مئوية يوسف شاهين.. الحياة في 10 أفلام | الشرق للأخبار
خاص
فن

مئوية يوسف شاهين.. الحياة في 10 أفلام

time reading iconدقائق القراءة - 23
المخرج المصري الراحل يوسف شاهين. - REUTERS
المخرج المصري الراحل يوسف شاهين. - REUTERS
القاهرة -عصام زكريا*

ستة عقود قضاها يوسف شاهين (1926 -2008) في صناعة الأفلام، أنجز خلالها 44 عملاً روائياً ووثائقياً، معظمها من أفضل ما أنتجته السينما العربية، والقليل منها ما يمكن إغفاله أو تجاهله. ولكن بعض هذه الأفلام علامات فارقة في مسيرته ومسيرة السينما المصرية والعربية.

فيما يلي، 10 من أفضل أفلام يوسف شاهين وأكثرها تعبيراً عن فرادته ومسيرته ومحطات ابداعه المختلفة.

بابا أمين (1951)

تكمن أهمية فيلم "بابا أمين" في كونه شهادة ميلاد يوسف شاهين كمخرج في السينما المصرية، حيث صنعه بعد عودته من الولايات المتحدة الأميركية وقبل أن يتم عامه الخامس والعشرين بعد.

مع ذلك يمكن ملاحظة بذور الطموح الكبير والروح المختلفة اللذين يحملهما، عبر عدة عناصر منها براعته التقنية (يحتوي الفيلم على خدع ومؤثرات بصرية متميزة بالنسبة لزمنها)، ومنها اختياره للقصة التي قام بتمصيرها عن أصل أجنبي، والتي تحمل لمحات من ولعه بهاملت (شبح الأب الميت)، وأيضاً من خلال اختياره غير التقليدي للممثلين، حيث أصر على اختيار حسين رياض للبطولة رغم اعتراض الإنتاج.

يظهر في  الفيلم أيضاً جانب لا يهتم به النقاد في أعمال شاهين عادة وهو حسه الواقعي الوثائقي، حيث ينقل أجواء الحياة اليومية في شهر رمضان بشكل غير مسبوق في السينما، وهو ما سيفعله في فيلمه التالي "ابن النيل" من خلال تصوير فيضان النيل (قبل بناء السد العالي)، وفي العديد من أفلامه اللاحقة.

مشهد أيقوني: يستيقظ شبح الأب الميت تاركاً جسده فيظهر منه نسختان، وسرعان ما يظهر شبح أبوه (الذي يؤديه حسين رياض أيضاً) فيصبح هناك 3 نسخ منه في الغرفة، ويستمر الحوار في مشاهد لاحقة، منها مشهد جميل وسط السحب في السماء يعتمد على خدعة التصوير المتكرر على الخام بجانب خدع المونتاج.

انت حبيبي (1957)

يثبت شاهين، حين يريد، أو بالأحرى يضطر، أنه قادر على صنع التسلية Entertainment جيداً، ورغم أنه كان يعلن في حواراته دائما أنه ليس مسلياً وأنه ضد أفلام التسلية، لكن يجب أن نضع في أذهاننا أن ما جذب شاهين إلى السينما بالأساس هو هوليوود الأربعينيات باستغراقها في الاستعراضات والكوميديا والميلودراما، ويجب أن نضع في أذهاننا أن كل أفلام شاهين، باستثناءات قليلة جداً، تحتوي على أغان ورقص وكوميديا وأسلوب ميلودرامي يتسم بالإفراط التعبيري والتركيز على إثارة العواطف، ولكن الفارق هو أنه يرى أن هذا التأثير يجب أن يكون "ملتزماً"، بمعنى أن يكون للعمل مضمون إنساني/ أخلاقي/ تقدمي، وألا تكون التسلية لمجرد التسلية.

