
حين أطلق المخرج الفرنسي جان فيلار عام 1947 أولى دورات مهرجان أفينيون، لم يكن يتخيّل أن الفكرة التي وُلدت في ساحة قصر البابوات ستتحوّل إلى أكبر تظاهرة مسرحية في العالم، وأحد أهم المختبرات الدولية لتجديد فنون العرض الحي. واليوم، وبعد ثمانين عاماً من التأسيس، يواصل مهرجان أفينيون تأكيد حقيقة بسيطة: كلما أعلن البعض موت المسرح، وجد هذا الفن العريق طرقاً جديدة للعودة إلى الحياة.
يُعدّ مهرجان أفينيون أكثر من مجرد مناسبة فنية؛ فهو حدث ثقافي واجتماعي يحوّل المدينة الفرنسية التاريخية إلى مسرح مفتوح. خلال أسابيع المهرجان تختفي الحدود بين الخشبة والشارع، وبين الفنان والمتفرج. الساحات والأزقة والجسور والحدائق تتحول إلى فضاءات للعروض والحوارات والقراءات واللقاءات الفكرية، فيما يتدفق آلاف الزوار من مختلف أنحاء العالم لمتابعة أحدث التجارب المسرحية وأكثرها جرأة.
منذ تأسيسه على يد جان فيلار، الذي كان آنذاك مدير "المسرح الوطني الشعبي" (Théâtre National Populaire)، ارتبط المهرجان بفكرة الديمقراطية الثقافية، أي جعل الفن متاحاً للجميع لا حكراً على النخب. ولهذا ما زال حتى اليوم يحتفظ بروحه الأصلية التي تجمع بين العروض الكبرى في قصر البابوات والعروض المجانية التي تنتشر في شوارع المدينة.
الشكّ بوصفه قوة إبداعية
وتنعقد الدورة الثمانون لمهرجان أفينيون بين الرابع والخامس والعشرين من يوليو؛ تحت شعار غير معلن، لكنه حاضر بقوة في كل تفاصيل البرنامج، وهو "الدفاع عن حق الفن في طرح الأسئلة".
في المؤتمر الصحافي الخاص بإطلاق الدورة الجديدة، قال مدير المهرجان تياجو رودريجيز: "يجب أن يكون أفينيون احتفالاً بالشك الذي يحمله الفنانون، وبقوة الأسئلة التي يستطيع الفن أن يطرحها على العالم، في زمن أصبحت فيه الأجوبة شديدة التبسيط من أجل مزيد من التلاعب".
وقد جسّد الملصق الرسمي هذا التوجه عبر خلفية صفراء فوسفورية تتوسطها علامة استفهام سوداء ضخمة مستوحاة من الخطوط الآسيوية، في إشارة إلى أن المسرح ما زال فضاءً للتفكير والنقاش والاختلاف.
وتضم الدورة الثمانون 47 عرضاً رئيسياً وأكثر من 300 فعالية وتقديم فني، مع طرح نحو 136 ألف تذكرة للجمهور.
كوريا الجنوبية ضيفاً على أفينيون
بعد أن استضافت الدورات السابقة لغات وثقافات ضيفة مثل الإسبانية والإنجليزية والعربية، اختارت إدارة المهرجان هذا العام اللغة والثقافة الكوريتين لتكونا ضيف الشرف.
يحضر المسرح الكوري بقوة عبر مجموعة من الأعمال التي تستعيد قضايا الهوية والذاكرة والتاريخ.
من أبرز هذه الأعمال مسرحية "الوقواق" (Cuckoo) للمخرج الكوري جاها كو، وهي تجربة مسرحية غير تقليدية تجعل ثلاثة أجهزة طهي بالضغط شخصيات رئيسية، ترمز إلى هشاشة العمالة الحديثة في المجتمع الكوري.
كما يقدّم المخرج كيونج سونج لي عرض "حكاية جزيرة" (Island Story)، وهو عمل وثائقي مسرحي يستعيد مجزرة عام 1948 في جزيرة جيجو، إحدى أكثر الصفحات إيلاماً في التاريخ الكوري الحديث.
الحضور العربي.. من ضيف إلى شريك أساسي
لم يعد الحضور العربي في مهرجان أفينيون حدثاً استثنائياً، بل أصبح جزءاً من هوية المهرجان خلال العقود الأخيرة.
