
بعد انتظار الجمهور نحو 3 سنوات وصل الموسم الخامس من مسلسل "اللعبة" على منصة "شاهد" حاملاً التعبير الكروي المعروف "الكلاسيكو"، وأسماء نجومه المحبوبين هشام ماجد، وشيكو، وبقية العصابة التي عرفها عشاق المسلسل، وحفظوا شخصياتهم ولزماتهم، بجانب أسماء جديدة على رأسها أشرف عبد الباقي، وضيوف شرف منهم المغني محمد محيي، والراقصة جوهرة، والممثلين مصطفى أبو سريع، وميشيل ميلاد.
كوميديا كارتونية
لكن رغم طول الانتظار وطول التحضير للعمل والوعود الكبيرة التي حملها، جاءت الحلقات الأولى من العمل مخيبة للآمال، تعاني من ترهل وفتور حتى بدا وكأن العمل وصناعه قد فقدوا لياقتهم تماماً.
ولكن سرعان ما بدأ "اللعبة"، مع عودة الشخصيات إلى اللعب، في اكتساب تشويقه المعتاد، وإن كان بدرجات تتراوح من لعبة إلى أخرى وحلقة وأخرى.
وبعد مرور ما يقرب من ثلثي المسلسل الذي يتكون كالعادة من 30 حلقة، يمكن استخلاص بعض الملاحظات والتقديرات العامة لواحد من أكثر الأعمال شهرة وشعبية في السنوات الأخيرة.
منذ 7 سنوات تقريباً عرض الموسم الأول من مسلسل "اللعبة" على منصة "شاهد" فحقق مشاهدات وردود فعل استثنائية وضعته ضمن أكثر الأعمال نجاحاً على المنصة، كان ذلك في فترة جائحة فيروس كورونا التي ألزمت الناس بيوتها، يتلهفون على لحظة ضحك ومشاركة، ونجح في ذلك الوقت أيضاً مسلسل Alice In Borderland الياباني، الذي يدور عن فكرة مماثلة وان كانت أكثر خيالية وعنفاً وابداعاً فنياً، وسرعان ما ظهر مسلسل Squid Game (لعبة Squid Game) في العام التالي، ليصبح واحداً من أنجح الأعمال العالمية على منصة "نتفليكس".
بين "اللعبة" و"Alice In Borderland" و"Squid Game" أواصر قرابة تعود إلى الفكرة الأساسية التي ترى العالم كلعبة بين فرق أو أفراد يتنافسون حتى الموت من أجل الثراء أو النجاة، أو لمجرد الشعور بمتعة اللعب والفوز، على الرغم من أن المقارنة بين الأعمال الثلاثة يمكن أن تكشف 3 وجهات نظر في الدراما والعالم تعكس ثقافات مختلفة وتتراوح في مدى عمقها وتماسكها الفكري والدرامي.
"اللعبة" عمل كوميدي "كارتوني" الطابع، فشخصياته وأحداثه ليست فقط "خيالية" ولكن عبثية وارتجالية مثل الحوارات الكوميدية التي يتبادلونها في ما بينهم، صحيح أن كل من "Alice In Borderland" و"Squid Game" أكثر خيالية، ولكن لكل منهم فرضيته ومنطقه الواقعي الخاص، وصحيح أن عبثية "اللعبة" ليست شيئاً سلبياً في حد ذاته، فالحياة يمكن أن ينظر إليها كلعبة عبثية ومجرد تهريج في تهريج، كما أن الدراما يمكن أن ينظر إليها كمجرد وسيلة للتسلية والضحك، والمهم هو إقناع المشاهد وتوصيل الهدف من العمل.
وعلى مدار مواسمه الخمسة لا يستقر "اللعبة" على حال، فأحياناً ينجح بشدة في صنع عالم سوريالي كوميدي، وأحياناً يتحول إلى مجرد حشو لمواقف و"إيفيهات"، وينتابه كسل إبداعي وانتاجي ملحوظ، وينطبق هذا على الموسم الخامس على وجه الخصوص.
