"شارع الأعشى 2".. حيوية أكثر وشاعرية أقل | الشرق للأخبار
خاص
فن

"شارع الأعشى 2".. حيوية أكثر وشاعرية أقل

time reading iconدقائق القراءة - 11
مشهد من المسلسل السعودي "شارع الأعشى 2" - المكتب الإعلامي لقنوات MBC
مشهد من المسلسل السعودي "شارع الأعشى 2" - المكتب الإعلامي لقنوات MBC
القاهرة -

في العام الماضي حقق مسلسل "شارع الأعشى" نجاحا كبيراً واعتبره الكثيرون واحداً من أفضل أعمال موسم 2025، هذا العام يعود "شارع الأعشى" بجزء ثانٍ، كان قد وعد صناعه به، على لسان بطلته وراويته عزيزة في الحلقة الأخيرة من الموسم الأول، التي انتهت بمأساة متشعبة الأطراف، راح ضحيتها ثلاثة أشخاص، بجانب ضياع عزيزة في سيارة مجهولة في قلب الصحراء.

هذه الحلقة الأخيرة من الموسم الأول احتوت على تطور مفاجيء للأحداث لا يوجد في الرواية الأصلية ("غراميات شارع الأعشى" للأديبة بدرية البشر)، ويختلف عن نغمتها الشاعرية التي تنحو إلى استعراض روح عصر ولى، ومرحلة مفصلية من تاريخ المملكة، حين بدأت مظاهر المدنية الحديثة تزحف على الصحراء بتقاليدها وعاداتها التي قاومت الزمن لقرون، قبل أن تهب رياح التغيير العاصفة (ولا عجب أن يحمل مسلسل آخر عن الفترة نفسها اسم "العاصوف").

لكن رياح التغيير كما صورها الموسم الأول من "شارع الأعشى" كانت هادئة، بطيئة التأثير، تتبدى في التفاصيل الحياتية البسيطة، مثل دخول الكهرباء والسيارة والهاتف والسينما والتليفزيون والمجلات الفنية والنسائية وتعليم الفتيات، وغير ذلك من ملامح التجديد والتمدين التي أدت بالضرورة إلى تغيير العقول والنفوس والسلوكيات، وباستثناء انضمام احد شباب الشارع الشهير إلى الجماعات المتطرفة وموته أو اختفاءه عقب إحدى العمليات الارهابية، خلا الموسم الأول من أحداث عنف أو مواقف درامية مبالغ فيها. 

وفيما تنتهي الرواية بهدوء وحزن، بعد أن تتلقى عزيزة صدمتها العاطفية الأولى في الطبيب الذي يرفض الهرب معها إلى مصر، وتبدأ في النضج وإدراك الواقع من حولها، فإن الحلقة الأخيرة من الموسم الأول، التي كانت تمهد للجزء الجديد، حفلت بأحداث عنيفة و غموض يلف مصائر الشخصيات، هذه الحلقة لم تكن سوى مجرد إرهاصة قوية بما سيكون عليه الموسم الثاني: كثير من الأحداث الجسيمة والمخاطر التي تتعرض لها الشخصيات، وتشويق ما يكاد ينحل حتى يبدأ تشويق جديد.

من الحب إلى التشويق البوليسي

مع الموسم الثاني تعود عزيزة (لمى عبد الوهاب) إلى البيت بعد أن كادت تلفى حتفها، ولكن ينقذها سعد (براء العالم) الذي يتبين أنه لم يزل حياً وأنه الآن يعمل مع الشرطة كعميل متخفٍ، أما أختها عواطف (آلاء سالم) فتشفى ولكن إصابتها تهدد قدرتها على الانجاب، وبسبب سوء فهم سخيف يتهم أبو إبراهيم (خالد صقر) ووضحى (إلهام علي) بأنهما على علاقة، وبعد تفاقم النميمة والتنمر بهما من الجيران يقرر أبو إبراهيم الزواج من وضحى، ما يتسبب في صدمة وانهيار زوجته (عائشة كاي)، كما تمر معظم الشخصيات الأخرى بأحداث ومواقف مماثلة، قد تزيد خطورة، أو تقل قليلاً.

وبالرغم من أن معظم شخصيات الموسم الأول موجودة كما هي، تظهر شخصيات جديدة على رأسها خالد (ناصر الدوسري)، الذي يسعى للثأر لمقتل زوجته الحامل وجنينها في العملية الإرهابية التي كاد سعد أن يشارك فيها، ويعتقد خالد أن سعد هو الجاني، وفي سبيل الوصول إليه يتزوج من عزيزة اعتقاداً منه أنها على علاقة بسعد.. وهو خط يقلب الأحداث رأساً على عقب، كما يقلب اسلوب المسلسل كله من حكايا الحب إلى التشويق البوليسي.

