
في زمن ما، عندما كانت دور العرض السينمائي هي المصدر الأساسي للمشاهدة، كان نجوم السينما يقدمون بعض المسرحيات التي يقبل عليها الجمهور بحماس شديد لمشاهدة نجومه المحببين وجهاً لوجه.
الآن، في زمن المنصات والفضائيات والدراما التليفزيونية التي أصبحت المجال الأساسي للنجوم، وخاصة في موسم رمضان الذي يشهد أكبر عدد من المسلسلات الحاشدة بكبار وشباب النجوم، يتحمس الجمهور للذهاب إلى دور العرض السينمائي، خاصة في عيد الفطر، لمشاهدة نجومهم المحببين على الشاشة الكبيرة، في أعمال أضخم انتاجاً وأسرع ايقاعاً وأكثر جرأة على مستوى الضحك أو الأكشن أو الدراما العاطفية. وهو ما يتحقق كأفضل ما يكون في فيلم "برشامة".
طريقة مضمونة!
أعتقد أن السبب الأول وراء النجاح الساحق الذي يحققه فيلم "برشامة"، حيث تقترب إيراداته من 100 مليون جنيه (2 مليون دولار)، بعد أسبوع واحد من عرضه، هو ذلك الحشد الهائل من نجوم الدراما التليفزيونية الذين حققوا أعلى نسب المشاهدة والنجاح في رمضان الماضي: مصطفى غريب، ميشيل ميلاد، ريهام عبد الغفور، باسم سمرة، كمال أبو رية، عارفة عبد الرسول، حاتم صلاح، فاتن سعيد، فدوى عابد، وليد فواز، بجانب هشام ماجد الذي يزيد من شعبية أي عمل تليفزيوني أو سينمائي يشارك فيه، وعدد آخر من النجوم الذين يعرفهم ويحبهم الجمهور بدرجات مختلفة.
هذا النوع من البطولات الجماعية، أصبح طريقة شبه مضمونة لجذب المشاهدين إلى دور العرض السينمائي، وحتى الأفلام التي تدور حول بطلين فقط أو ثلاثة، غالباً ما يظهر فيها عدد من "ضيوف الشرف" لرفع أسهم العمل في سوق التوزيع، ويسهل من ذلك الأمر وجود شركة كبيرة واحدة تكاد تحتكر الإنتاجين التليفزيوني والسينمائي، ويمكنها إقناع أي نجم أو نجمة بالمشاركة ولو في مشهد واحد قصير.
ويمكن القول أيضاً أن هناك حالة إيجابية من التعاون والود بين معظم النجوم، باستثناء بعض "الخارجين على الإجماع" الذين يفضلون العمل بمفردهم مثل محمد رمضان ومحمد إمام على سبيل المثال، وليس أدل على ذلك من قيام فريق عمل فيلم "إيجي بست" المنافس بعمل زيارة جماعية لحضور أحد عروض فيلم "برشامة" وتحية صناعه.
مقومات الضحك
ولكن بالطبع لا يكفي النجوم لإنجاح فيلم إن لم تتوفر فيه عناصر النجاح الأخرى أو بعضها، و"برشامة" يحتوي على عنصر آخر يضمن النجاح، وهو الكوميديا: وتحديداً ذلك النوع من كوميديا "الفارص" التي تتسم بالمواقف الهزلية العبثية والمبالغات الحركية والإيفيهات اللغوية الممتلئة بالايحاءات، خاصة ما يتعلق منها بالنصف الأسفل من الجسد.
والكوميديا في "برشامة" تعتمد على عدة مقومات يمكن أن نوجزها فيما يلي:
موضوع الفيلم الذي يدور حول ظاهرة الغش الفردي والجماعي في المدارس المصرية، وهي ظاهرة مؤسفة تتفاقم بمرور الوقت، حتى صارت "حقاً مكتسباً"، ولعب البعض يذكر حادث اعتداء أمهات الطالبات على معلمة رفضت السماح بالغش، ومثلها الكثير مما ساعدت كاميرات الهواتف المحمولة على رصده وبثه خلال السنوات الماضية.
موضوع الفيلم، بدايةً، يمس معظم المشاهدين الذين اختبروا أو شهدوا بعض المواقف المماثلة أو المشابهة سواء كطلبة أو كأهالي طلبة، وكل مشهد في الفيلم ربما يذكرهم بأحد هذه المواقف.
