
في الذكرى المئوية لميلاد المخرج المصري العالمي يوسف شاهين (25 يناير 1926 – 27 يوليو 2008)، تعود السينما العربية لتتأمل تجربة أحد أكثر مبدعيها تأثيراً، المخرج الذي كسر العزلة المحلية للفيلم العربي، وفتح له نوافذ على العالم، جامعاً بين الواقعية والحداثة، ومحوّلًا السينما إلى مساحة لطرح القضايا التاريخية والإنسانية برؤية فنية خاصة.
شاهين، الذي كان يُنادى بين المقرّبين بـ"الأستاذ"، لم يكن مجرد صانع أفلام، ولكن كان مؤسس مدرسة سينمائية متكاملة، خرج من عباءتها أجيال من المخرجين والممثلين الذين تصدروا المشهد لاحقاً، ويعود له الفضل في تقديمهم إلى الساحة الفنية.
كما حصدت أفلامه نصيب كبير في قوائم أهم الأفلام العربية أو المصرية التي أطلقتها استفتاءات النقاد والمهرجانات السينمائية في الربع قرن الأخير، وظل المخرج العربي الوحيد الذي كرّمه مهرجان كان تقديراً لتاريخه السينمائي الطويل والحافل.
وبهذه المناسبة، تستطلع "الشرق" شهادات نجوم وسينمائيين ونقاد اقتربوا من شاهين وتتلمذوا على يديه، كاشفين عن جوانب من شخصيته الفنية والإنسانية، وعن تأثيره العميق في مساراتهم المهنية.
هاني سلامة: البدايات من مدرسة شاهين
الفنان هاني سلامة قال إنه كان محظوظاً بأن تكون انطلاقته الفنية مع يوسف شاهين، مؤكداً أنه لمس ذلك في ردود فعل الجمهور على أدواره الأولى.
وأضاف لـ"الشرق" أن شاهين لم يكن مجرد مخرج، لكنه مدرسة استثنائية تعلّم فيها مفردات الصناعة السينمائية كاملة، خاصة أنه لم يدرس السينما أكاديمياً، فكان شاهين هو مدرسته الفعلية.
واستعاد سلامة ذكرياته مع شاهين خلال فيلم "المصير"، مشيراً إلى أنه أتاح له فرصة العمل مع نجوم كبار أثروا في بداياته السينمائية، وقال إنه استأذنه ذات يوم بسبب شغفه بالنظر في عدسة الكاميرا، معتبراً أن تلك الفترة كانت رحلة استكشافية مبهرة لتفاصيل صناعة السينما، وفرصة حقيقية للعمل داخل مدرسته في بداية حياته المهنية.
وأكد أن صدفة البداية مع شاهين كانت الشرارة التي انطلقت منها مسيرته الفنية المتنوعة، مشدداً على أنه تعلّم منه الالتزام والشعور بقيمة العمل، ولفت إلى أن كل شيء في فيلم "المصير" كان مرتباً ومخططاً له بدقة قبل التصوير بشهور، وهو أمر لم يشهده إلا داخل مدرسة يوسف شاهين.
حسين فهمي: أكثر من مجرد أستاذ
الفنان حسين فهمي أوضح أن يوسف شاهين كان أستاذه في معهد السينما، وقال لـ"الشرق" إنه بعد تخرجه كان يدرّس نفس المادة التي كان شاهين يدرّسهاk وأضاف أن شاهين كان يهتم بأدق التفاصيل، حتى نظافة شاشة السينما وكاميرا العرض، معتبراً إياه مؤسسة فنية قائمة بذاتها.
وأشار إلى أنه اتجه إلى التمثيل بناءً على نصيحة منه، وأن شاهين كان يتمتع بروح شبابية في كواليس التصوير، وكشف أنه زاره خلال فترة مرضه قبل رحيله بأيام قليلة، وأن الراحل كثيراً ما أخبره بأنه كان يتمنى أن يصبح ممثلاً.
صفية العمري: أهم محطات مسيرتي
الفنانة صفية العمري أكدت أن شاهين كان يحب تلاميذه حباً كبيراً، ويتغلغل داخل عقولهم ليستمروا معه، وأوضحت أن الفيلمين اللذين قدّمتهما معه، "المهاجر" و"المصير"، يمثلان الأهم والأعظم في مسيرتها الفنية. وذكرت أنه طلب منها زيادة وزنها خلال تصوير "المصير" لتجسيد الدور كما تخيّله.
يسرا: تحديات وصدامات فنية
الفنانة يسرا كشفت كواليس أول لقاء جمعها بشاهين، قائلة لـ"الشرق" إنه علّق على طولها واصفاً إياها بـ"اللمضة"،وأوضحت أن علاقتها به كانت مليئة بالتحديات، بسبب صعوبة التعامل معه كمخرج صارم وحازم.
