجال على النساء باليد، إلى آخر هذه القضايا "العقائدية" التي تحولت إلى ساحات للحروب الصغيرة، كما يقول عنوان فيلم مارون بغدادي الشهير.
وهذه الجدية الزائدة يمكن فهمها أيضاً في إطار السياق الشخصي لمؤلف سيناريو الفيلم الكاتب إبراهيم عيسى، الذي يثير الجدل أينما حل وكلما نطق.. بدليل أنه تسبب في منع عرض الفيلم لأكثر من عام، بعد أن هاج وماج المتشددون بمجرد سماع عنوان الفيلم واسم مؤلفه.. حتى قبل أن يشاهده أحد.
ربما، إذاً، يمكن ارجاع هذه "العصبية" التي يتعامل بها الفيلم مع موضوعه إلى حساسية وهشاشة الوضع العام، خاصة وأنه لا يوجد الكثير من الأفلام العربية التي تحتوي على ملحدين، ولكن ذلك لا يكفي لتبرير المستوى الفني المتواضع الذي يعاني منه الفيلم.
العقل والعاطفة
هذا التواضع ليس نتاج ضعف العناصر المختلفة للفيلم، بقدر ما هو أيضاً نتاج عدم اتساقها معاً: فبينما يمكن تقبل أن يتصف سيناريو عمل ما بالتقريرية و"الذهنية" طالما أن الفيلم يركز على المبارزة العقلية بين الشخصيات، وهو ما يتطلب منطقاً وحواراً قوياً من الطرفين وأداءاً تمثيلياً وتصويراً وموسيقى محايدة ومشوقة مع مسافة معقولة بين الموضوع والمشاهدين تتيح لهم التفكير والتأمل (وأذكَر هنا، مرة ثانيةً، بفيلم Conclave أو بالعمل الكلاسيكي في هذا النوع 12 Angry Men)، حيث يتصدر العقل المشهد، ثم يأتي الاحساس.
في "الملحد"، يحفل السيناريو باللامنطقية والحوار بالتبسيط المدرسي، بينما يسود بقية العناصر الفنية نوع من الإفراط التعبيري والانفعالي، ما يخلق تنافراً بين المضمون والشكل، وبين العناصر الفنية وبعضها البعض.
ومرد ذلك التنافر أن السيناريو والحوار التقريرين كعناوين الصحف يمنعان المشاهد من التماهي العاطفي مع الشخصيات والأحداث، بينما التمثيل والتصوير والموسيقى المفرطين في "عاطفيتهم" يمنعون المشاهد من التفكير والتأمل في المبارزات الحوارية، وبالتالي لا يصل الفيلم إلى العقل ولا القلب.
الفيض عن الحد
يبدأ "الملحد" على طريقة أفلام الأكشن: تنزل عناوين الفيلم على شاب يجري كالمجنون في شوارع القاهرة، مع تقطيع على حفل زفاف منزلي بين فتاة صغيرة وشاب يكبرها بسنوات بحضور أهالي العروسين، الذين يغلب عليهم الالتزام بالشكل الديني المتعارف عليه: لحية للرجال ونقاب وحجاب للسيدات، مع فصل كامل بين الجنسين.
ومع انتهاء العناوين، يقتحم الشاب المنزل لنبدأ في فهم ما يحدث: الشاب الذي يدعى يحيى (أحمد حاتم) يحاول منع أبيه حافظ (محمود حميدة) من تزويج الابنة لأنها قاصر، بينما الأب المتصلب الهيئة والملامح ينهره ويزعم أنه زواج صحيح شرعاً، وأنه لا يعترف بالقوانين المدنية الوضعية.
يغادر المدعوون وتتصاعد حدة الشجار بين الأب وابنه، حتى يقوم الابن بالاعلان عن كفره، ما يتسبب في فزع الأب وانهيار الأم (صابرين)، ونصل إلى ذروة الدراما مع تهديد الأب لابنه بأنه سيمنحه 3 أيام فقط للاستتابة، وإذا لم يتب فسوف يقتله بنفسه!
