The Odyssey.. ملحمة عصرنا التي جمعت عبقريتي هوميروس ونولان | الشرق للأخبار
خاص

The Odyssey.. ملحمة عصرنا التي جمعت عبقريتي هوميروس وكريستوفر نولان

time reading iconدقائق القراءة - 11
مات ديمون في دور "أوديسيوس" في فيلم The Odyssey للمخرج كريستوفر نولان - x/odysseymovie
مات ديمون في دور "أوديسيوس" في فيلم The Odyssey للمخرج كريستوفر نولان - x/odysseymovie
القاهرة -

من فيلم إلى آخر يرسخ كريستوفر نولان اسمه كواحد من صناع السينما الكبار، والمخرج الأكثر شعبية في العالم الآن، مواصلاً الجمع بين المجدين: النجاح التجاري الهائل، واحتفاء واشادة النقاد، وهو أمر نادر في صناعة السينما، خاصة هذه الأيام التي تشهد اتساعاً متزايداً في الفجوة بين الترفيه الشعبي والفن الراقي، بشكل ربما يكون غير مسبوقاً في تاريخ الفنون.

ملحمتا "الإلياذة" و"الأوديسا" ومسرحيات شكسبير وكثير من أفلام العصر الذهبي لهوليوود ونقيضها من سينما المؤلف في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، كانت شعبية وفنية في الوقت نفسه، حتى لو بدرجات مختلفة من الجمع بين النجاح الجماهيري والنقدي.

ولكن نظرة على أنجح الأفلام خلال العقدين الماضيين، والتي تكاد تنحصر في أعمال مارفل ودي سي والفانتازيا من نوعية Avatar وتحريك الأطفال وأفلام الرعب، ومقارنتها بالأفلام التي تحصل على جوائز المهرجانات والأوسكار والجمعيات السينمائية المتخصصة، سوف يلاحظ الهوة الهائلة بين النوعين على مستوى الإنتاج والإيرادات والتقييمات الفنية.

يرأب كريستوفر نولان بأعماله هذا الصدع كما فعل بفيلمه السابق Oppenheimer الذي جمع بين الموضوع الجاد والتجديد الفني والمتعة الجماهيرية، محققاً ايرادات قياسية فضلاً عن فوزه بمعظم جوائز العام بما يقرب من 120 جائزة، غير الترشيحات، ومنها 13 ترشيحاً للأوسكار فاز بـ7 منها.  

ويبدو أن فيلمه الجديد The Odyssey ، وفقا لما حققه خلال الأسبوع الأول من عرضه، واستقبال النقاد له، سوف يفوق سابقه سواء على مستوى الايرادات أو موسم الجوائز القادم.

بعيداً عن هوس الشاشة العملاقة وكاميرات الـ IMAX التي صور بها كل الفيلم الذي يقترب زمن عرضه من 3 ساعات، وما يتعلق بذلك من مؤثرات بصرية أخاذة، وبعيداً عن حمى الجدل الذي أثاره الفيلم حتى قبل أن يعرض، والذي يمكن تلخيصه في اختلاف الرؤية السياسية والفنية بين المحافظين الرجعيين أمثال إيلون ماسك وأنصار MAGA والأكاديميين المتصلبين من ناحية، والذين يشاهدون الفيلم بعيون متسعة على احترام رؤية كريستوفر نولان للنص القديم والحلول التي قام بها على مستوى السيناريو واختيار الممثلين، فإن هذه الرؤية هي التي تستحق التحليل، قبل الوصول إلى أي حكم أو تقييم للفيلم.

بصمة لا تخطئها العين

من قرأ النص الأصلي يمكن أن يدرك على الفور أن الفيلم يحمل بصمة صاحبه المميزة، التي تمتد منذ أول أفلامه، وعلى رأسها السرد غير التقليدي، غير الخطي Not liner، المتعدد الخطوط والأزمنة، ورغم أن هذه الطريقة بدت "غريبة" في Oppenheimer، الذي يروي سيرة شخصية تاريخية معروفة عادة ما تروى بطريقة خطية أو من خلال "فلاشباك/ات" طويلة.. لكن المفاجأة الأكبر هي اعتماد نولان لأسلوبه الحر، المتقافز بين الأزمنة والأمكنة، في سرد ملحمة عمرها يقترب من 3 آلاف عام (النص المتوفر الأقدم عمره 2800 سنة، ولكن الملحمة نفسها أقدم من نص هوميروس، أو هومر، حسب النطق المختلف للاسم).

