
من السينما إلى وثائقيات المنصات يعود ملك البوب مايكل جاكسون إلى الحياة بعد 17 عاماً على وفاته، بكامل عنفوانه وشعبيته، في ظاهرة تكشف عن عالم جديد يتشكل في صناعة الترفيه.
977.5 مليون دولار حققها فيلم Michael في شباك التذاكر منذ عرضه في نهاية إبريل الماضي، ليصبح أنجح فيلم من نوع السيرة Biopic على مر التاريخ، متفوقاً على رائعة كريستوفر نولان Oppenheimer، الذي حقق أرقاماً قياسية في حينه، وإن كانت إيراداته قد توقفت عند حاجز الـ977.
الحنين يكسب
من الأسهل، نسبياً، فهم أسباب نجاح Oppenheimer الذي صحبته حملة دعاية على مواقع التواصل هائلة وغريبة من نوعها، إذ ارتبطت بدعاية لفيلم آخر هو Barbie، فيما عرف بظاهرة Barbenheimer، حيث أفاد كل منهما من شعبية الآخر، رغم الفارق الشاسع بينهما، وجعلت مشاهدة كلا الفيلمين والمقارنة بينهما أحد مواصفات المواطن "السوشيال ميدياوي" الصالح، بجانب أسباب أخرى مثل شعبية مخرجه واسم الشخصية المثيرة للجدل التي يدور عنها، مخترع القنبلة الذرية.
في المقابل، من الصعب فهم النجاح المدوي لفيلم Michael، فهو وإن كان يتناول حياة مغني البوب الأكثر نجاحاً وإثارة للجدل على مر التاريخ، إلا أن العمل نفسه يكاد يكون مجرد فيديو كليب طويل يضم مختارات من روائع أغنياته بصوته، أو واحد من تلك الأفلام الوثائقية العجيبة التي تستعين بممثلين مغمورين لأداء الشخصيات التاريخية.
ولكن لله في خلقه شئون، وللنجاح الفني والتجاري كيمياءه وأسراره الغامضة التي قد يمكن تخمين مكوناتها، ولكن من الصعب صياغة معادلاتها أو تكرارها.
أحد أسباب هذا النجاح هو عودة الاهتمام الفائق بمايكل جاكسون وأغانيه من قبل الجيل الحالي، كتجلٍ آخر لذلك الحنين إلى الماضي الذي بات أحد مقومات النجاح في صناعة الترفيه، وهو ما يمكن اختصاره في عبارة "النوستالجيا تكسب"، كما يشير التقرير الذي نشرته "الشرق" منذ أيام.
الإقبال منقطع النظير على فيلم مايكل جاكسون جزء من عودة الاستماع إلى أغانيه، وأغاني غيره من أساطير الغناء القدامى، التي راجت على المنصات، ولكن فيما يتعلق بجاكسون فمن اللافت أن الاهتمام مصحوب بميل إلى الجدل والاستقطاب لصيق بعصر الـ"سوشيال ميديا"، يغذيه وجود لغزين كبيرين غامضين، الأول يتعلق بالدعاوى القضائية والاتهامات المشينة التي طالت سمعته كمتحرش بالأطفال، والثانية تتعلق بموته المفاجئ وما صحبه من اتهام وإدانة لطبيبه الخاص بقتله، وإن كانت الأسئلة لم تزل مفتوحة عما إذا كان هذا القتل متعمداً أم مجرد اهمال، وما إذا كان هناك متورطون آخرون في الجريمة!
للنجاح ألغاز
اللغز الأول هو محور المسلسل الوثائقي الجديد Michael Jackson: The Verdict الذي بدأ بثه على منصة نتفليكس، ويتتبع في 3 حلقات، وحوالي 160 دقيقة، وقائع الدعوى القضائية التي شغلت العالم واستمرت 12 أسبوعاً في 2005.
