
من بين عشرات الأعمال السياسية الهجائية التي ظهرت في السنوات الماضية، وبالتحديد منذ وصول دونالد ترمب إلى الحكم، يبرز مسلسل The Boys كواحد من أكثرها هزلاً وعنفاً وعبثية لا يفوقها سوى الواقع نفسه، الذي يواصل إدهاش جمهور المسلسل وحتى صناعه بأنه أكثر عبثية وعنفاً وهزلاً من أي خيال.
في موسمه الخامس، الذي بدأ بثه على منصة أمازون برايم منذ عدة أسابيع، تظهر التشابهات بين المسلسل والواقع، في الحلقة الأولى يعقد هوملاندر (أنطوني ستار) مؤتمراً انتخابياً، حيث يرغب الآن في أن يحكم العالم بشكل مطلق، ويظهر بين الحشود شاب يرتدي غطاء الرأس الأحمر (شعار حملة ترمب)، يشبه المؤثر الذي تم اغتياله تشارلي كيرك، ولكن المذهل هو تنبؤ صناع العمل بدرجة الجنون التي سيصل إليها ترمب، بتخيل نفسه رسولاً سماوياً أو إلهاً على الأرض!
في الموسم، الذي بدأ عرضه مع بداية الحرب على إيران، يدفع جنون العظمة ببطل العمل وشريره "هوملاندر" إلى اعلان "إلوهيته"، وأن تظهر له أمه في هيئة قديسة لتشجعه على ذلك، مؤكدةً له أنه لا يقل بأية حال عن السيد المسيح.
الحلقة التي كتبت وصورت منذ شهور طويلة، عرضت بالتزامن مع قيام ترمب بنشر صورة له في هيئة السيد المسيح!
ليست هذه هي المرة الأولى التي يقارن فيها هوملاندر بترمب، ولا المرة الأولى التي يتنبأ فيها صناع المسلسل بأحداث ومواقف، على سبيل المبالغة الخيالية، تتحول إلى وقائع من لحم ودم.. لدرجة أن صانع المسلسل إريك كريبك في حوار حديث معه، وجه رجاءً ضاحكاً إلى جماعة ترمب بالتمهل قليلاً، لأن خيال صناع العمل لا يستطيع مجاراتهم في هذه الأفعال والأقوال التي يقومون بها!
تشابهات مدهشة
على أي حال، فمنذ موسمه الأول الذي بدأ عرضه في صيف 2019، في ذروة الفترة الأولى من حكم ترمب، والمقارنات بين الواقع والمسلسل، ثم بين المسلسل والواقع، لا تتوقف.
صحيح أن الفكرة ولدت في البداية على صفحات مجلات القصص المصورة المعروفة بالـ"كوميكس"، بقلم وريشة كل من جارث إنيس وداريك روبرتسون، حيث ظهر العدد الأول منها في 2007، لكنها جاءت مختلفة وغاضبة وفاحشة ومثيرة للجدل منذ اللحظة الأولى. فهي على عكس معظم القصص المصورة ليست موجهة للصغار، بل للراشدين، تمتلئ بالعنف والعري والكلمات النابية، وقد نجحت لأنها قلبت كل شيء يتعلق بقصص الأبطال الخارقين، فالخارقون هنا (أشباه لسوبرمان وباتمان وسبايدرمان وولفرين..) أو Supes كما يطلق عليهم، هم الأشرار، الذين يقتلون الأبرياء ويكذبون ويعهرون، وهم ليسوا نتاجاً طبيعياً للفطرة، وإنما كائنات مصنعة في المعامل على أيدي أجهزة المخابرات والعصابة الرأسمالية التي تدير العالم، أما الأبطال، الفتيان الذين تحمل القصص اسمهم، فهم مجموعة من الناس العاديين الذين اكتشفوا حقيقة الخارقين ويسعون إلى الانتقام وتخليص العالم من شرهم!
هذه الصورة، التي ربما تكون قد ولدت من عقل ساخر عابث، حققت حضوراً على الفور لأنها بطريقة بسيطة ومرحة أظهرت الوجه الآخر لأميركا، المختفي وراء قصص الأبطال النبلاء الإنسانيون المسالمون العادلون الديموقراطيون، وكشفت عن الكيان القبيح، المسمى بشركة Vought International، منتجة عقار V الذي يحول الأطفال إلى مسوخ خارقين، وتسعى إلى السيطرة على العالم من خلال سرديات البطولة الزائفة!
توأم سيامي ملتصق
بطريقة مُلهَمة ومُلهِمة تزامن ظهور القصص المصورة ومشروع إنتاج ثلاثية أفلام عنها، تحول إلى إنتاج المسلسل، مع مجيء دونالد ترمب إلى السلطة في 2017، ولذلك يمكن القول أن كل من The Boys و"الترمبية" قد ولدا في اللحظة نفسها، أو ربما كانا توأم سيامي ملتصق!