واحد من أكبر التحديات التي واجهت شاهين هو اضطراره أحياناً لقبول أعمال من أجل "لقمة العيش"، كما حدث من خلال الفيلمين الذين أخرجهما للمغني فريد الأطرش "انت حبيبي" و"بين إيديك"، وهو ثنائي غريب يصعب أن نجد قواسم مشتركة بين عالميهما، مع ذلك استطاع شاهين أن يصنع من "أنت حبيبي" فيلماً كوميدياً غنائياً غاية في اللطف، وفي الوقت نفسه جيد سينمائياً، ويحمل ملامح كثيرة من أسلوب شاهين المتحرر في السرد والميزانسين والتصوير وصنع الفكاهة، من خلال أدوات سينمائية خالصة.

ربما لم يكن شاهين يحب "أنت حبيبي" وهذه النوعية من أعماله، ولكن الفيلم اكتسب بمرور الوقت حضوراً وألقاً دائماً، حيث تتجسد فيه ملامح العصر الذهبي للفيلم الاستعراضي المصري، ومن خلال لغة متطورة  يمكنها مخاطبة الأجيال الجديدة.

ورغم أن زمن الفيلم يصل إلى ساعتين (بعدما اضطر شاهين إلى زيادة أغنيتين لإرضاء الموزعين وعشاق فريد الأطرش في البلاد العربية) لكنهما ساعتان من التسلية على الطريقة الهوليوودية.

من المذهل أن شاهين أعقب "انت حبيبي" بفيلم "باب الحديد" الذي يبدو وكأنه قادم من عالم آخر!

باب الحديد (1958)

من الصعب معرفة ما كان يدور في عقل يوسف شاهين حين صنع فيلم "باب الحديد"، سوى أن رغبته في التمرد على السينما السائدة ونفسه، قد غلبا رغبته في التوافق والخضوع لمتطلبات صناعة وسوق، يغلب عليهما التقليد لا التجديد، والاتباع لا الإبداع.

يمثل "باب الحديد" قطيعة مع السائد، ولا يشبه شيئاً قبله في السينما المصرية: حيث المكان هو البطل (سبق فيلم "بين السماء والأرض" بعام كامل)، والشخصية الرئيسية شاب قبيح أعرج، مهووس جنسياً.

ينطلق شاهين من سيناريو لعبد الحي أديب، ليرسم جدارية نابضة بالحياة، خلال يوم واحد، في محطة القطار الرئيسية بالقاهرة، للصراعات الاجتماعية، والعنف، والفرد العاجز عن التكيف.

يطور شاهين هنا دمجه للوثائقي والروائي، حيث يجرى التصوير في المحطة نفسها، وسط الناس العاديين، في وقت كان فيه ذلك مشكلة إنتاجية وتقنية كبيرة، وبالطبع يقدم شاهين نفسه، للمرة الأولى والأخيرة، كممثل رئيسي في شخصية قناوي، محققاً الحلم الذي راوده منذ مراهقته، بدور يخلده كممثل، مثلما خلد اسمه كمخرج.

"باب الحديد" هو أقصر أفلام شاهين (77 دقيقة) وأكثرها تكثيفاً، كما أنه أول أفلامه التي وصلت إلى "العالمية" من خلال مشاركته في مهرجان برلين الدولي، وترشح شاهين لجائزة أفضل ممثل.

وجدير بالذكر أن استطلاع مجلة Sight & Sound عن أفضل الأفلام في تاريخ السينما الذي أجري منذ عامين ضم فيلماً عربياً وحيداً هو "باب الحديد"، كما أن معهد الفيلم البريطاني أعاد ترميم الفيلم وأصداره في طبعة رقمية على اسطوانات "بلو-راي" و"دي في دي" منذ عدة أشهر.

مشهد أيقوني: تتميز معظم أفلام شاهين بنهاياتها القوية (غالباً نتاج دراسته وقراءته المتعمقة للفن المسرحي وخاصة التراجيديا)، وهي نهايات حفرت نفسها في ذاكرة السينما العربية، ومنها نهاية "باب الحديد" التي يهرب فيها قناوي بعد أن يخطف هنومة (هند رستم) ويهدد بقتلها، إلى أن يتم خداعه واستدراجه والباسه قميص المصحة العقلية، وصرخته المدوية الأخيرة.