ثنائية البداوة والمدنية

في موسمه الثاني يحرك "شارع الأعشى" ثنائية المدنية/ البداوة إلى الخلفية، ويضاعف من جرعة الميلودراما بأحداثها المثيرة المتلاحقة وقصصها العاطفية الملتهبة، وشخصياتها بارزة المعالم والطباع، ورغم أن هذا التطور في نوعية وطبيعة المسلسل يمكن تفسيره بالرغبة في عمل موسم ثانٍ جذاب ومشوق، إلا أنه يمكن تفسير هذا المزاج الميلودرامي بتطور المجتمع نفسه، ودخوله فضاء الحداثة.  

في كتابه Melodrama and Modernity (دار نشر جامعة كولومبيا- 2001) يرى بن سنجر أن الميلودراما، التي ازدهرت في المسرح والسينما مع نشأة المدن في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، هي أحد نتائج الحداثة بقيمها التي تدعو للتجريب والمغامرة، وأفكارها المتصارعة بين الجديد والقديم والقلق الوجودي الذي يعاني منه الأفراد وأيضاً السهولة المتزايدة للتحولات الطبقية والاجتماعية والاقتصادية.. وكل ذلك موجود في "شارع الأعشى"، خاصة في موسمه الثاني، حيث يتضح التأثير المتزايد لمظاهر الحداثة على الشخصيات وأنماط حياتها وطرق تفكيرها.

ثنائية البداوة/ المدنية لم تزل حاضرة في الموسم الثاني، من خلال غزو الوسائط التكنولوجية ووسائل الترفيه مثل التليفزيون والكاسيت والملابس الحديثة، المستلهمة من ملابس نجمات السينما، وأيضاً من خلال التعليم، حيث تلتحق عزيزة بالجامعة، ويكون أكبر عقاب تتعرض له على يد أبيها هو منعها من مواصلة الدراسة، وأكبر فرحة لها أن تعاود الالتحاق بالجامعة مجدداً بفضل زوجها المتنور. 

وفيما تجسد عزيزة الشغف بالمدنية والحداثة، تتجسد في وضحى قيم التقاليد الأصلية، حيث الأم الراعية الحكيمة هي مركز العائلة، وكل من عزيزة ووضحى مرتبطتان روحياً، وهما وجهان لعملة واحدة: المرأة العربية المستقلة القوية، أما الرجعية فتتجسد في  الجيران الذين لا يكفون عن نهش أعراض الناس، والجماعات المتطرفة التي تدمر محل الكاسيت ومظاهر الحضارة الأخرى.

كل قصص الميلودراما

كما أشرت، فإن هذه الثنائية بين قوى التقدم والرجعية التي تميز فترات التحول والتغيير الكبرى غالباً ما تجد تعبيرها الأمثل في الميلودراما، حيث تختصر الصراعات الاجتماعية والثقافية الكبرى في قصص الحب المستحيلة والمعارك الدموية، والمواقف العاطفية الجياشة، وكل ذلك موجود في "شارع الأعشى"، خاصة في موسمه الثاني الذي يحتوي، تقريباً، على كل الثيمات الميلودرامية المعتادة: 

أولاً البراءة المظلومة، التي تتجسد في عزيزة، والتي يشك في سلوكها أخوها وزوجها وصديقتها جازي، ثم أبوها، رغم أنها تضحي بنفسها من أجل كل هؤلاء لحمايتهم. ومثل عزيزة تتعرض وضحى في الموسم الثاني لكل أشكال الظلم والتشويه لسمعتها، بالرغم من براءتها المطلقة، وتضحياتها من أجل الجميع.

وبدرجة ما تعاني عواطف على مدار نصف الموسم تقريباً من سوء فهم مماثل، إذ ترفض الارتباط بمتعب لأن الأطباء يخبرونها بأنها عاجزة عن الانجاب (بعد أن ضحت بنفسها وتلقت طعنة الشرير راشد بدلاً من متعب في نهاية الموسم الأول).

وبدرجة مختلفة يعاني سعد أيضاً من سوء ظن الآخرين به، خاصة خالد، الذي يؤمن بأن سعد قتل زوجته وطفله في العملية الإرهابية، رغم براءة سعد من التهمة.

ثانياً الثنائي اللذان يرتبطان بزواج مبني على غرض وسوء فهم، ويبدأ بعداوة شديدة تتحول إلى حب بالتدريج، كما يتجلى في قصة عزيزة وخالد، التي تستعيد فكرة طالما قدمتها السينما والدراما الهوليوودية والمصرية والهندية والتركية.

ثالثاً: العودة من الموت، حيث ينتهي الموسم الأول وقد مات سعد ليظهر مجدداً في الحلقة الأولى من الموسم الثاني ويصبح أحد أبطال العمل، بعد أن تبين أنه برىء ويعمل متخفياً ضد الارهابيين.

رابعاً: الهوية المزدوجة والمخفية، الذئب في هيئة الحمل، أو العكس، والتي يجسدها سعد أيضاً، المزروع داخل معسكر الأعداء.