وأشارت إلى أنها لم تفهم سيناريو فيلم "حدوتة مصرية" في البداية واعترضت على الدور، إلا أنه استطاع إقناعها بالمشاركة. وأضافت أنها رفضت في البداية تغيير لون شعرها، لكنها وافقت لاحقاً لقدرته على إقناع الممثل الذي يعمل معه.
وشددت على أن تأثيره الفني على الممثلين كان طاغياً، مؤكدة أن أي فنان يعمل معه يتأثر به بدرجة كبيرة، وأن بعض الممثلين قد يظهرون بطريقة مختلفة عن طبيعتهم لأنه كان قادراً على استخراج طاقات كل ممثل.
خالد يوسف: غيّر حياتي بالكامل
المخرج خالد يوسف قال إن الأجيال اللاحقة امتداد مباشر لمدرسة شاهين، لكنه شدد على أنه لا يوجد خليفة له، لأنه لم يكن مجرد مخرج بل صاحب رؤية إنسانية وثقافية تركت بصمة في كل من عمل معه، معتبراً إياه حالة استثنائية لا يمكن تكرارها في تاريخ السينما العربية.
وكشف أنه عمل معه 21 عاماً ولم يفارقه حتى بعد أن أصبح مخرجاً مستقلاً، وكان يعود للعمل معه كمساعد مخرج مع كل فيلم جديد، وأضاف أن الفارق بينه وبين كثيرين ممن تأثروا به أن شاهين غيّر مسار حياته بالكامل.
وتذكر لقائه الأول به أثناء رئاسته لاتحاد الطلبة، حين دعاه إلى ندوة في الجامعة، فقال له شاهين: "إنت لازم تبقى سينمائي"، وبعد فيلمين كمساعد مخرج قال له: "أصبحت جاهزاً لتكون مخرجاً".
واسترجع موقفاً استثنائياً خلال تصوير "المصير"، حين ترك له شاهين استكمال نهاية الفيلم، وهو أمر لم يفعله مع أي شخص آخر سوى معه ومع علي بدرخان، وأكد أن تأثيره لا يتجسد فقط في أعماله الخالدة، بل في الأسماء التي قدمها للصناعة، معتبراً أن أثره سيظل حاضراً في الوجدان الجماعي.
نبيلة عبيد: هددته بالقتل
الفنانة نبيلة عبيد قالت إنها هي من سعت للعمل معه، وإنها التقت به مرات عديدة تطلب منه التعاون، حتى هددته بالقتل إذا لم يعمل معها. وأشارت إلى أنه كان يتخفى منها لفترة ويسخر من تهديدها قائلًا: "علشان ما تقتلنيش".
وشددت على أنه كان يعشق ممثليه ولا يحب أن يأتي ممثل بعده، لذلك كانت تحرص يومياً على الذهاب إلى موقع التصوير مبكراً، وأوضحت أنها تعتبره مدرسة مختلفة، وأنها تعلمت منه الكثير فنياً، لافتة إلى أن تعاونهما في فيلم "الآخر" جاء في توقيته المناسب.
لبلبة: أكاديمية متحركة
الفنانة لبلبة أكدت أن شاهين كان بمثابة أكاديمية سينمائية، وأن الممثل الذي يعمل معه يخرج بشهادة علمية وفنية، وقالت لـ"الشرق" إنها فوجئت في أول يوم تصوير لها بـ"الآخر" بطلبه رؤيتها، وعندما ذهبت إليه قال لها أن تدخل وتشاهد ديكور بيت الشخصية وماكينة الخياطة لتتعايش مع المكان طوال مدة التصوير.
وأضافت أنه كان يشرح للممثل ما يريده قبل التصوير ويأخذ المشهد من أول مرة لأنه يحب الإحساس الأول، وكشفت أنها التقته في آخر احتفال بعيد ميلاده، وأخبرها أنه يشعر بأنه سيكون الاحتفال الأخير. وتابعت أنه كان نباتياً لا يأكل اللحوم، ودائماً ما كان يدعوها لتناول الطعام معه أثناء فترات الراحة خلال التصوير باعتبارهما نباتيين.
عماد البهات: لا شيء يُترك للصدفة
المخرج عماد البهات قال لـ"الشرق" إن عدداً كبيراً من المخرجين عملوا مع يوسف شاهين كمساعدين، موضحاً أن من عملوا معه لفترات طويلة هم خريجو مدرسته الحقيقيون، لأنهم انسجموا مع طريقته في إدارة صناعة الفيلم فنياً وإدارياً.