الأرض (1969)

العمل الأكثر شعبية ليوسف شاهين، والذي لا يختلف عليه أحد تقريباً (رغم أن بعض السلفيين الذين لا يكفون عن انتقاد كل شيئ، ومنهم ممثل معروف، انتقدوا مؤخراً تصويره الصريح للنماذج البشرية والعلاقات الجنسية في الريف).

في "إسكندرية كمان وكمان" يدور الحوار بين شاهين وهدى سلطان التي تلعب شخصية أم الممثلة نادية (يسرا) حول العمل الأفضل لشاهين. تفضل الأم "الأرض" بينما يفضل شاهين "إسكندرية ليه؟"، هذا الجدل الذي ينقله شاهين من الواقع إلى الفيلم كان، ولا زال، مستمراً، بين الأغلبية التي تفضل كلاسيكية ووضوح "الأرض" على تجريب وذاتية أعمال شاهين اللاحقة.

على أي حال يصل شاهين في "الأرض" إلى قمة الواقعية، مثلما وصل نجيب محفوظ إلى قمتها مع نهاية الثلاثية، كلا من محفوظ وشاهين يقفزان بعد عمليهما إلى المجهول بحثاً عن أشكال ولغة جديدين، حيث توقف محفوظ لسنوات قبل أن يبدأ مرحلة التجريب في "اللص والكلاب" ومجموعة "تحت المظلة". ومن الطريف أنهما يعملان سوياً في فيلم شاهين التالي "الاختيار" الذي يبدأ مرحلة جديدة تماماً في أعماله.

في "الأرض" يظهر شاهين قدرته على الحكي وسيطرته على مفردات اللغة السينمائية. عن رواية للأديب عبد الرحمن الشرقاوي، تدور أحداثها خلال ثلاثينيات القرن الماضي، يصيغ شاهين عملاً ملحمياً يجسد المدرسة الواقعية في أبهى صورها.

ما يميز واقعية "الأرض" عن غيره من الأعمال التي توصف بالواقعية، هو التحليل العلمي الواضح للطبقات والأفراد، وفقاً لمنهج الواقعية الاشتراكية، والذي ساهم فيه حسن فؤاد بدور كبير، في تنقية النص الأدبي الفضفاض، كما ساهم شاهين في تحويله لنص سينمائي بليغ.

ومن المثير للإعجاب دوماً هو الطريقة التي يدير بها شاهين الممثلين هنا، ليستخرج منهم أداءاً طبيعياً حتى في أكثر المشاهد "مسرحية"، والـ"ميزانسين" أو رسم حركة الممثلين والجموع، والتنقل بين أحجام وزوايا اللقطات المختلفة، وصنع التباين بين جمال الطبيعة وشقاء الإنسان، من خلال العمل البديع لمدير التصوير عبد الحليم نصر والمصور محسن نصر.

مشهد أيقوني: لا يذكر فيلم "الأرض" إلا ويذكر مشهد النهاية الخالد الذي يتم فيه "سحل" محمد أبو سويلم وتشبثه بالأرض حتى اللحظات الأخيرة من حياته.

العصفور (1972)

بموت عبد الناصر، يكتمل وجع الهزيمة ويتجسد حضورها، مع سقوط الحلم القومي الكبير، لكن هذه الهزيمة، بقدر قسوتها، فتحت الوعي والعيون على الحقيقة: الحقيقة التي راح يفتش عنها شاهين من خلال ما يعرف بـ"ثلاثية الهزيمة" التي تضم أفلام "الاختيار"، "العصفور" و"عودة الابن الضال".

