
تحول نجاح فيلم الأنيمشن الكوري KPop Demon Hunters من مجرد ضربة حظ موسمية على منصة نتفليكس، إلى حالة صناعية كاملة تفرض منطقها على سوق الترفيه العالمية، وتمهد عملياً الطريق لجزء ثان، بشكل أقرب إلى حتمية تجارية منه إلى خيار فني.
فبعد 6 أشهر فقط من إطلاقه في صيف 2025، أصبح الفيلم أكثر عناوين نتفليكس مشاهدة على الإطلاق، وتحولت شخصياته الافتراضية إلى نجوم تتفوق في الحضور الرقمي على أسماء نجوم حقيقيين من الصف الأول، بينها ليدي جاجا.
ورغم أن نتفليكس لم تعلن حتى الآن رسمياً أي تفاصيل عن الجزء الجديد، إلا أن تقريراً لصحيفة الجارديان، أفاد بأن جزءاً ثانياً من العمل قيد الإعداد، استناداً لمصادر من الشركة المنتجة، لكنه لن يرى النور قبل عام 2029، على الأقل من أجل منح الصناعة وقتاً لاستيعاب النجاح المفاجئ للفيلم، وبناء منظومة ترخيص وبضائع وأعمال مشتقة توازي حجم الظاهرة.
عند عرض KPop Demon Hunters لأول مرة في أواخر يونيو 2025، لم يتوقع أحد أن يتحول إلى ظاهرة عالمية، لكن خلال أسابيع قليلة، بدأ الفيلم في تصدر قوائم المشاهدة، إلى أن بلغ في ديسمبر 482 مليون مشاهدة، متجاوزاً فيلم Red Notice الذي حقق 326 مليون مشاهدة، ليصبح أكثر أفلام نتفليكس مشاهدة في تاريخها.
في أكتوبر، نسبت نتفليكس للفيلم الفضل في رفع إيراداتها بنسبة 17%، وهو رقم نادر في سياق فيلم رسوم متحركة موجه أساساً لجمهور الأطفال والمراهقين، ولم يكن النجاح تجارياً فقط؛ إذ حصل على تقييمات تقارب 100% على موقع Rotten Tomatoes من حيث رضا النقاد والجمهور.
هذا الأداء الاستثنائي وضع الفيلم في موقع مشابه لأكبر العلامات الترفيهية متعددة المنصات، من حيث القدرة على التمدد إلى الموسيقى والبضائع والألعاب والسينما.
فانتازيا حضرية بنكهة "كيبوب"
يعتمد الفيلم على عالم الـ"كيبوب"، وهو نوع موسيقي نشأ في كوريا الجنوبية، يشتهر بمزجه أنماط (بوب، هيب هوب، آر أند بي) وفيديوهات موسيقية عالية الجودة ورقصات معقدة وأزياء جذابة، وقد تحول لظاهرة عالمية، مؤثراً في الموضة والثقافة الشبابية ومعايير الهوية حول العالم.
تدور القصة حول فرقة فتيات "كيبوب"، وهي Huntr/x (تُنطق "هانتريكس")، وهن في الوقت نفسه صيادات شياطين، مهمتهن حماية البشرية من التهديدات الخارقة للطبيعة عبر مهارات القتال وموسيقى البوب التحفيزية.
منافسوهن هم فرقة Saja Boys، الذين يتبيّن سراً أنهم شياطين، بينما يصبح الصراع بين المجموعتين معركة على "هونمون"، الحاجز السحري الذي يفصل البشر عن العالم السفلي.
لكن سر الجاذبية لم يكن في الفكرة وحدها، بل في المزج الذكي بين السرد الموسيقي وثقافة الفاندوم الحديثة، حيث تعكس شخصيات الفيلم بدقة طريقة تفاعل جماهير البوب المعاصر مع نجومهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
نجوم "كيبوب" حقيقيون يصنعون موسيقى لنجوم خياليين
شارك في العمل منتجون وكتاب وموسيقيون مخضرمون في عالم "الكيبوب"، من بينهم كيفن وو (عضو سابق في فرقة U-KISS)، والمنتج تيدي بارك (الذي عمل مع Blackpink)، إلى جانب ليندجرين وستيفن كيرك، وكلاهما تعاون سابقاً مع فرقة BTS.
وقال المنتج التنفيذي للموسيقى، إيان آيزندرات، إن هدفه كان أن يعكس الألبوم الموسيقي للكيبوب بوصفه "أكثر أنماط البوب مسرحية".
النتيجة كانت موسيقى تصويرية صنعت تاريخاً: أول ألبوم يضم 4 أغانٍ في الوقت نفسه ضمن المراكز العشرة الأولى في قائمة Billboard Hot 100، وثاني أكثر ألبوم استماعاً على سبوتيفاي في عام 2025، مع أكثر من 4 أشهر في صدارة القوائم العالمية.
كما حصل الألبوم على 5 ترشيحات لجوائز جرامي لعام 2026، من بينها ترشيح أغنية العام لأغنية تمكين الفتيات Golden، والتي فازت بجائزة جولدن جلوب كأفضل أغنية فيلم، وكانت قبلها قد حققت في أقل من 6 أشهر مشاهدات تخطت المليار على يوتيوب.