خامساً: الحب من طرف واحد، متعب يحب عواطف، المتعلقة بذكرى سعد، وجازي التي تزوجت من سعد، وقلبه متعلق بعواطف، وعزيزة التي تبدأ في حب خالد، المتعلق بذكرى زوجته.

سادساً: عودة الماضي، التي لا تقتصر على عودة سعد، ولكن الفتاة الهاربة عطوى (طرفة الشريف) التي تتزوج من ضاري (يؤدي دوره في الموسم الجديد مصعب المالكي بدلاً من عبد الرحمن نافع) يعود ماضيها المؤلم للظهور من خلال قريب لها يبحث عنها ليقتلها.

وفوق كل ذلك ثيمة العزول والجار الحاسد الذي لا عمل لهم سوى الإيقاع بين الطيبين وإطلاق الشائعات السيئة عنهم، والتي تمثلها أم جدعان وزوجها وبعض نسوة  ورجال الشارع الآخرين. وهؤلاء هم مصدر الشر الرئيسي في المسلسل، ما يتماشى مع الرؤية الميلودرامية للعالم، بأن الجحيم هو الآخرون، والمجتمع الذي يفرض تقاليده وقيوده على الأفراد، أو بتحديد أكثر نظرات وحشرية الرجعيين الذين يلاحقون الأفراد، خاصة النساء والصغار، بالمراقبة والمعاقبة، ويستهدفون بشكل خاص الطيبين حسني النوايا، المتحررين من الشكليات والتقاليد البالية.

وكل من عزيزة ووضحى تجسدان المرأة الحرة البريئة التي تتعرض لظلم الرجال والنساء على السواء، والتي غالبا ما تنتهي الميلودراما بانكشاف براءتها وفضلها على الذين اتهمومها ظلماً.

ومن ثيمات الميلودراما أيضا قصة الحب البريء المكتوم بين أبو إبراهيم ووضحى، والتي تنمو على مدار المسلسل، وتلعب على ثنائية الحب والواجب، فكل منهما يعلي من شأن الواجب والأصول على الحب، ولكن الأقدار تظل تسوق كل منهما نحو الآخر.

ممثلون بارعون ومخرج متمكن

تظل عزيزة هي المحور الذي تدور حوله أحداث وشخصيات المسلسل، بحكم كونها الراوي والشاهد والمعلق الذي نرى العالم من وجهة نظره، وهي لم تزل، كما كانت في الموسم الأول، مستقلة وعنيدة ولا تكف عن الحركة وارتكاب أفعال توقعها في المشاكل، التي تتراوح من تهديد حياتها وحياة من حولها وحتى إثارة نظرات الريبة والشك من أقرب الناس إليها.

والحقيقة أن العمل يعتمد في جزء كبير من نجاحه على أداء لمى عبد الوهاب الرائع لشخصية عزيزة، والتي يمكن أن تكون ماكرة وحمقاء ومستفزة في لحظات، وأن تكون بريئة ووديعة كيمامة في لحظات أخرى.

وبشكلٍ عام يمكن القول أن معظم الممثلين قد اكتسبوا في الموسم الثاني مزيداً من الثقة والفهم لشخصياتهم والقدرة على تطويرها، وبشكلٍ خاص خالد صقر وإلهام علي ومها الغزال (مزنة) والصغير محمد الحربي في دور الأخ الأصغر فواز.

"شارع الأعشى" في موسمه الثاني هو أكثر حيوية وجاذبية (بالرغم من أنه يفتقد لكثير من شاعرية وتأمل ونوستالجيا الموسم الأول)، وربما يكون السبب وراء ذلك هو أنه يعبر عن مرحلة متقدمة، تصل بخيوطها إلى الواقع الحالي، من الصراع بين التقليد والتجديد وبين تمجيد الماضي وغواية الحداثة. 

كل هذه الأفكار والمشاعر لم يكن لها أن تظهر بهذه القوة لولا عمل المخرج أحمد كاتيكسيز، الخبير بالـ"سوب أوبرا" التركية، والذي يبرع في توجيه الممثلين وإدارة الكاميرا، معتمداً على اللقطات المتوسطة وحركة الكاميرا الهادئة معظم الوقت، مع التنويع في الزوايا وأحجام اللقطات وحركة الكاميرا السريعة في المشاهد الدرامية القوية، كما يبدي مهارة في استخدام الموسيقى التصويرية حسب نوع المشاهد.

في موسمه الثاني، فإن "شارع الأعشى" يشبه موسوعة للميلودراما ، تمتلىء بالثيمات والأحداث والمشاعر وعناصر الجذب الجماهيري، وينجح في ترسيخ مكانته كواحد من أفضل الأعمال التي شهدها الموسمين الماضي والحالي.

* ناقد فني

تصنيفات

قصص قد تهمك