المسلسل الذي أنتجه ديفيد هيرمان وأخرجه نيك جرين حقق حوالي 18 مليون مشاهدة خلال الأيام الخمسة الأولى من عرضه، واحتل المركز الأول في قائمة الأعلى مشاهدة في 61 دولة، ما يعكس أن الاهتمام بمايكل لا يقتصر على الفيلم، ولا ينصب فقط على الاستمتاع بأغانيه، وإنما يحمل رغبة في المعرفة، وفي المشاركة في الجدل الذي لا يتوقف حوله.
يستضيف صناع Michael Jackson: The Verdict الكثير من شهود العيان، والمحلفين وممثلي الادعاء والدفاع ممن شاركوا في القضية، وصحفيين قاموا بتغطية وقائع المحاكمة من داخل القاعة، ذلك أن المحكمة نفسها لم تسمح بدخول الكاميرات، ولكن كل هذه الشهادات المتضاربة، في نهاية المطاف، تترك المشاهد كما بدأ، إما حائراً، وإما تؤكد رأيه المسبق تجاه جاكسون، سواء كان سلباً أو إيجاباً!
يبدأ الفيلم بالحوار المطول الذي أجراه مايكل جاكسون مع الصحفي مارتن بشير قبل اندلاع نيران الاتهامات بشهور، وقتها لم يكن هناك سوى دعوى واحدة أقامتها أسرة أحد الأطفال، ليس معروفاً ما إذا كانت تستند إلى وقائع حقيقية أم نوعاً من الابتزاز المالي الذي تعرض له جاكسون بأشكال مختلفة، وكانت الدعوى قد تم تسويتها باتفاق مالي وبدا أن الأمر انتهى.
جاكسون الذي قبل باجراء الحوار مع بشير، مدفوعاً بحقيقة أن الرجل كان قد أجرى حواراً شهيراً مع صديقته الراحلة الأميرة ديانا، وحسب المسلسل لم يكن يدرك مايكل الساذج للغاية أن حوار بشير مع ديانا امتلأ بالأفخاخ وفاقم من كارثة حياتها، ولا أن الحوار الذي سيجريه بحسن نية سيتحول على يد بشير إلى أكبر فخ في حياته، وأنه سيؤدي إلى كارثة ماثلة لما حدث مع ديانا، ستنتهي بموته الصادم أيضاً!
بغض النظر عن حقيقة ما كان يدور في الغرف المغلقة بين مايكل جاكسون وعشرات الأطفال الذين كان يرعاهم ويهتم بهم في قصره الفاخر، فإن ما حدث خلال الحوار من ظهور لأحد الأطفال بصحبة جاكسون واعترافهما، ببساطة مدهشة، أنهما ينامان في السرير نفسه معاً، وأن ذلك الأمر يحدث مع أطفال آخرين وأنه طبيعي وتعبير عن الحب البرئ، قسم العالم إلى فريقين متناقضين، ولم يزل، تجاه جاكسون: الأول يرى أنه رجل مسكين عانى كثيراً في طفولته، فجعله ذلك حساساً بشكل خاص لمعاناة الأطفال، وحوله نفسياً إلى طفل دائم، أما الفريق الثاني فيرى أنه شيطان قام بايذاء العديد من الأطفال.
كما ذكرت يحمل Michael Jackson: The Verdict وجهتي النظر، على ألسنة شهود مختلفين، دون أن ينحاز لأيهما، وهو يفعل ذلك عبر التتبع الزمني الدقيق لسير المحاكمة وتتبع معارك الادعاء والدفاع والمفاجآت المتتالية التي راحت تتكشف واحدة وراء الأخرى، بعضها في صالح جاكسون، وبعضها ضده، وصولاً إلى الحكم النهائي ببراءته من كل التهم، قانونياً، بالرغم من ذلك لم يغير من قناعة الكثير من المقتنعين بأنه مجرم آثم!
وبعيداً عن موضوع المسلسل، فإن أهم ما يتميز به ليس قدرته على تغيير رأيك، ولكن كم المعلومات التي يحتويها، والتدفق السلس في سردها بشكلٍ منطقي ودرامي، وربما يرجع السبب في ذلك الخبرة الطويلة التي تتمتع بها نتفليكس في صنع هذا النوع من "قصص الجريمة الحقيقية" True Crime الذي أعادت من خلاله فحص عشرات الجرائم الشهيرة والمحاكمات التي دارت حولها، دون أن تتورط في اتخاذ مواقف عاطفية منحازة تجاه أي من أطرافها.