كوميديا الأرياف
نقطة أخرى مهمة فيما يتعلق بالموضوع هو اختيار مكان الحدث، إذ يخرج العمل من مركزية القاهرة، التي أصبحت بمرور الوقت وكأنها "لا مكان"، أو مكان بلا ملامح وخصوصية مميزة، بما أن "كل" الأعمال تدور فيها، مما أفقد السينما واحداً من أهم عناصر جذبها للجمهور، وهو مشاهدة عوالم وأماكن مختلفة.
ويبدو أن صناع فيلم "برشامة" لاحظوا أن عدداً من الأعمال الدرامية الأخيرة، مثل فيلم " السادة الفاضل" ومسلسل "ظلم المصطبة"، ومن قبلهما مسلسل "الكبير" بأجزاءه السبعة، كان من أسباب نجاحها أنها تدور في الريف أو محافظات أخرى غير القاهرة، ولذلك اختاروا لأحداث فيلمهم مدينة صغيرة خارج القاهرة تقع على الحدود بين الريف والحضر، ويحسب لصناع العمل التفاصيل الواقعية للمكان داخل المدرسة، رغم أن المشاهد الخارجية من الواضح أنها مصورة داخل استوديوهات القاهرة أو على مقربة منها.
كما في "السادة الأفاضل"، تعتمد الكوميديا في "برشامة" على بعض المظاهر والسلوكيات الريفية، ومن المعروف أن أهل الريف طالما كانوا أحد الموضوعات الأساسية للكوميديا المصرية، خاصة في النكت الشعبية، وفي المسرح ما قبل 1952، وكثير من أفلام الثمانينيات والتسعينيات.. وإن كانت معظمها تركز على الريفي الذي يأتي إلى العاصمة.. بينما "الكبير" و"السادة الأفاضل" و"برشامة" تدور أحداثهم في الريف نفسه.
تحت الحصار
من عوامل نجاح "برشامة" أيضاً بناءه الذي يدور في مكان وزمن محددين جداً، وهما المدرسة التي تجري فيها امتحانات الثانوية، ومدة الامتحان التي لا تتجاوز الساعتين، وضع الأحداث داخل هذا الإطار المكاني والزمني المحدد يعطي الانطباع بالإحكام البنائي للعمل، بالرغم من أن النظرة المدققة في هذا البناء تكشف عن خواءه وافتعاله الشديدين، لأن من المستحيل تجمع كل هذه الشخصيات وكل هذه الأحداث والمواقف داخل هذا الإطار المحدد.
هذا الإطار يتضمن أيضاً حصار شخصيات العمل داخله، رأيناه من قبل في أعمال حول طائرة مهددة بالسقوط، مثل "اعترافات زوج" لفؤاد المهندس وشويكار، أو مصعد معطل يضم عدداً من الشخصيات المتباينة، مثل "بين السماء والأرض"، أو "الارهاب والكباب" الذي يحبس فيه عدد من المواطنين داخل مبنى مجمع التحرير.
وفي الحقيقة كثير من شخصيات "برشامة" مقتبسة مباشرة من فيلمي "بين السماء والأرض" و"الإرهاب والكباب"، من هذه الشخصيات المرأة المثيرة ذات الملابس والسلوك الفاضح (هند رستم، يسرا، ريهام عبد الغفور بترتيب الظهور) في مقابل المتزمت الديني الذي ينتقدها (شفيق نور الدين، أحمد عقل، هشام ماجد بترتيب الظهور)، وكذلك الشخص الخطير الهارب من مصحة الأمراض العقلية في "بين السماء والأرض" التي لعبها عبد المنعم إبراهيم، والسجين الذي يفك وثاقه في "برشامة" والتي يلعبها حاتم صلاح في "برشامة"، وقبل كل هؤلاء شخصية الريفي الأبله بالطبع، التي يؤديها هنا مصطفى غريب، ابن العمدة (باسم سمرة) الذي يقود عملية "تغشيش" الفصل من الخارج.
إطار الزمان والمكان المحددين برع فيه وكتب من خلاله معظم أعماله السيناريست الراحل أحمد عبد الله، مثل "كباريه" و"الفرح" و"ساعة ونصف"، والحقيقة أن "برشامة" ينهل أيضاً بعض شخصياته ومواقفه ونكاته من هذه الأعمال، وخاصة الفيلمين الأخيرين.
