"فرصة أخيرة".. حين تصبح مزايا العمل عيوبه | الشرق للأخبار
خاص
فن

"فرصة أخيرة".. حين تصبح مزايا العمل عيوبه

time reading iconدقائق القراءة - 9
الملصق الدعائي لمسلسل "فرصة أخيرة" - المكتب الإعلامي للشركة المنتجة
الملصق الدعائي لمسلسل "فرصة أخيرة" - المكتب الإعلامي للشركة المنتجة
القاهرة -

بعد مرور 6 حلقات تقريباً من مسلسل "فرصة أخيرة"، ينتقل فجأة من نوع "دراما المحاكم" الذي تدور معظم أحداثه داخل قاعات المحكمة، ويعتمد على المباراة القانونية العقلية بين الادعاء والدفاع، إلى نوع فني آخر قد يبدو على صلة بالأول، ولكنه مختلف عنه كليةً، متفرع من نوع "الإثارة" Thriller، والذي يمكن أن نطلق عليه "دراما الخطف".

هذا الدمج بين نوعين فنيين كان يمكن أن يكون سبباً في تميز العمل وفرادته، ولكن عملية الدمج تشوبها بعض المشاكل، الأمر نفسه ينطبق على معظم عناصر العمل: السيناريو، التمثيل، التصوير، الموسيقى والإخراج. كلها تحمل علامات تميز وضعف في آن واحد!

فكرة لامعة وتنفيذ متعجل

"فرصة أخيرة" الذي عرض خلال النصف الثاني من الموسم الرمضاني هو أحد انتاجات شركة "المتحدة"، تقاسم بطولته إثنان من ممثلي الوزن الثقيل، وهما محمود حميدة وطارق لطفي، بجانب عدد من ممثلي الدراما التليفزيونية المعروفين والجدد، وهو من إخراج أحمد عادل سلامة، أحد الذين ساهموا بإخراج بعض حلقات المسلسل البوليسي "ساعته وتاريخه" وتأليف أمين جمال مؤلف سلسلة "المداح" والعديد من الأعمال في أنواع فنية مختلفة.

يبدأ العمل بجريمة قتل فتاة يرتكبها ثلاثة من الشباب المرفهين الفاسدين، ويسعى الشقيق الأكبر لأحدهم، وهو رجل الأعمال المشبوهة بدر أباظة (لطفي) انقاذهم من خلال اقناع سائقهم الشاب إسماعيل (أحمد أبو زيد) بالصاق التهمة بنفسه مقابل مبلغ كبير من المال ورعاية أسرته الفقيرة. ولكن عندما يبدو أن كل شيء يسير وفقا لمخطط بدر، يمرض القاضي الذي ينظر في القضية وتذهب إلى القاضي يحيى الأسواني (حميدة)، المعروف بنزاهته ودقته، والذي يوشك على التقاعد، وهو بالصدفة على معرفة ببدر أباظة لأن كلاهما من حي شبرا، وكانت تربطهما جيرة ومعرفة كل منهما بمسار حياة الآخر.

بعد قليل من التحري سرعان ما يكتشف القاضي يحيى أن السائق ليس هو الجاني، والحقيقة أن ما فعله يحيى لاكتشاف ذلك هو ألف باء عمل أي ضابط تحقيقات صغير، كما أنه من الغريب كيف مرت دون ملاحظة من هيئة القضاء السابقة.. أو ببساطة أكثر، ربما كانت الكتابة تحتاج إلى مزيد من الجهد بالبحث عن تفاصيل أكثر تعقيداً.

تحول مفاجيء

على أي حال، سرعان ما تصل دراما المحكمة إلى خط مسدود، حين يصر يحيى الأسواني على مواصلة النظر في القضية رغم كل محاولات بدر أباظة لاستمالته أو رشوته أو تخويفه، وعندها يقوم بدر بخطف حفيدة القاضي ليجبره على ترك القضية، وبالفعل يتنحى الأسواني عن القضية، ولكنه يتحول إلى محقق يسعى لاستعادة حفيدته والإيقاع بأباظة، فيعود إلى شقته القديمة في شبرا، لكي يكون قريباً من المجرمين ومكان احتجاز الطفلة.

منذ هذه اللحظة يدخل "فرصة أخيرة" إلى منطقة مختلفة، هي أكثر تشويقاً، إذ تمتليء بالمغامرات والمفاجآت والشخصيات، ولكنها أكثر خيالية ولا منطقية أحياناً، إذ يلجأ السيناريو إلى اصطناع بعض الأحداث لتوجيه الدراما في مسار بعينه، أو لتبرير أحد أفعال أو ردود أفعال بعض الشخصيات.

ومن عجائب هذا السيناريو أن كل الشخصيات الرئيسية مرتبطة ببعضها البعض، فابن يحيى الأسواني على علاقة بيزنس وحب مع أخت بدر أباظة، وابنته (أم الطفلة المختطفة) على علاقة بالضابط الذي يحقق في كل الأحداث، من جريمة القتل الأولى وحتى واقعة الاختطاف، وهو أيضاً تلميذ نجيب ومفتون بالأسواني.