كل منهم يرثي الماضي ويحاسبه، ويفتح طاقة للمستقبل على طريقته، وبينما يكتفي "الاختيار" بوضع يده على أصل المرض النفسي (الازدواجية والكذب)، يعري "العصفور" أعراض هذا المرض اجتماعياً، من فساد السلطة وغياب الديموقراطية وضعف المثقفين، وينتهي بانكشاف الكذبة وانطلاق الحقيقة من قفصها، مع اندلاع المقاومة التي تجسدت في حرب أكتوبر 1973، هل من قبيل الصدفة أن يحمل الفيلم الوثائقي التالي الذي صنعه شاهين عن حرب أكتوبر اسم "انطلاق"؟! 

ومثلما يتحرر العصفور من قفصه في نهاية الفيلم، يتحرر شاهين من كل تقاليد وقيود السينما المصرية، ولا عجب أن يتعرض الفيلم للمنع والتضييق (من قبل وزير الثقافة اليميني يوسف السباعي)، حتى أنه لم يحظ بعرضه العام إلا بعد مرور عامين على إنتاجه عقب انتصار أكتوبر (ومن الطريف أن الفيلم ينتهي بأغنية "رايات النصر" التي تحولت إلى نشيد الحرب!).

التجريب الذي بدأه على مستوى السرد والشكل في "الاختيار" يتقدم هنا خطوة هائلة إلى الأمام، مرة أخرى لا يشبه "العصفور" أي فيلم سينمائي عربي قبله، وحتى على المستوى العالمي يتمتع بخصوصية وأصالة مميزة.

على مستوى المضمون يطرح الفيلم قضايا سياسية ساخنة، أبرزها لحظة الوصول إلى هزيمة يونيو وأسبابها، وعلى مستوى السرد لا يوجد هنا بطل واحد، ولكن مجموعة من الشخصيات محاصرة داخل زمان ومكان واحد (سبق للطفي الخولي، كاتب السيناريو مع شاهين أن قدم هذا الشكل في مسرحيته "القضية 68" التي تحولت إلى فيلم من إخراج صلاح أبو سيف).

على مستوى الشكل السينمائي، يتميز الفيلم بتصويره البديع ومونتاجه الخلاق، الذي يربط الشخصيات والأحداث، وإيقاعه السريع اللاهث، الذي يقطع الأنفاس، إلى حد يصعب معه متابعة الفيلم والإلمام بخيوطه الدرامية من المشاهدة الأولى.

هذا عمل ينتمي لما يعرف بالــ Cult، أي الأفلام التي تكتسب شعبيتها بمرور الوقت وتعدد المشاهدات، ويصبح لها فريق من المعجبين المتيمين، وأنا منهم.

مشهد أيقوني: خطبة التنحي وصولاً إلى خاتمة الفيلم، من أكثر المشاهد براعة وتأثيراً شعورياً في تاريخ السينما المصرية، يبدأ المشهد عقب تسرب أنباء الهزيمة، تتجمع الشخصيات في بيت بهية (الشخصية التي تمثل مصر والتي ابتكرها الشاعر أحمد فؤاد نجم وظهرت على استحياء في "الاختيار" بأداء هدى سلطان)، في انتظار خطاب الزعيم.

لحظات من القلق تتجمد فيه الحركة والصوت حرفياً في شوارع القاهرة، قبل أن يبدأ الخطاب، يتسلل "الخواجة" المصري العجوز محمود المليجي ليستمع إلى الخطبة دامعاً، وتنفجر المشاعر مع إعلان عبد الناصر استقالته، وتهرع بهية إلى الشوارع صارخة "هنحارب" لتنضم إليها الجموع من كل مكان.