قالب فضفاض
رغم أن كتابة الموسم، كما ذكرت، استغرقت عاماً كاملاً، على حد تصريح مؤلف العمل أحمد سعد والي؛ في حوار صحافي، لكن مشكلات العمل تبدأ من الكتابة، ويبدو أن مشاركة أكثر من شخص جعلت أجزاء وعناصر العمل مفككة؛ وغير متجانسة، وأن قالب الـ 30 حلقة كان أكبر من قدرتهم على ملء هذه الحلقات بدراما متماسكة وأحداث كافية وألعاب مبتكرة.
يبدأ الموسم بمازو (هشام ماجد) وقد استولى على أموال فريقه وراح يستمتع بوقته، بينما يعاني وسيم (شيكو) من ضائقة مالية طاحنة، ولكن سرعان ما تعود اللعبة بشكل مختلف، إذ يتحول صوت مصمم ومدير الألعاب على الهاتف إلى "هالوجرام" بصورة وصوت أشرف عبد الباقي، وليس من المفهوم من هو ولماذا يفعل ذلك ويدفع ملايين الجنيهات للمجموعين المتنافستين.
في الوقت نفسه، ورغبة من صناع العمل في مد خطوط ومساحات فإن وسيم يعمل كسائق "أوبر" في بداية الحلقات، ثم يلتحق هو وفريقه وزوجته إسراء (ميرنا جميل) وأسرتها بالعمل في قرية سياحية غريبة كان اسمها "الفستق" حولوه إلى "البيستاشو"، بينما يلتحق مازو، بناء على ضغط زوجته شيماء (مي كساب) للعمل في شركة لتجريب المنتجات الجديدة، أما شيماء التي فقدت الكثير من وزنها الآن فأصبحت مصممة أزياء وصاحبة شركة، وهو خط فرعي آخر يشغل بعض وقت العمل.
وكل من "أوبر" وقرية الفستق وشركة اختبار المنتجات وعروض الأزياء، تتيح بالفعل مساحات كبيرة للتنويع والضحك ولكن استغلال هذه المساحات يأتي كثيراً سطحياً على مستوى الكتابة والتنفيذ.
عمل وسيم كسائق لا يستغل تقريباً، وقرية "الفستق" قد تكون محاولة لاستنساخ فكرة قرية "المزاريطة" من مسلسل "الكبير"، ولكن قصصها وشخصياتها نحيفة وتبدو ملصقة بالعمل.
لحظات مبتكرة
على العكس فإن فكرة شركة "اختبار المنتجات" مبتكرة وتحمل طاقات كوميدية كبيرة تؤهلها لتكون محوراً لمسلسل كامل، ولأنها خط ثانوي في "اللعبة 5" فحكاياتها تعرض بشكلٍ عابر وسريع، رغم أن بعضها يستحق المزيد، وبشكلٍ عام تنجح هذه الخطوط الموازية حين تتداخل مع الخط الرئيسي، أي حين تصبح جزءاً من الألعاب، كما يحدث في الحلقة 17 التي يضطر فيها مازو، وفقاً لقواعد اللعبة، إلى الالتصاق بالشاب المكتئب كوكب (ميشيل ميلاد) من زملائه في شركة المنتجات، ومعهما مرتبة مخصصة للوضع أسفل الأماكن التي يسقط منها المنتحرون!
لكن هذا الاندماج بين الخطوط الدرامية والشخصيات قلما يحدث في العمل، ولذلك تبدو أحياناً وكأنها فقرات متجاورة من مسلسلات مختلفة.
وفي سبيل البحث عن مزيد من المساحات تحتوي الحلقات الأولى من الموسم على أغاني استعراضية تذهب به في اتجاه "المسلسل الاستعراضي"، وفوق أن الأغاني والاستعراضات المقدمة ضعيفة، فقد أثقلت أيضاً على الايقاع، ومن الملفت أن صناع العمل سرعان ما تخلوا عن هذه الفكرة، وليس معروفاً ما إذا كانوا سيعودون إليها في الثلث الأخير.
