
من حلقات منزلية الصنع على اليوتيوب إلى فيلم بمشاركة وتوزيع منصة نتفليكس قطعت سلسلة "الخلاط" رحلة طويلة امتدت من 2017، عندما كان العمل في مجال صنع الأفلام والدراما تجربة محفوفة بالمخاطر، وحتى 2022، عام صدور فيلم "الخلاط+"، الذي عرض على المنصة الأشهر في العالم، محققاً ردود فعل ومشاهدات جيدة في العديد من البلاد واللغات.
بعد 4 سنوات يعود "الخلاط" للعمل من جديد، على منصة نتفليكس أيضاً، ولكن هذه المرة على هيئة مسلسل بعنوان "الخلاط+: الصحراء لا تفاوض"، والذي يتكون من 4 حلقات (أو أفلام) قصيرة، يجمع بينها أنها تدور في صحراء المملكة، ولكن بقصص وشخصيات مختلفة.
ليس واضحاً بالنسبة لي الفارق بين "الفيلم" و"المسلسل"، فكلاهما، ومن قبلهما حلقات اليوتيوب، تتبع البناء نفسه: قصص قصيرة منفصلة تحت عنوان واحد، يمكن مشاهدتها وفق أي ترتيب، ويمكن اسقاط مشاهدة أي منها دون تأثير يذكر، وربما يكون السبب إنتاجياً بحتاً، فالمسلسلات أكثر جماهيرية، كما أن توصيف "مسلسل" أقرب لطبيعة العمل من وصفه بالفيلم، بالرغم من أن الكلمة الأنسب قد تكون "أنثولوجي" أو "مجموعة" أفلام، مثلما نقول في الأدب "مجموعة قصصية"!
"خلاط+: الصحراء لا تفاوض"، مثل أجزاءه السابقة، من انتاج "تلفاز 11" وتأليف علي الكلثمي بالمشاركة مع محمد القرعاوي، بالإضافة إلى اثنين من الكتاب والمخرجين الشباب وهما عزيز الجسمي ومحمد العجمي، ويشارك في الحلقات، أو الأفلام، الأربعة عدد كبير من الممثلين الموهوبين.
نقلات مفاجئة
تحمل الحلقة الأولى عنوان "آخر محطة على طريق (طرييل) الموت" وكلمة "طرييل" الموضوعة بين قوسين عليها خط محو (/) في العنوان المكتوب على الشاشة. هذا اللعب بالعلامات مع الكلمات يتماشى مع عنوان العمل الذي يحمل علامة (+).
تدور الحلقة، التي أخرجها عزيز الجسمي وشارك في كتابتها مع محمد القرعاوي، على طريق صحراوي مهجور،عرف بخطورته، ما جعله مفضلاً لدى عصابات تجارة الممنوعات، حتى أطلق عليه "طريق الموت" بسبب الحوادث التي كثيراً ما يتعرض لها العابرون.
ولكن يشاء حظ أسرة بسيطة مكونة من أب عجوز مريض وأم مناكفة وثرثارة وابنة صغيرة وابن مراهق، حائر بين الخوف من أبيه المتسلط ورغبته في إثبات ذاته.
الجزء الأول من الفيلم، أو الحلقة، الذي يركز على الأسرة داخل سيارتهم، ظريف للغاية: فهد نجر بماكياج ثقيل، في دور العجوز أبو مطلق، وأمل إبراهيم النجيدي في دور زوجته، أم راكان، يمكن أن يصبحا محوراً للحلقة كلها، غير أن الأحداث سرعان ما تتخذ مساراً مختلفاً مع نفاذ وقود السيارة ووصولهم إلى محطة وقود لا تعمل، لتبدأ ليلة عجيبة من المغامرات والإثارة، يلعب فيها محمد الدوخي شخصية حارس المحطة الأعمى صاحب الاسم الغريب "أبو مرداع"، الذي يرى ويقاتل أفضل من بروس لي وكلينت إيستوود، وحيث يصبح راكان، المراهق، (عمر القاضي) هو الشخصية المحورية الذي يتحول بنهاية الأحداث ويكتسب الثقة بالنفس والنضج، يدفعه إلى ذلك التمثل ببطولة أبي مرداع، والرغبة في إبهار الفتاة الجميلة نادية (منال الأحمد) التي تصل إلى المحطة مع صديقاتها، بجانب أتوبيس يحمل عدداً من الحجاج وأفراد من عصابات المخدرات!