ولفت إلى أن شاهين كان يأخذ وقتاً طويلاً في التحضير، وكان منظماً للغاية، وكل الأمور كانت معروفة قبل التصوير، وكل مشهد له موعده ويومه المحدد مسبقاً، ولا يترك شيئاً للصدفة، وأضاف أن ذلك ترك أثراً كبيراً في كل من عمل معه لسنوات طويلة، وأن معظم تلاميذه من مختلف الأجيال ينتهجون نفس أسلوبه في الإدارة حتى بعد رحيله.
وعن دخوله عالم شاهين، قال إن الأمر جاء بالصدفة البحتة، وإن العمل معه كان حلماً بعيداً عن خياله، مشيراً إلى تعرفه على يسري نصرالله أثناء التحضير لفيلم "مرسيدس"، وفي الوقت نفسه كان شاهين يحضر لفيلمه "المهاجر"، فاختاره ليكون أحد مساعديه.
وأكد أن العمل معه كان مرهقاً ويحتاج إلى مساعد ذهنه حاضر طوال الوقت، وأن التحدي الحقيقي لمن يعمل معه أن يكون المساعد جزءاً فعلياً من فريقه، وأضاف أن هناك شائعات عن العمل بميزانيات كبيرة، وهو ما ثبت عكسه، لأنهم كانوا يعملون تحت أي ظروف.
وأشار إلى مواقف عديدة تتعلق بشخص شاهين وعمله، موضحاً أنه كان يتعامل مع فريقه باعتبارهم أسرته، ويتذكر موقفه من سكان جزيرة الذهب وتضامنه معهم، وأوضح أن تجربته معه استمرت حتى أفلامه الأخيرة مثل "إسكندرية نيويورك" وفيلمه القصير عن 11 سبتمبر، وأنه تعرف من خلاله على يوسف الشريف الذي اختاره لبطولة "هي فوضى"، وشدد على أن أهم قيمة تعلمها منه هي القدرة على صناعة سينما تحت أي ظروف سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية.
ماجدة موريس: عام كامل للاحتفال بشاهين
الناقدة ماجدة موريس طالبت وزارة الثقافة بتخصيص عام كامل للاحتفال بمئوية شاهين، وقالت لـ"الشرق" إن الوزارة خصصت عاماً كاملاً للاحتفال بمرور 50 عاماً على رحيل أم كلثوم، فلماذا لا يُخصص العام الحالي للاحتفال بمئوية شاهين، وهو لا يقل أهمية ولا قيمة عنها، فكلاهما صاحبا تأثير فني واضح وملموس.
وأضافت أن شاهين هو المخرج المصري الوحيد الحاصل على سعفة كان، وهو الوحيد الذي حققت أفلامه تواجداً دولياً، وساهم في تغيير مسار كثير من الفنانين، وفي مقدمتهم الراحل محمود المليجي الذي أعاد تقديمه في أدوار شديدة الإنسانية في "عودة الابن الضال" و"الأرض".
طارق الشناوي: فانتازيا واقعية وحس إيقاعي
الناقد طارق الشناوي قال لـ"الشرق" إن يوسف شاهين كان يمتاز في أعماله بأحد أشكال الفانتازيا الواقعية الخاصة بإحساسه، وبقدرته على تحويل الحالة الموسيقية السمعية إلى فكر سينمائي مرئي، لما يمتلكه من حس إيقاعي واضح يظهر في الجمل الحوارية وتتابع اللقطات واستخدام الموسيقى.
وأضاف أنه أستاذ الجمال في الصورة السينمائية، وأجاد تكوين اللقطة بإحساس جمالي متفرد لم يصل إليه أحد من الجيلين السابق واللاحق له، معتبراً إياه حالة سينمائية إبداعية حقيقية، وتابع أن له كاريزما خاصة جداً، ليس على الشاشة فقط، وإنما في الحياة أيضاً.
وأوضح أنه أستاذ في تدريس الإخراج لعدد كبير من المخرجين، منهم علي بدرخان، داود عبد السيد، خيري بشارة، إضافة إلى يسري نصرالله وخالد يوسف، وشدد على أنه كان يجيد الدفاع عن فنه وعن نفسه، واستطاع دائماً أن يجد معادلة إنتاجية في كل زمان تجعله متواجداً، سواء بالتعاون مع الدولة من خلال مؤسسة السينما، أو مع الجزائر، أو مع أوروبا، وخاصة الجهات الفرنسية.
وأكد أن تلك القدرة لم تكن فقط في التعامل مع اللغة السينمائية، بل أيضاً في إيجاد معادلة إنتاجية تجعله قادراً على تحقيق أفلامه وأحلامه، معتبرًا ذلك عنصراً حاسماً في استمراريته مقارنة بمخرجين كبار آخرين تعثروا بسبب ظروف السوق.