النظرة الشائعة للنصوص القديمة عادة ما تتصور أنها تقليدية جداً وأن التجديد في طرق السرد يرتبط بالفن الحديث الذي بدأ مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ولكن هذه النظرة يمكن أن تدحضها أي قراءة للنصوص القديمة، التي تعتمد، في الحقيقة، طرق سرد أكثر حرية وابتكاراً مما يعتقد بكثير، ومن هذه النصوص ملحمة "الأوديسا" نفسها بفصولها الأربعة والعشرين.

مثل الفيلم تبدأ الملحمة بأربعة فصول عن الحياة في إيثاكا، مدينة البطل أوديسيوس، بعد ما يقرب من عقدين على غيابه، ومعاناة زوجته بينلوبي وابنه تليماكوس، ومحاولات الأخير لمعرفة مصير أبيه، ثم ننتقل بعد ذلك إلى أوديسيوس نفسه، متنقلين بين مغامراته المختلفة، أحياناً في سرد خطي، وأحياناً نعود إلى زمن حرب طروادة قبل شتات العودة، وأحياناً حتى نستمع إلى قصص خيالية من تأليفه، كان يحاول بها خداع أو كسب ود بعض الشخصيات التي يلتقيها على طريق العودة.

سرد مفتوح على مصراعيه

هذا السرد المفتوح المكون من فصول يمكن قراءة كل منها منفرداً ووفقاً لأي ترتيب يرتبط بالملاحم الغنائية "الشفهية"، التي يتلوها المغنون المتجولون لجمهور لا يجيد القراءة في زمن ما قبل انتشار التعليم والكتب، ويمكن العثور على أمثلة منه في كل الثقافات، ولنذكر فقط "ألف ليلة وليلة" التي يمكن قراءة حكاياتها منفصلة، أو السيرة الهلالية التي كانت تروى أيضاً كفصول يمكن أن تكون متصلة أو منفصلة، وفقاً للوقائع أو للشخصيات.

وأتذكر أن الأديب الكولومبي الكبير جابريل جارثيا ماركيز كان قد أعرب في أحد حواراته (في كتاب "رائحة الجوافة") عن حلمه بكتابة نص مفتوح يمكن الدخول إليه من أي فصل، وقد حاول ذلك بالفعل في روايته الرائعة "سرد أحداث موت معلن".

كريستوفر نولان، كما هو معروف، واحد من أكبر المجددين في طرق السرد السينمائي، كما تجلى في Memento، وInception و Interstellar وTenet وحتى في فيلمه التاريخي Dunkirk، والسؤال لم يكن هل سيعتمد هذه الطريقة الحرة في The Odyssey وانما كيف سيفعل ذلك؟!

النقطة المهمة الأخرى فيما يتعلق بالسيناريو هي معالجة الشخصيات، بالطبع من المستحيل على أي فيلم أن يستوعب كل أحداث وشخصيات "الأوديسا"، وطبيعة الوسيط السينمائي تتطلب بالضرورة بناءً مترابطاً محكماً، وقد اختار نولان بعض الوقائع وحذف الأخرى، معتمداً في ذلك على إحساسه الدقيق بالدراما والإيقاع، ولا أعتقد أن أي شخص ممن شاهدوا الفيلم ذكر كلمات من نوعية "ممل" أو "بطيئ الايقاع" أو "طويل أكثر من اللازم"، بل على العكس اتفقت الغالبية الساحقة على أن الساعات الثلاثة مروا بمنتهى السرعة، وأن الفيلم يترك المشاهد في النهاية في حالة اشتياق للمزيد!

ولعل أهم قرار اتخذه نولان فيما يتعلق بالشخصيات والوقائع هو حذف الآلهة والمشاهد التي يتناقشون أو يتصارعون فيها حول مصائر الشخصيات البشرية.

البعض لام الفيلم على ذلك، باعتباره تحريفاً للأسطورة الأصلية، والبعض نظر إليه باعتباره "علمنة" للملحمة وتجريدها من جانبها الغيبي الخرافي، أعتقد أن حذف شخصيات الآلهة له دوافع ووظائف أهم: فمن ناحية غياب الآلهة لا يعني غياب أفعالهم التي تتحكم بأوديسيوس وباقي الشخصيات بشكلٍ واضح جداً في الفيلم، فهم ضحايا الأقدار مثلما هم ضحايا أفعالهم التي يرتكبونها ضد قانون زوس وبقية الآلهة.

وغياب زوس أو بوزيدون كممثل بلحية وماكياج يتنكر في هيئة إله، على طريقة الأفلام القديمة السخيفة (الطريقة وليس الأفلام) إنما يزيد في الواقع من حضور وقدرة وهيمنة هذه الآلهة على مجريات الأحداث ومصائر الشخصيات، ذلك أن استخدام ممثلين للعب أدوار الآلهة يقلل من هيبتهم وألوهيتهم، بينما هم موجودون في كل ثانية من فيلم نولان، كقوى حاكمة متحكمة تحكم على البشر وتثير الورع والهلع داخلهم.