نعلم من خلال المشاهد التالية أن الابن طبيب يعمل في إحدى المستشفيات، ما يعني أنه ليس مراهقاً، بل شخص بالغ تجاوز الخامسة والعشرين، على الأقل، ولا نفهم لماذا لم يزل يعيش في بيت والديه، رغم كراهيته للأب وعدم رضاه عن حياة التشدد التي تهيمن على البيت، خاصة وأنهم ليسوا فقراء إلى هذا الحد.
نعلم أيضاً أن الأب ليس فقط متديناً متشدداً، ولكنه واعظ ومؤذن وله أتباع، وأنه من النوع الذي يحاول فرض معتقداته على الجميع.. حتى عندما يذهب لأخيه كارم (حسين فهمي) ليطلب منه التدخل لإثناء الابن عن كفره، لا يتورع عن اتهام الأخ بالكفر لأنه يعمل في صنع الأصنام (التماثيل).. هذا النوع الذي يوزع "تدينه" الفائض حتى على المارة في الطريق والنائمين في بيوتهم (حرفياً).
"توك شو" الاستتابة
الطريف أن قصة الاستتابة خلال 3 أيام تتحول إلى محور الفيلم، وحديث الحي والمستشفى والبلد كلها كما لو أنها برنامج "توك شو" يبث على الهواء، فالأب يخبر كل من يلتقيه بأن ابنه ألحد، ويطلب من الشيوخ والمتبحرين في العلم من جماعته (وواضح أنهم جماعة منظمة، يرتدون الجلابيب البيضاء ويطلقون لحاهم ويتحركون معاً) أن يقوموا باستتابة الابن، بينما الشاب (الطبيب، المثقف، العقلاني) يقبل التحدي فعلاً مقتنعاً بأنه يستطيع إقناع المؤمنين بالحاده، ومن ناحية ثانية تحاول الأم والعم ومديرة يحيى في المستشفى (شيرين رضا) وزميلته الشابة (تارا عماد) والطبيب النفسي (أحمد بدير) وربما أيضاً الجيران والمعارف، بمحاولة إرجاعه إلى طريق الحق، أو على الأقل إقناعه بإدعاء التوبة أمام أبيه.
ولكن الشاب عنيد، ورأسه وألف سيف أن يستمر في إلحاده وأن يتحدى أبيه وجماعته، بدلاً من أن يغادر ويذهب للعيش في مكان آخر، ونعلم أيضاً أن الأب حول حياة أسرته إلى جحيم، وتسبب في مصرع جارة متحررة تعيش بمفردها (درة)، ما تسبب في عقدة للطفل يحيى، وفي غضبه على أبيه الذي ينفجر متأخراً.
لا تراجع ولا تعاطف
بالتوازي مع العلاقة العائلية بين الأب حافظ المتصلب دون فهم، والأم إيمان الحنون والدارسة الفاهمة للشريعة، (ولاحظ الرمزية الذكية للأسماء!) والعم كارم الليبرالي المؤمن، والابن الحائر يحيى، وحواراتهم الدينية المباشرة، تنتصب متاهة جلسات الاستتابة وحواراتها اللادرامية عن حقيقة وجود الله، والتي تقطعها دائماً، في اللحظة الحاسمة، مواجهة عنيفة بين الابن وأبيه. وفي إثنتين من جلسات الاستتابة يحاول الأب قتل الابن فيسقط على الأرض، في المرة الأولى يذهبون به إلى المستشفى حيث يتبين أن عليه زراعة كبد جديد (لكي نعرف أن الأب يكفر نقل الأعضاء كما يكفر كل شيء آخر!)، وفي المرة الثانية والأخيرة يسقط ميتاً، فيقوم الابن بالبكاء وإمامة المصلين عليه!