عودة الابن الضال (1976)

هو الفيلم الأكمل والأجمل والأكثر تأثيراً في النفس بين أفلام شاهين، دراما مأساوية موسيقية، محكمة البناء، الأغاني والاستعراضات متشابكة بالدراما تماماً، شخصيات تكاد تنطق بالحياة وممثلين في أفضل حالاتهم: محمود المليجي وهدى سلطان، النضج والخبرة، أحمد محرز وهشام سليم، البراءة والطزاجة، سهير المرشدي ورجاء حسين، صورتان للمرأة على طرفي النقيض، تجذب كل منهما الأخرى نحوها، حتى شكري سرحان يغير جلده هنا ويلعب شخصية طلبة الأخ الأكبر الشرير بجبروت خارجي طبيعي وهشاشة داخلية على حافة الانهيار، وصوت ماجدة الرومي يشق السحب الكثيفة التي يمتليء بها الفيلم وتنيره بالأمل.

عن سيناريو وحوار وأغاني صلاح جاهين وتصوير عبد العزيز فهمي، المتوهجين بالإبداع هنا، يصيغ شاهين نصاً سينمائياً فريداً في لغته البصرية وإيقاعه المتدفق، المبني على طريقة التراجيديا اليونانية بفصولها الخمسة: مقدمة شارحة لحياة آل مدبولي في "ميت شابورة"، بداية الصراع باكتشاف قيام طلبة باغتصاب فاطمة ورفضه لسفر إبراهيم وطرده لعمال المصنع، ثم نقطة التحول بعودة علي، الابن الضال، وتفاقم الصراع، ثم توالي الكوارث السريع، بغيرة طلبة وتصغيره من شأن علي، وحبسه لإبراهيم، وإصابة حسونة في المصنع، وإهانة طلبة لتفيدة، ثم اكتشاف علي لما فعله طلبة بفاطمة، وصولاً إلى الفصل الختامي اللاهث والنهاية العنيفة التطهرية. 

 تتحول "ثيمة" الابن الضال الدينية هنا إلى شيء آخر، حيث يمثل البقاء الركود والفساد والسلطة، فيما يعبر الرحيل عن التحرر والحلم، لكن السذاجة تعرض الابن الذي يحلم/ يرحل إلى الخديعة، والانكسار.

وفيما يمثل رحيل علي انتقال السلطة في مصر من الملكية والإقطاع (الذي تجسده رتيبة) إلى نظام يوليو العسكري (طلبة)، فإن اغتصاب فاطمة يمثل ذروة الديكتاتورية ونكسة 1967 (وهي استعارة مألوفة سبق أن استخدمها إحسان عبد القدوس في قصتيه "الرصاصة لا تزال في جيبي" و"الهزيمة كان اسمها فاطمة"!).

وبموت عبد الناصر، وانقلاب الأخوة على بعضهم البعض (فشل الوحدة العربية واندلاع الحرب الأهلية في لبنان) ينهار الحاضر، ويصبح تمرد ورحيل إبراهيم وتفيدة دعوة لجيل جديد يترك كل هذا الخراب وراءه ويرحل نحو حلم ومستقبل جديد.

هذا الحلم والمستقبل لم يزل عصياً على التحقيق، ولذلك يظل "عودة الابن الضال" نصاً عصرياً مستقبلياً، تزداد قيمته ويتبين معناه بمرور الزمن، وبالطبع يجب التأكيد مرة ثانية على البلاغة السينمائية الشاهينية التي تصل إلى ذروتها في هذا الفيلم.

مشهد أيقوني: من الصعب اختيار مشهد واحد من عمل كل مشاهده قوية ومترابطة، لكن المشهد الذي يسبق الفصل الختامي للحوار بين علي وإبراهيم عن السفر والأحلام، والذي ينتهي بالكاميرا تقترب من القمر، مع بداية موسيقى أغنية ماجدة الرومي "مفترق طرق" والتي تبدأ بمقطع: "حبيبي سكر مر طعم الهوى"، وطعم هذا الفيلم أيضاً!