سيناريو الحلقة يضم شخصيات كثيرة وخطوط متشابكة من حكاية أسرة راكان، إلى لغز أبو مرداع إلى عصابة المخدرات التركية ومحاولات الشرطة للتصدي لها وحتى سيارة الفتيات وباص الحجاج، ما يصلح لعمل فيلم طويل، وهو ما يتسبب في نوع من التغير المفاجئ في الإيقاع ولون الفيلم بسرعة، من البداية الكوميدية إلى الغموض والرعب إلى الأكشن، دون تمهيد أو لحظات انتقال كافية، ويظهر ذلك كمثل واضح في المشهد الذي يتم فيه الاستعانة بشاشة فوق الشاشة تعرض بعض صفحات الجرائد التي تكشف للمشاهد عن ماضي وسر أبو مرداع، وكأنها كافية لقلب الصفحة من غموض الغيبي والأسطوري إلى وضوح الأكشن البوليسي.
ما يجعل كل هذه الخطوط والشخصيات غير المشبعة والانتقالات المفاجئة مقبولاً ومستساغاً، هو حالة الكوميديا العبثية التي تلف الحلقة، والتي تميز سلسلة "الخلاط" عموماً، إذ يتبين على مدار الحلقات كلها أننا أمام عالم سيريالي موازٍ يأخذ من الواقع ولكن لا يشبهه.
ميكي ماوس صحراوي
في الحلقة الثانية "انتقام جربوع"، التي أخرجها وشارك في كتابتها عزيز الجسمي أيضاً، ندخل إلى هذا العالم السيريالي منذ اللحظة الأولى: مطاردة عجيبة بين شابين وجربوعين (فأرين كبيرين) صحراويين تنتهي بقيام أحد الشباب بالإمساك بالجربوع الصغير وهروب الأكبر (ربما يكون الأم أو الأب)، وتدور الحلقة حول محاولات الجربوع لاستعادة طفله والانتقام من الشاب والبشر الذين يقتحمون على الجرابيع خلوة الصحراء!
عقاب (زياد العمري) يعمل حارس أمن في شركة خاصة، ولكنه يهوى صيد الحيوانات البرية، مثل الجرابيع، على حساب اهتمامه بعمله، وعندما يعود من صيد الجربوع يجد في انتظاره مهمة المشاركة مع زملاءه في حراسة عرض أزياء عالمي يقام في قلب الصحراء، تشارك فيه عارضة الأزياء العالمية جيجي (المغربية مريم بو قديدة)، ولكن ينقلب الحفل إلى فوضى عارمة بسبب حماقة عقاب وعمليات التخريب التي يقوم بها الجربوع من أجل استعادة ابنه!
باستثناء المزج بين التحريك (للحيوانات المصممة بواسطة الكمبيوتر) والممثلين، فإن الحلقة اعادة تدوير لحكاية الحب بين الحارس الفقير والنجمة الشهيرة، ولكن من خلال الحس الكوميدي العبثي الذي يصل هنا إلى حدود "الفارص" (المبالغة الكوميدية)، وعلى أي حال هناك كيمياء لطيفة بين العمري وبن قديد في دوري الحارس والعارضة الجميلة.
المريخ في شبه الجزيرة
تحمل الحلقة الثالثة "سباق المريخ" (إخراج وتأليف محمد العجمي) فكرة "سياحية" مختلفة، إذ يؤدي خبر عن قرب وصول سفينة فضاء صينية إلى المريخ إلى جنون الأميركيين الذين يقررون "تزييف" رحلة أميركية تصل إلى الكوكب الأحمر قبل الصينيين من خلال تصوير تمثيلية في الصحراء السعودية التي تمتاز أجزاء منها باللون الأحمر.