أحد هذه الاستعراضات مأخوذ من أغنية لمحمد محيي والذي جرى الاستعانة به ليشارك في الأغنية بشكل عبثي، إذ يظهر ويختفي فجأة؛ وربما كانت الفكرة طريفة لكن تنفيذها لم يأت على المستوى المطلوب.
اصطناع الأزمة
في الموسم الخامس تبقى الشخصيات الرئيسية كما هي: فريق وسيم وإسراء وزوج أمها (سامي مغاوري) وجميل (محمد ثروت)، وغريب البواب (محمد أوتاكا)، وفريق وسيم وشيماء وأمها (عارفة عبد الرسول) وسعدون (أحمد فتحي) وعصفورة (محمد عمرو الليثي)، ولأن الشخصيات لم يعد بإمكانها أن تنمو أو تتطور، فقد سعي صناع الموسم الجديد إلى عمل تغيير كبير باصطناع أزمة عاطفية بين العاشقين المثاليين وسيم واسراء تدفعهما إلى الطلاق؛ والسبب غريب: تقرر اللعبة أن تختفي اسراء في مكان ما والفوز للفريق الذي يعثر عليها أولاً، وينجح وسيم بالخداع في معرفة مكانها قبل زوجها، ما يثير غضبها ويتسبب في شجارهما وانفصالهما.
ليس الغريب أن السبب قد يكون غير مقنعاً، ولكن ما يحدث بعد ذلك من تبادل للشتائم والإهانات المبالغ فيها من قبل إسراء وأسرتها لوسيم في كل حلقة تقريباً، ومن مد لخط فرعي لأحد أقارب إسراء الذي يعود من السفر لخطبتها، ومثل الخطوط السابقة لا تندمج داخل الخط الرئيسي إلا قليلاً، كما يظهر حين تخسر إسراء عن عمد نكاية في وسيم، وبشكل عام تضعف غلبة التهريج اللفظي من منطقية الدراما وتماسك خطوطها.
لعبة فوق.. لعبة تحت
نأتي إلى الألعاب نفسها، وهي محور وقلب العمل: هناك تفاوت كبير في مستوى الأفكار؛ بعض الألعاب مبتكر مثل تحويل 500 جنيه إلى نصف مليون، أو الالتصاق بأقرب شخص تجده بجوارك، أو سرقة شيء من قائد الفريق الآخر، ولكن بعض الألعاب مألوفة أكثر من اللازم، مثل لعب الكراسي الموسيقية في ميدان محمد فريد (وهي من أضعف الحلقات بالمناسبة على الرغم من أنه جرى تصويرها في الميدان على عكس الديكورات الضيقة المتواضعة التي تدور فيها معظم الأحداث)، أو لعبة معرفة الشخص أو الشيء المراد من أسئلة نعم ولا (وهي نسخة من لعبة معرفة أسماء الأفلام).
ويفاقم من مشكلات الموسم الجديد من اللعبة؛ أن المخرج الموهوب معتز التوني يبدو بعيداً عن لياقته المعتادة، والأمر نفسه ينطبق على الممثلين الذين يكتفون أحياناً بترديد الحوار الركيك المكتوب؛ أو محاولة تقويته بالارتجال وتبادل النكات اللفظية.
مع ذلك تظل هناك لحظات من الضحك الخالص والتألق تظهر هنا وهناك، لتذكرنا بالأسباب التي جذبت الملايين إلى المسلسل وصنعت له عشاقاً مخلصين.
على أية حال من الملحوظ أن "اللعبة 5"، على عكس المعتاد في المسلسلات، يزداد قوة مع مرور الحلقات، وربما تخبئ لنا الحلقات المتبقية أفضل ما لدى فريق اللاعبين المحترف.
* ناقد فني