وحتى يستطيع صناع "برشامة" أن ينوع شخصياته جعل الامتحان خاصاً بطلاب "المنازل"، أي الذين يدرسون الثانوية من خارج النظام المدرسي الرسمي، يعني كبار السن، المرضى، المساجين، وكل من لديه ظرف خاص يمنعه من الالتحاق بالتعليم النظامي، وليس الامتحان الرسمي للطلبة المعتمدين في المدارس، ومن خلال هذا الحل أصبحت الشخصيات تعبر عن قطاعات وفئات وأعمار مختلفة من المواطنين.
ضحكات يائسة
تعتمد الكوميديا في "برشامة" على كل من المواقف العبثية والـ"ايفيهات" اللفظية: المحاولات اليائسة للممتحنين للغش، ومنهم طالبة واحدة مجتهدة لكنها تعاني من الفزع بعد تهديد أخيها وخطيبها لها حتى لا تذهب إلى الامتحان، المراقب المريض الذي يسقط "ميتاً" بعد مشاجرة مع طالب يغش، ومحاولة الممتحنين إخفاء واقعة موته حتى ينتهون من استكمال الغش.
وفوق ذلك المحاولات العبثية للعمدة وأهالي الممتحنين في الخارج لتوصيل الإجابات الصحيحة إلى ذويهم داخل اللجنة، وبجانب هذه المواقف سلسلة أخرى من المواقف العبثية منها إصرار أحد الممتحنين، هشام ماجد، على الذهاب إلى دورة المياه لكي يستحم، اعتقاداً منه أنه لا يستطيع الإجابة على الأسئلة لإنه "نجس"، بعد تبول طفل على ملابسه، أو إجبار الطالبة الخائفة على استنشاق المخدرات لكي تسترخي، لاستحلاب بعض "إيفيهات" الحشاشين! منتهى العبث الذي يفترض بنا أن نصدقه، وأن نصدق كل هذه المشاهد التي تدور في الحمامات الرجالية والنسائية.
هذه المواقف غارقة بالطبع في عشرات الـ"إيفيهات" اللفظية والبصرية الكوميدية، وكثير منها ظريف وبعضها يدفع جمهور العيد إلى الضحك الهيستيري، خاصة ذات الإيحاءات "السفلية"، بعضها طبيعي وبعضها مفتعل، مثل حديث السجين عن حفر نفق للهروب على طريقة فيلم The Shawshank Redemption، أو المعلم الذي يختطفه العمدة لكي يساعد الممتحنين على الغش بالقوة، أو استخدام العمدة لميكروفون الجامع لكي يعلن الإجابات للممتحنين.
وبالطبع اختار صناع الفيلم مادة اللغة العربية للامتحان، أولاً لسهولة صنع نكات منها، وثانياً، كمعنى ضمني، للإشارة إلى المأساة التي تعاني منها اللغة العربية، خاصة هذه الأيام، من قبل أجيال كثير منها لا يعرف الفارق بين حرف الألف وكوز الذرة!
بهجة العيد
"برشامة" هو فيلم عيد تجاري بامتياز، ومصدر بهجة كبيرة لجمهور العيد المتعطش للضحك، يضم فريق ممثلين رائع، والسيناريو الذي كتبه كل من أحمد الزغبي وشيرين دياب مبتكر الفكرة وجيد في معظمه، والمخرج خالد دياب، صاحب الأعمال الكوميدية الناجحة مثل مسلسلي "أشغال شقة" و"أشغال شقة جداً" وفيلم "طلق صناعي"، وهو أيضا كاتب العديد من الأعمال الجيدة، يعرف كيف يدير ممثليه، وكيف يصنع الكوميديا، بالرغم من الملاحظات الخاصة بالاستهلاك المفرط للنكتة الواحدة أحياناً، وبالمبالغات التي تتجاوز أحياناً عبثية السيريالية إلى عبثية السخف!
هذا الإصرار على حلب واستدرار الضحك من كل موقف وجملة في الفيلم يشير إلى اقتناع صناع الفيلم، ومعظم صناع الأفلام الكوميدية المصرية بشكل عام، بضرورة "الاضحاك بأي ثمن" حتى لو كان الغش الصريح، في أحيانٍ كثيرة تفشل هذه المحاولات، ولكنها أحياناً، كما هو الحال في "برشامة"، تنجح.
* ناقد فني