وكل هذه الشخصيات تربت معاً في حي واحد ومدارس واحدة، وبدر أباظة مرتبط بعلاقة زواج سري بفتاة من عائلة ثرية هي بالصدفة صديقة كل من أخته وابنة الأسواني، يمكن أن نضيف إلى هؤلاء أيضاً خطيبة القاضي التي تنتظر تقاعده عن العمل حتى يتفرغ لها ويستطيعان الزواج، ومساعد القاضي وأخته اللذين يسكنان في شبرا ويقومان بمساعدته لمواجهة بدر واستعادة الحفيدة، وهما أيضاً من الجيران والمعارف القديمة للجميع. في أحد وجوهه يذكر "فرصة أخيرة" بأعمال مثل "دوران شبرا" و"بنت من شبرا" وغيرهما من الأعمال التي تناولت الحياة في الحي القاهري العريق.

اختيار شبرا فكرة جيدة لتقديم عمل أكشن بروح المكان والواقعية، ويثمر ذلك بالفعل في بعض المشاهد التي تدور في شوارع وحواري الحي، ولكنها قليلة ويغطي عليها المشاهد التي تدور داخل "ديكورات" متناقضة مع هذه الروح. 

تشويق على حساب المنطق

من ناحية يتسم "فرصة أخيرة" بأحداثه المشوقة ومفاجآته، ولكن مع بعض التدقيق في الأحداث والشخصيات يمكن اكتشاف المشاكل التي تتناثر في السيناريو والناتجة، للغرابة، عن الرغبة في عمل دراما مليئة بالتشويق والمفاجآت، ذلك أن هذا التشويق يأتي على حساب المنطق، أو بمعنى آخر كانت تحتاج إلى كتابة أكثر إقناعاً وإحكاماً.

من هذه المشاكل أنه عقب تنحي الأسواني لم يكن بحاجة إلى البحث عن حفيدته، لأن بدر لم يعد لديه سبب للاحتفاظ بها، وبالفعل كان يسعى لإعادتها، ولكن تتوالى سلسلة من الأحداث غير المنطقية التي تحول دون ذلك، وتقريباً تنحرف الدراما في قصة الطفلة المخطوفة حتى الحلقة العاشرة، حين تعود فاقدة الوعي بشرخ في الجمجمة وقبل أن يعود المسلسل إلى حكايته الأولى، الخاصة بالفتاة القتيلة والشباب الذين قتلوها.

 ثلث المسلسل، الذي يتكون من 15 حلقة، يركز على قصة خطف الطفلة واستعادتها التي تتعثر نتيجة التصارع بين أربعة أطراف: من ناحية يحيى والشرطة اللذان يسعيان، كل على حدة، لاستعادة الطفلة، ومن ناحية بدر والعصابة التي كلفها بالخطف، اللذان يسعيان إلى إعادتها! 

بطلان يرفعان العمل

وبعيداً عن ايجابيات وعيوب السيناريو، فإن العمل يستمد جاذبيته الأساسية وقوته من أداء محمود حميدة وطارق لطفي، يقدم حميدة شخصية جديدة عليه: القاضي الصارم العقلاني الذي يجد نفسه، بدافع حبه لحفيدته، مضطراً إلى خلع رداء القاضي وارتداء حذاء وقميص رياضيين لمطاردة المجرمين في غياهب "عزبة الجن".

ويقدم لطفي شخصية شرير، قدم مثلها من قبل، ولكنه يستطيع أن يُكسبها تفاصيل إنسانية وخاصة بشخصية بدر أباظة، حريصاً طوال الوقت على عدم الوقوع في تنميطها أو المبالغة في أداء الشر.

بجانب حميدة ولطفي، يضم "فرصة أخيرة" عدداً كبيراً من الشخصيات والممثلين يبرز منهم ندى موسى في دور دلال ابنة القاضي وأم الطفلة المخطوفة، ونورا مهدي في دور شقيقة بدر، وعايدة رياض في دور شوق، الجارة القديمة للقاضي وأخت مساعده، ورنا خطاب في دور علية، الفتاة ذات الندبة على وجهها، التي تخبئ الطفلة (مع خطيبها)، وتلقى مصرعها في النهاية، وحتى سينتيا خليفة، التي تعتمد على جمالها عادة، تجيد هنا في شخصية زوجة بدر السرية، ومن بين الشخصيات النسائية ربما تكون نادين في دور خطيبة القاضي هي الأقل حظاً في الكتابة والمساحة.

هناك أيضاً محمود حافظ في دور المجرم الأعرج، ومحسن صبري في دور محامي بدر، ومحمد علي ميزو في دور مساعد بدر، في مقابل ممثلين وشخصيات باهتة كثيرة ومن الطريف تميز الممثلات في هذا العمل، لأسباب غامضة، ربما يكون منها اختيارات الممثلين وتوجيهات المخرج التي تصيب أحياناً وتخيب حيناً.

من العناصر المميزة في "فرصة أخيرة"، ومع ذلك تعاني من حالات ضعف أحياناً، التصوير الذي يديره محمود عطا، فهو يبرع في مشاهد المطاردات والشوارع، ولكن هناك زوايا تصوير غريبة للمشاهد الثنائية تعاني من تكوينات غير متناسقة، خاصة في الحلقات الأولى، بالرغم من أنها أسهل من المشاهد التي تضم شخصيات كثيرة، ويمكن قول الشيء نفسه عن المونتاج والموسيقى التصويرية، حيث يتسارعان ويمتلئان بالقوة حينا، ويغطان في التراخي حيناً آخر.

بشكلٍ عام.. فإن "فرصة أخيرة" كان بإمكانه أن يكون واحداً من أكثر أعمال الموسم تميزاً بعالمه القضائي والبوليسي ونجومه، ولكنه أضاع الفرصة.

* ناقد فني

تصنيفات

قصص قد تهمك