في دورات سابقة، استضاف المهرجان أعمالاً لفنانين ومخرجين عرب بارزين من مصر ولبنان وتونس والمغرب والعراق وسوريا وفلسطين، كما خُصصت في بعض الدورات برامج كاملة للحوار مع الثقافة العربية المعاصرة. وشهدت ساحات أفينيون عروضاً لمخرجين مثل فاضل الجعايبي ولطيفة الأحرار وغيرهما من الأصوات التي أسهمت في تعريف الجمهور الأوروبي بتحولات المسرح العربي.
وكانت اللغة العربية نفسها ضيفة رسمية للمهرجان في إحدى دوراته الأخيرة، في اعتراف واضح بحيوية الإبداع المسرحي العربي ومكانته في المشهد الثقافي العالمي.
أما في الدورة الثمانين، فيبرز الحضور العربي من خلال أكثر من عمل لافت، من بينها عرض "البناء" (Bâtir) للفنان الفرنسي الجزائري سليم جعفري، الذي يستكشف آثار الاستعمار الفرنسي في الجزائر من خلال دراسة العمارة والتخطيط الحضري. ويجمع العمل بين المسرح الوثائقي والأداء الحي، ليطرح أسئلة حول الذاكرة والمكان والعلاقات المعقدة بين التاريخ والمدينة.
غير أن الحضور العربي الأبرز يأتي من مصر عبر المخرج والكاتب المسرحي أحمد العطار، الذي يقدّم عرضه الجديد "سلمى… يا حبيبتي" (Salma, mon amour).
يستعيد العطار، عبر عنوان يحمل صدى فيلم "هيروشيما حبيبتي" الذي أنجزه المخرج الفرنسي الكبير آلان رينيه عن كتاب مارجريت دورا الشهير بنفس العنوان، حياة أشخاص يعيشون على هامش الأحداث الكبرى. ومن خلال مزج المسرح بالسرد والأداء البصري، يتأمل هشاشة الحياة اليومية في منطقة تعيش أزمات متلاحقة، متسائلاً: "كيف يمكن للإنسان أن يعيد بناء حياته بعد أن يتحول العالم من حوله إلى رماد؟".
من إبسن إلى الأخبار المزيّفة
ومن الأعمال المنتظرة أيضاً التعاون الأول بين المخرجة البرازيلية كريستيان جاطاهي والممثل البرازيلي فاجنر مورا، الفائز بجائزة أفضل ممثل في مهرجان كان السينمائي.
ويحمل العمل عنوان "المحاكمة – بعد عدو الشعب"، وهو إعادة قراءة معاصرة لمسرحية هنريك إبسن الشهيرة "عدو الشعب". ويناقش العرض قضايا البيئة والعلاقة بين العلم والسياسة والسلطة والحقيقة في عصر المعلومات المضللة.
العودة إلى أسطورة "ماهاباراتا"
يحمل برنامج الدورة أيضاً بعداً احتفالياً بتاريخ المهرجان نفسه، ففي عام 1985 قدّم المخرج البريطاني الشهير بيتر بروك عرضه الأسطوري "ماهاباراتا" في مقلع بولبون الحجري المهجور قرب أفينيون، في تجربة استمرت تسع ساعات، وأصبحت جزءاً من ذاكرة المسرح العالمي.
وفي الدورة الثمانين يعود المهرجان إلى هذا الموقع التاريخي ليستضيف عرض "بوكلان 1، 2، 3" (Poquelin 1, 2, 3) لفرقة STAN الفلامنكية، وهو عمل يمتد لخمس ساعات، ويعيد قراءة عالم موليير بروح معاصرة ساخرة ومتمردة.
حين يصبح الجسد مرآة للعالم
أما ختام الدورة فسيكون في ساحة الشرف الشهيرة داخل قصر البابوات، حيث تقدم فرقة Collectif XY عرض "خطوة العالم" (Le Pas du Monde)، الذي يمزج بين الشعر والموسيقى وفنون السيرك.
في هذا العرض تتحول الأجساد إلى عناصر طبيعية متحركة، ترصد التحولات التي تصيب الكائن الحي ومرور الزمن، وكأن المهرجان يريد أن يختتم دورته الثمانين بالصورة ذاتها التي بدأ منها قبل ثمانية عقود: الإنسان في مواجهة العالم، والفن في مواجهة اليقين.
80 عاماً مرت على انطلاق مهرجان أفينيون، لكن السؤال الذي يرفعه ملصق الدورة الحالية ما زال مفتوحاً: هل يستطيع المسرح أن يغيّر العالم؟ وربما تكمن قوة هذا المهرجان في أنه لا يدّعي امتلاك الجواب، يواصل الدفاع عن حقنا جميعاً في طرح السؤال.