جريمة مكتملة الأركان
على العكس ينحاز صناع فيلم Killing Michael Jackson، الذي بدأت في بثه منصة شاهد، نحو إدانة الطبيب كونراد موراي، الذي عمل كطبيب ومساعد خاص لمايكل جاكسون خلال السنوات السابقة لوفاته، وتلخص عمله تحديداً في تخدير النجم الذي كان يعاني من آلام مبرحة عقب الحريق البشع الذي تعرض له أثناء إحدى الحفلات، وهو الحادث الذي يعرضه بالتفصيل فيلم Michael بالرغم من أحداثه سرعان ما تنتهي عقب شفاءه، دون التعرض للآثار الوخيمة التي ظل يعاني منها لاحقاً.
تلخص عمل الطبيب موراي، إذن، في تخدير جاكسون من الألم، ومن الأرق، إذ كان يعاني من عدم القدرة على النوم دون الاستعانة بكل أنواع المسكنات، ومن أشدها وأخطرها مخدر "بروبوفول" الذي يستخدم في العمليات الجراحية ومخدر بنزوديازبين الذي يستخدم في حالات الاضطراب النفسي الحاد.
وقد وصل الأمر إلى ذروته ليلة موت جاكسون في 25 يونيو 2009، حيث اجتمع الاستخدام المفرط للمواد المخدرة بالإهمال وعدم المتابعة ثم التأخر في الاتصال بالإسعاف، ما أدى إلى وفاة النجم الغائب عن الوعي دون أن يتلقى المساعدة الكافية.
فيلم Killing Michael Jackson أنتجه وأخرجه سام ايستول، وعرض منذ عدة سنوات على بعض القنوات الأميركية المحلية، وتعيد منصة شاهد عرضه في سياق الاهتمام المتزايد بحياة مايكل جاكسون ومأساته. وهو عمل مباشر وواضح وإدانة صريحة للطبيب الذي تبين أنه "نصاب متسلسل" كما يبين الفيلم وشهود العيان الذين يستعين بهم، وعلى رأسهم مفتشي شرطة لوس أنجلوس الذين تولوا التحقيق في القضية.
ورغم أن المحكمة أدانت موراي بالفعل بتهمة القتل غير المتعمد وسجن لمدة 4 سنوات خفضت إلى عامين، إلا أن شهود الفيلم وصناعه يؤكدون أنه كان يستحق الإدانة بالقتل من الدرجة الثانية التي تستوجب السجن مدى الحياة!
الوجه الآخر لجاكسون
كل من المسلسل والفيلم نموذجان للعديد من الوثائقيات التي تتناول حياة جاكسون، ولغزي اتهامه بالتحرش ووفاته الصادمة في سن الخمسين.
أما المهتمين فقط بأعمال جاكسون الموسيقية وانجازاته الفنية الرائعة، فهناك أيضاً العديد من الأعمال التي تفي بالغرض، وإن كنت أرشح لهم واحداً من أجمل الأفلام المعروضة على منصة نتفليكس حالياً وهو The Greatest Night in Pop من إخراج باو نيجوين، والذي يرصد واحدة من أشهر الليالي في تاريخ الموسيقى الحديثة، حين اجتمع عمالقة الغناء في أميركا، ومنهم مايكل جاكسون، لتسجيل أغنية We Are The World كعمل تطوعي تذهب عائداته لمواجهة المجاعة الكبرى التي ضربت إثيوبيا خلال تسعينيات القرن الماضي.
وبالرغم من أن ظهور مايكل جاكسون محدود في هذا الفيلم، لكنه يحمل لمحة من عبقريته الموسيقية وإنسانيته ورقته، وهي السمات التي يتمسك بها عشاقه من مختلف الأجيال.
*ناقد فني