إسكندرية ليه؟ (1979)

هو الفيلم الفارق في مسيرة يوسف شاهين، بعد أن وصل إلى ذروة طاقته الإبداعية كمخرج في "عودة الابن الضال"، يتوقف قليلاً متسائلاً عما يمكن أن يفعله الآن. تختلف الحكايات: هل اقترح عليه الناقد سمير فريد أن يتحدث عن نفسه، كما كتب ذات مرة، أم أن شاهين كان صاحب الفكرة؟ المؤكد أنه كان مستعداً لدخول أهم تجربة في حياته وحياة السينما العربية، من خلال فيلم يتحدث فيه مخرجه عن حياته الشخصية وعائلته وأحلام وجروح طفولته وصباه.

هذه الجرأة غير المسبوقة صحبتها أيضا جرأة فنية كان قد بدأها منذ "باب الحديد"، ولكنها تعثرت نتيجة ردود الفعل السلبية على الفيلم، ثم عاودت الظهور مع "الاختيار"، وتطورت في "العصفور" و"عودة الابن الضال". 

بناء "إسكندرية ليه؟"، من بين أعمال شاهين، هو الأصعب والأكثر تركيباً بشخصياته الكثيرة (ما يزيد عن 50 شخصية بينهم عدد كبير من النجوم)، وبحكاياته المتداخلة، والبانوراما التي يرسمها لمدينة الأسكندرية متعددة الأعراق والجنسيات والطبقات، على خلفية المجتمع والسياسة والحرب العالمية الثانية، حيث تلعب حركة الكاميرا الدائمة والمونتاج دورا أساسياً في خلق الاحساس والمعنى وربط كل هذه القصص التي تبدو كشذرات متفرقة، أو كوحدات مزاييك لا تظهر إلا بوضعها متجاورة داخل لوحة واحدة، وأعتقد أن محسن زايد ككاتب للسيناريو لعب دوراً حاسماً في خروج السيناريو بهذا البناء المحكم. 

"إسكندرية ليه؟" هو أيضاً فيلم ساخن مرهق يحمل ثقافة البحر المتوسط، بحيويتها وصخبها وعصبيتها، كما لو أنه المدينة نفسها وقد تحولت إلى فيلم، على مدار ساعتين وربع الساعة تقريباً تبدو مشاهدة الفيلم كرحلة داخل عقل شاهين نفسه المزدحم والجذاب مثل مدينته، وأعجب شيئ يكشف عن موهبة شاهين الفذة كسينمائي هو الكيفية التي يصنع بها من هذا الزحام والكولاج عملاً فنياً متجانساً متكاملاً.

مشهد أيقوني: محمود المليجي في شخصية شكري المحامي، والد يحيى، يتحدث إلى الشاب المعتقل إبراهيم (أحمد زكي) عن اعوجاج حال العالم وفساده، والقضية التي تم تلفيقها لإبراهيم، ويقول عبارته الشهيرة "عايزني أكسبها؟!"

إسكندرية كمان وكمان (1989)

في الفيلم الثالث المستلهم عن سيرته الذاتية بعد "إسكندرية ليه؟" و"حدوتة مصرية" (1982)، يعود يوسف شاهين هنا لا إلى ذكريات طفولته أو بدايات عمله بالسينما، ولكن إلى الحاضر والماضي القريب جداً، ليكشف عن توابع وجراح الافتتان الهوسي سواء بإنسان من لحم ودم أو أسطورة، ويفكك عبادة الأشخاص والحكام من خلال ربط الشخصي بالعام، والسيرة الفردية بالتاريخ السياسي.

ورغم المرارة والألم إلا أنه أكثر أفلامه سخرية حتى من نفسه وإشاعة للبهجة والتفاؤل، يصل شاهين هنا إلى قمة التحرر من القوالب السينمائية من خلال سرد حر، يتلاعب بالأمكنة والأزمنة ويدمج الفانتازي بالوثائقي، والاستعراضي بالخطابي، ويؤكد تمكنه الفريد من صياغة هذه النوع من البناء المفكك المركب، الذي يبدو على وشك الانهيار في أي لحظة، ولكنه يواصل الارتفاع والاكتمال حتى لحظة النهاية.