ليس أدل على ذلك من هذا التشابه والتزامن بين الشخصيات والأحداث، والتصاعد الدرامي للمسلسل، وما يحدث في إدارة ترمب سواء في فترته الأولى أو الثانية، المسألة هنا أن الاستعارة تتجاوز الصفات الجوهرية بين العالمين إلى تفاصيل محددة تثير الدهشة، وأنها تسير في اتجاهين: المسلسل يأخذ من الواقع، والواقع يتحقق كما في المسلسل، ويحضرني هنا فيلم "بطل من ورق" (إخراج نادر جلال، 1988) الذي لعب فيه ممدوح عبد العليم شخصية مؤلف يفاجأ بأن أحداث روايته البوليسية التي لم تنشر بعد تتحقق في الواقع.
من هذه التشابهات، مثلاً، شعار "لنجعل أمريكا فائقة مرة أخرى" Make America Super Again الذي يتشابه مع شعار حملة ترمب.
منها أيضا استخدام شركة "فوت" لبطاقات التداول الالكتروني NFT التي جاءت في الموسم الأول ثم نفذها ترمب بالفعل، ومنها قيام هوملاندر بالترويج لمطاعم "فوت برجر" ثم قيام ترمب بالترويج لمطاعم "ماكدونالدز" بالطريقة نفسها!
في الموسم الثاني الذي عرض في 2020، يقوم خارق اسمه "الصقر الأزرق" (لون ملابس الشرطة الأميركية) بقتل مواطن من أصول إفريقية دون سبب، في إشارة إلى مقتل جورج فلويد، الذي أشعل مظاهرات الغضب في الولايات المتحدة، والتي أطلقت شعار Black Lives Matter، وهو الشعار الذي استبدله المسلسل ساخراً بـ Supes Matter!
النازي الأميركي
حتى ما كان يمكن أن يعتبر مبالغات لا تعقل، مثل انخراط هوملاندر في الموسم الثاني في علاقة عاطفية ساخنة مع خارقة نازية اسمها "ستورمفرونت" (آية كاش)، تضع شعار الصليب المعقوف، وهي حسب المسلسل أول خارقة تنتجها الشركة بنجاح وكانت زوجة فريدريش فوت مؤسس الشركة النازي! هذا الخيال لم يعد الآن مستغرباً مع آلاف صور المظاهرات العالمية، التي تجمع ترمب ونتنياهو والنازي في فريق واحد.
من الطريف أن المسلسل، الذي يسخر من اليمين المحافظ ووسائل إعلامه (محطة تليفزيون "فوت" هي نسخة من "فوكس نيوز")، قد اعتبره كثير من هؤلاء المحافظين، على الأقل في موسميه الأول والثاني، نموذجاً مثالياً لهم، لدرجة أن أحد مؤيدي ترمب حضر حشد انتخابي عقب عرض الموسم الأول مرتدياً ملابس هوملاندر!
يقول إريك كريبك في أحد حوراته أن هدفهم كان صنع عمل يشبه رواية 1984 لجورج أورويل، والرواية كما نعلم ترسم صورة لدولة ديكتاتورية فاسدة (ديستوبيا) تتسم بالمبالغات الحادة التي تنبه الناس إلى خطورتها، ولكن ما حدث هو أن العصر الحالي أصبح يشابه أو ينافس هذا الخيال بما لا يقاس، وأن الواقع يتكشف كل يوم عن عالم أكثر فساداً.
العصر الابستيني
ولعل أكثر التشابهات بين The Boys والواقع (منذ الصفحات الأولى للقصص المصورة وحتى الموسم الخامس للمسلسل)، هو حفلات المجون والانحلال الجنسي الذي يعيش فيها الخارقون والمسئولون في الشركة الحاكمة، والتي تضاهي بشكلٍ لا لبس فيه ما يخرج يومياً من تسريبات ملفات جيفري إبستين.
ومع أن "الترامبيين" انتبهوا لخطورة المسلسل عليهم بعد ذلك، إلا أن الكثيرين منهم لا يستطيعون اخفاء اعجابهم وتمثلهم بأشرار العمل، وهذه الفكرة نفسها كانت محور آخر مشهد في الحلقة الأخيرة من الموسم الثالث (2024) حيث يقوم هوملاندر (الذي تتمثل إحدى قدراته الخارقة في اطلاق أشعة ليزر فتاكة من عينيه)، بقتل مواطن برئ يتظاهر ضده بمنتهى الوحشية، والجمهور الذي تأخذه الصدمة لثوانٍ ينفجر في التصفيق والهتاف عقب ذلك!
والسؤال المحير الذي يطرحه المشهد والمسلسل والواقع اليومي حولنا هو: لماذا يحب الجمهور شخصية قبيحة، شريرة، مختلة نفسياً مثل هوملاندر؟ لماذا ينتخبون ويحبون شخصاً مثل ترامب؟ ويتباهون بذلك علناً؟!
* ناقد فني