تفوّق رقمي على ليدي جاجا
في يوليو 2025، أظهرت بيانات شركة التسويق Pulsar أن الإشارات (Mentions) إلى فرق الفيلم الخيالية على وسائل التواصل الاجتماعي، تجاوزت تلك الخاصة بنجوم عالميين حقيقيين، بينهم ليدي جاجا، إد شيران، وبيلي إيليش.
هذه اللحظة تحولت إلى نقطة انعطاف في السردية الإعلامية للفيلم، بعد أن تجاوز كونه مجرد نجاح جماهيري، إلى أن يصبح مؤشراً على تحول أعمق في أنماط صناعة النجومية، وباتت الشخصيات الافتراضية قادرة على منافسة النجوم البشر في التأثير اللحظي.
ورغم أنه إنتاج موجه للعرض الرقمي، فإن الفيلم حقق إنجازاً غير متوقع في شباك التذاكر.
فقد ظهرت نسخة سينمائية خاصة تسمح للجمهور بالغناء مع الأغاني بعد 8 أسابيع من عرضه على نتفليكس، وبيعت تذاكر أكثر من 1,300 عرض في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا بالكامل.
كما تصدّر الفيلم شباك التذاكر الأميركي في عطلة نهاية الأسبوع قبل الأخيرة من أغسطس.
موجة كورية جديدة
تقول مبتكرة العمل والمخرجة المشاركة ماجي كانج إن نتفليكس شجعتها على صنع فيلم "كوري ثقافيًا للغاية"، وليس فقط في الموسيقى.
فصيادات الشياطين مستوحيات من طقوس Mudang، وهم شامانات يطردون الأرواح الشريرة بالغناء والرقص منذ مئات السنين.
حتى تفاصيل الطعام لم تترك للصدفة (كيمباب، تيوكبوكي، شاي الحليب، ونودلز راميون تحمل علامة Huntr/x التجارية)، فيما تكسب فرقة Saja Boys إعجاب الجمهور عبر إعداد الهوت دوج الكوري في كشك طعام شارع.
بحسب الجارديان، فإن جزءاً ثانياً قيد الإعداد، لكنه لن يصدر قبل عام 2029، جزئياً لإتاحة الوقت أمام المنظومة التجارية المحيطة بالفيلم كي تنضج.
فالبضائع الرسمية لم تدخل مرحلة الإنتاج إلا مؤخراً، ولن تصل إلى المتاجر قبل وقت متأخر من العام المقبل، فيما تعمل شركة Mattel على مجموعة كاملة من دمى Huntr/x بسعر متوقع يبلغ 150 دولاراً للقطعة.
وفي الوقت نفسه، تُعد أغنية Golden من أبرز المرشحين لأفضل أغنية أصلية في أوسكار 2026، بينما يُعتبر KPop Demon Hunters منافساً قوياً لأفضل فيلم رسوم متحركة.
نموذج أعمال جديد
لا يمكن أن ننظرإلى KPop Demon Hunters كنموذج جديد لصناعة الترفيه، حيث تذوب الحدود بين السينما والموسيقى والألعاب والفاندوم الرقمي.
النجاح هنا لم يتم بناؤه على نجم واحد، وإنما على عالم سردي كامل قابل للتمدد عبر أجزاء لاحقة، أعمال مشتقة، حفلات موسيقية، وبضائع.
وبينما لا تزال أسماء مثل ليدي جاجا تمتلك الثقل الرمزي والتاريخي، فإن تفوق مشروع كرتوني عليها في مؤشرات التأثير اللحظي يطرح سؤالًا أكبر: هل دخلنا عصراً لم تعد فيه النجومية مرتبطة بالبشر فقط، بل بالشخصيات الافتراضية والعوالم الهجينة؟
اقتصادياً، جاء صعود KPop Demon Hunters ليمثل اختباراً ناجحاً لاستراتيجية نتفليكس الجديدة في تحويل الأعمال الأصلية إلى "منصات ربحية متكاملة"، بشكل يعيد إلى الأذهان منطق ديزني التقليدي في بناء العوالم السردية القابلة للتمدد، لكنه يدار هذه المرة بمنطق خوارزمي، حيث تستخدم بيانات المشاهدة والتفاعل لتحديد توقيت الجزء الثاني، وحجم الاستثمار في المنتجات المرافقة، وحتى طبيعة السرد المستقبلي.
وفي بعد أوسع، تعتبر ظاهرة Huntr/x تتقاطع مع صعود موجة "النجوم الافتراضيين" وفرق الـ AI idols ، حيث لم تعد الجماهير تشترط وجود نجم بشري من لحم ودم كي تبني حوله فاندوماً عالمياً.
التفوق الرقمي لشخصيات الفيلم على أسماء مثل ليدي جاجا وبيلي إيليش في حجم الذكر على وسائل التواصل الاجتماعي باتت مؤشراً على تحول هيكلي في مفهوم النجومية نفسه، فالعوالم الهجينة بين الموسيقى والأنمي والألعاب أصبحت قادرة على إنتاج رموز ثقافية مستقلة عن قيود العمر والفضائح والإرهاق البشري، ما يجعل الاستثمار في جزء ثانٍ ليس مجرد استثمار في فيلم، ولكن في "أصول رقمية" طويلة الأجل.