لا تسأل عن المنطق في كل ما سبق، بداية بمشهد جري يحيى لمنع زواج أخته، وكأنه لم يعلم بخبر الزفاف سوى الآن بالرغم من أنه يعيش في البيت نفسه! ولا تسأل عن جلسات الاستتابة وحواراتها الفجة بين طرفين لا يمكن للمشاهد أن يصدق أو يتعاطف مع أي منهما، ولا تتعجب من مشهد العم الذي يذهب إلى ابن أخيه في المستشفى خصيصاً ليخبره بأنه سيقاطعه ويعمل له"بلوك"، حتى لا يتصل به، ولكن بعدها بساعة يستضيف الاستتابة في بيته ويتحدث مع يحيى طوال الوقت!
لن تجد لحظةً، طوال هذه المشاهد "الساخنة" لكي تفكر فيما وراء الشاشة: مثلاً هل الأب وابنه متزنان نفسياً؟ هل الابن يردد ذلك لإنه مقتنع أم لإنه غاضب على أبيه؟ هل لو كان الأب أكثر اعتدالاً، مثل العم، كان الابن سيلحد أيضاً، أم أن آراءه مجرد ردود أفعال عاطفية؟
مشكلة الملحد في فيلم "الملحد" لا تكمن في كونه ملحداً جداً، أو نصف ملحد، في الحياة لا توجد مثل هذه التصنيفات المطلقة، فليس هناك شخص ملحد أو مؤمن مئة بالمئة، وكما نعرف بالعلم والتجربة، أن المبالغة في اظهار التقوى أو الالحاد تعني أن صاحبها يعاني من شكوك في نفسه أو مشكلة في إيمانه.
المخرج محمد العدل معروف بأسلوبه الميلودرامي مفرط التعبير، ولكن السؤال، كما أشرت من قبل، هل يتفق هذا الأسلوب مع نوع ومضمون الفيلم؟
لننظر مثلاً إلى المشهد الذي يتوسط الفيلم ويعتبر الـ"ماستر سين" درامياً وإبداعياً: يقوم الأب وأعوانه بمداهمة شقة الجارة العزباء التي تستضيف رجلاً (يظهر بالكاد في زاوية الإطار)، حيث تستعرض كاميرا نزار شاكر هجوم المقتحمين في لقطات مقربة جداً بالحركة البطيئة على السلالم ومدخل الشقة، وموسيقى راجح داود العاطفية مرتفعة الـvolume تدوي، والمرأة تصرخ وتعترض والأب يصرخ ويدفعها بيديه، والابن يراقب باكياً، إلى أن تسقط المرأة من الشرفة وتصطدم بأرض الشارع مضرجة في دماءها.
ولكن ما علاقة هذا المشهد الميلودرامي الفخم العنيف بنظرية المحرك الأول، أو نظرية الانفجار العظيم التي يناقشها الطبيب الشاب مع الشيوخ الملتحين في جلسات الاستتابة؟
لا أحد في هذا الفيلم يبتسم مخففاً من هول الأمر، أو يمتنع عن الإدلاء بدلوه في قضية فلسفية شغلت عقول المفكرين والفنانين والعاديين لآلاف السنين، دون أن يتوصلوا لإجابة قاطعة، وكان يمكن اختصار كل هذه الجدل الذي يتناوله الفيلم في جملتين: هل "من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" أم أن ما أطلق عليه حروب الردة قديماً (لأسباب محددة جداً) يجب أن تستمر في عصرنا بشكل يومي وداخل كل بيت؟
أفكر هنا مرة أخرى: ماذا لو كان صناع الفيلم قرروا أن يجعلوه كوميدياً؟ وقتها كان يمكن قبول المبالغة، والهيستيريا، وردود فعل الناس على سفسطات الابن وفتي الأب، وسقوطه أرضاً كلما احتدت المناقشة، ولكن المشكلة أن الأب "مؤمن جداً" وابنه "ملحد جداً" والفيلم "جاد جداً"!
* ناقد فني