"إسكندرية كمان وكمان" هو الأكثر ابتكاراً وتعبيراً عن أسلوب وروح يوسف شاهين.

مشهد أيقوني: من أجمل مشاهد الفيلم الاستعراض الغنائي "خد عينيا" الذي يعبر عن معنى الفيلم بشكل خيالي يعبر عن الاستبداد وعبادة الأفراد من العصر الفرعوني مروراً بالإغريقي والروماني وصولاً إلى اعتصام الفنانين ضد قانون النقابات.

القاهرة منورة بأهلها (1991)

عندما يتلقى عرضاً من التليفزيون الفرنسي لصنع فيلم عن مدينة القاهرة كما يراها، يشعر شاهين بالحيرة: هل يقدم القاهرة السياحية أم القاهرة التي يعيشها ويختلط بأهلها يومياً ويرصد مواطن العلل والمشاكل التي تنهشها: الفقر والتطرف والكذب. وبالطبع يختار شاهين الصراحة مهما كلفه الأمر، ويدفع ثمن ذلك أعنف حملة من الاتهامات والسباب تعرض لها في حياته.

اليوم، عندما نشاهد "القاهرة منورة بأهلها" ندرك كم هو فيلم عظيم، كاشف، رصد دقات قنبلة التطرف والإرهاب قبيل لحظات من انفجارها، ومواطن الخلل السياسي والاقتصادي التي أدت إلى هذا العنف، والتي تم تجاهلها وإنكارها لعقود.

أجمل ما في "القاهرة منورة بأهلها" هو الحب الذي صنع به الفيلم: حب الخائف والحزين والغاضب على مدينته وبلده. 

مشهد أيقوني: صوت أم كلثوم يصدح في راديو المقهى بأغنية "سلمت إليك أمري يا ربي"، على لقطات لرواد المقهى المستغرقين، الهائمين، بملامحهم المصرية المنحوتة، الطيبة، منتهى العذوبة! 

المصير (1997)

بعد "المهاجر" (1994) الذي يحقق من خلاله شاهين الفيلم المصري الوحيد الذي يدور في زمن المصريين القدماء، ينتقل إلى طموح آخر بتحقيق فيلم يدور في زمن الأندلس العربية.

مثل أفلامه "التاريخية" الأخرى، لا يدور "المصير" عن الماضي البعيد بقدر ما يدور حول الحاضر المأزوم الذي يشغل بال شاهين دائماً، ابن رشد هو انعكاس لفرج فودة الذي اغتالته يد الارهاب ونصر حامد أبو زيد، الذي صدر حكم بتفريقه عن زوجته، وعشرات من المفكرين الآخرين الذين تعرضوا لملاحقات وبطش الجماعات المتأسلمة المسلحة، بالإضافة إلى عشرات الأجانب والمصريين الذين لقوا حتفهم في عمليات العنف.

"المصير" فيلم خطابي تعليمي مثل أعمال شاهين الأخيرة، وأقل شاعرية ورهافة فنية عن أفلام أخرى، ولكن للفيلم أيضاً جماله الخاص، الذي يذكر في فخامته الإنتاجية ورسالته السياسية المباشرة بـ"الناصر صلاح الدين"،  وهو آخر فيلم كبير استطاع صنعه، ليتوج به مسيرته، من خلال عرضه في المسابقة الرسمية بمهرجان "كان"، وحصوله على السعفة الذهبية عن مجمل أعماله.

مشهد أيقوني: يحتوي الفيلم على استعراض آخر مميز، يثبت من خلاله شاهين أنه لم يزل يحتفظ بقلب المراهق المفتون بجين كيلي وفريد أستير وهوليوود الأربعينيات، وهو أغنية "علي صوتك بالغنا" التي تحولت إلى دلالة على الفيلم ومعناه، ونشيداً يتغنى بالحياة في مواجهة الموت، والفن في مواجهة التطرف.

* ناقد فني

تصنيفات

قصص قد تهمك