وتوحي الحلقة بأنهم فعلوا ذلك من قبل بفيلم الصعود إلى القمر، ومن الشائعات المنتشرة على الإنترنت أن المخرج الذي قام بإخراج هذه التمثيلية هو ستانلي كوبريك (وسبب الربط بين الإثنين غالباً هو فيلم Space Odyssey 2001 الذي قام كوبريك بصنعه في 1968، قبل وصول المركبتين الأميركية ثم السوفيتية إلى سطح القمر بعام كامل.
في محاكاة ساخرة لتنافس القطبين الأميركي والسوفيتي على الوصول إلى القمر، ترسم حلقة "سباق المريخ" منافسة مماثلة بين الأميركيين والصينيين، ولكن في قالب هزلي عبثي، إذ تعهد مهمة إخراج تمثيلية الصول إلى المريخ إلى مخرج سعودي شاب ناشئ، محدود الإمكانيات، وإن كان لا يكف عن الشكوى طوال الوقت من عدم توفر الفرصة المناسبة له، ويؤدي عبد الله الدريس دور الشاب، الذي يدعى سعد، بخفة دم وعصبية محببة، حيث يساهم توتره وغضبه الدائمين في شد الإيقاع وصنع حالة من انتظار الكارثة القادمة.
وأظرف ما في الحلقة بجانب السخرية من أكاذيب المتنافسين الكبيرين، هو "النكات الداخلية" التي تحتويها الحلقة على "تلفاز 11" وفيلمهم "مندوب الليل" (إخراج علي الكلثمي وبطولة محمد الدوخي) الذي حقق نجاحات هائلة في شباك التذاكر والمهرجانات، ومن الطريف أن كل من الكلثمي والدوخي يظهران في الحلقة!
إبداع محلي الصنع
فيما تبدو قصة المريخ "عالمية" وتسعى بشكل ثانوي إلى جذب الأنظار إلى الإمكانيات الطبيعية السينمائية لدى المملكة لتصوير أفلام خيال علمي وغيرها، خاصة مع استعانة الحلقة بممثلين أجانب (وهو ما نجده أيضاً في حلقة "انتقام جربوع")، فإن الحلقة الرابعة والأخيرة بداية بعنوانها "لسان معقود" وحتى نهايتها، هي إبداع "محلي" تماماً، كفكرة وقصة وحوار وتنفيذ.
تدور الحلقة، التي كتبها وأخرجها علي الكلثمي حول شاب يكتب الشعر النبطي (اللهجة العامية)، يؤدي دوره فهد المطيري، يعاني من التلعثم ونقص القدرة الإبداعية، مقارنة بأبيه الشاعر الراحل، ما يعرضه لمواقف محرجة إلى أن يظهر له فجأة رجل بدوي غريب يدعى ظافر الأشول (يؤدي دوره الشاعر المعروف مانع بن شلحاط) يقوده نحو "وادي عبقر"، حيث يلتقي بجني الإلهام وجهاً لوجه.
الحلقة تتميز بكوميديا موقف وتمثيل بارعين، كما تضم عدداً من الشعراء وبعض القصائد الجميلة، بجانب قدرة الكلثمي على صنع مزاج غرائبي يثير الرهبة في الأوصال، ويظل كوميدياً ساخراً طوال الوقت.
في شكله "المسلسلاتي" الجديد ينتقل "الخلاط" إلى مرحلة جديدة تحمل إمكانيات إنتاجية أكبر، وتنوع في الأسماء من مشاركين في الإخراج والتأليف وممثلين، مع حرفية تنفيذ أكثر إتقاناً، بالرغم من أن الكتابة ليست على المستوى نفسه في بعض الحلقات.
* ناقد فني