ثقافة عريقة متعددة الأعراق

من الأمور التي أثارت الجدل حول الفيلم أيضا الاستعانة بممثلين غير يونانيين وخاصة توظيف الأميركية الإفريقة لوبيتا نيونجو في شخصيتي هيلين، أجمل نساء عصرها، وأختها التوأم كلتمنسترا، قاتلة زوجها أجاممنون قائد جيش أسبرطة.

هذا الانتقاد لا يعكس فقط العنصرية البيضاء البغيضة التي يكنها ماسك وأنصار MAGA ومن تربوا على الثقافة الغربية الاستعمارية، ولكنه يعكس أيضاً جهلاً بالتاريخ وبالأسطورة وحكايات "الإلياذة" و"الأوديسا" التي خرجت منه، ففي ذلك الزمن البعيد كانت تتجاور الحضارات الإغريقية والفرعونية والإثيوبية والآشورية والفارسية والمقدونية، بألوانها المتعددة، كما يمكن أن يكتشف أي سائح يذهب لزيارة المعالم الأثرية في حضارات البحر المتوسط وما حولها.. بل تذكر الأسطورة أيضاً أن لهيلين أجداداً إثيوبيين، بالإضافة إلى كونها ابنة زوس كبير الآلهة الذي اعتدى على أمها، ما يعني أنها، أصلاً، نصف إلهة لا لون محدد لملامحها!

نقطة أخرى تتعلق برؤية كريستوفر نولان للعالم من خلال الفيلم، العالم هنا محاط بالآلهة والقواعد والتقاليد وحضور الدين والأخلاق وقانون زوس الذي ينص على الاخلاص وعقاب الزنا والخيانة.. وهناك تركيز خاص على قانون xenia زينيا، أو الوصية التي تقضي بالكرم وحسن الضيافة، حسب العقيدة الإغريقية، لإن الآلهة ربما يكونون متنكرين في هيئة إناس بسطاء، ولكن اجتماعياً أيضاً لأن النشاط الأساسي في ذلك الوقت كان التجارة والترحال ومن ثم فإن أي شخص يمكنه أن يجد نفسه ضيفاً غريباً أو صاحب بيت يستقبل غرباء في أي لحظة.. ويمكننا أن نجد مثل هذه القواعد في البيئة العربية القديمة التي كانت تقوم على التجارة والتي يعتبر فيها الكرم وحسن استقبال الضيف أنبل الخصال البشرية.

الرؤية التراجيدية بين أرسطو ونولان

لكن رؤية نولان التي يرى البعض أنها "حديثة" ولا تنطبق على زمن "الأوديسا" هي ذلك الشعور الجارف بالذنب والتكفير الذي ينتاب أوديسيوس، خاصة بسبب مذبحة طروادة التي تقدم هنا على طريقة القنبلة الذرية في Oppenheimer وشعور أوبنهايمر بالذنب تجاه مااقترفت يداه.

وأعتقد أن هذه أيضاً نظرة قاصرة للنصوص القديمة الحافلة بالثقل الأخلاقي كما نجد في كثير من الأساطير الفرعونية أو في جلجامش، وبوجه أخص في التراجيديا المسرحية الاغريقية، كما وضع قواعدها أرسطو، والتي تقوم بأكملها على احساس البطل التراجيدي بالذنب وتكفيره عن ذلك، وليس أدل من قيام أوديب بفقء عينيه بعد اكتشافه لذنبه غير المقصود! أما ما يتعلق بنبذ الحروب والتدمير والقتل، فإن الأساطير القديمة، شرقية وغربية، كلها تمتلئ بالادانة والرثاء والشوق للزهد ونبذ هذا العالم الشرير وحلول السلام والحب على البشر.

يحتاج The Odyssey إلى مقالات ودراسات مطولة عن بناءه وسرده ورؤيته للعالم، وقد أخذنا الكلام عن الإشارة إلى المستوى السينمائي الخارق للفيلم، والذي يدشن كريستوفر نولان كواحد من آخر أجيال عمالقة الفن السينمائي، ولست أعلم إذا ما كان المستقبل الحافل بالذكاء الصناعي والميكرودراما يمكن أن يجود بفنان مثله أم أننا نشهد أغنية الوداع للسينما كما عرفناها.

The Odyssey ليس فقط ملحمة هوميروس ولكنه ملحمة موازية لكريستوفر نولان، تليق بعصرنا، من تصوير وأماكن تصوير وتمثيل وموسيقى وديكورات ومونتاج، وغيرها من العناصر التي ينتظر أن تتوج بأكبر وأكثر الجوائز خلال الشهور القليلة القادمة.

* ناقد فني

تصنيفات

قصص قد تهمك