
رغم أن شباك التذاكر الأميركي يسير نحو تحقيق أفضل أداء سنوي منذ جائحة كورونا، فإن الأرقام تكشف أن التعافي الحالي لا يستند إلى عودة الجمهور بأعداد ما قبل الجائحة، بقدر ما يعتمد على إنفاق أكبر من عدد أقل من المشاهدين، مدفوعاً بارتفاع أسعار التذاكر والإقبال على تجارب العرض الفاخرة، إلى جانب نجاح عدد محدود من الأفلام الضخمة.
وجاء تسجيل أعلى إيرادات في تاريخ عطلة نهاية أسبوع واحدة في الولايات المتحدة، بفضل النجاح المتزامن لفيلمي Spider-Man: Brand New Day وThe Odyssey، ليؤكد أن السوق ما زالت قادرة على تحقيق أرقام قياسية عندما تتوافر أفلام تتحول إلى "أحداث سينمائية" تجذب الجمهور.
وتشير بيانات "رينتراك" إلى أن إيرادات شباك التذاكر المحلي بلغت 6.2 مليار دولار حتى الثاني من أغسطس، بزيادة 15% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
لكن هذه القفزة لا تعني عودة الجمهور بالكامل إلى دور السينما، فوفقاً لـ"ستاندرد آند بورز جلوبال ماركت إنتليجنس"، بيع نحو 470.9 مليون تذكرة خلال أول 30 أسبوعاً من عام 2026، مقارنة بـ747.3 مليون تذكرة خلال الفترة نفسها من عام 2019، أي انخفاض يقارب 37%.
كما تظهر بيانات شركة Placer.ai أن عدد زوار دور السينما ارتفع 8.1% مقارنة بعام 2025، لكنه لا يزال أقل بنحو 27% من مستويات ما قبل الجائحة.
ويعني ذلك أن نمو الإيرادات يعتمد بصورة أكبر على ارتفاع متوسط سعر التذكرة وزيادة إنفاق المستهلك داخل دور العرض، وليس على زيادة عدد الحضور.
تجربة المشاهدة
خلال السنوات الماضية، غيّرت منصات البث سلوك الجمهور، إذ أصبح كثير من المشاهدين يفضلون متابعة معظم الأفلام في المنزل، مع تخصيص زيارات السينما للأعمال التي تقدم تجربة يصعب تكرارها عبر التلفزيون.
ولهذا استثمرت سلاسل السينما بكثافة في شاشات IMAX والقاعات الفاخرة والمقاعد المميزة والتقنيات الصوتية المتطورة، وهو ما سمح لها برفع متوسط أسعار التذاكر دون التأثير الكبير على الطلب بالنسبة للأفلام الكبرى.
وتعكس نتائج شركة AMC Entertainment هذا الاتجاه، بعدما سجلت أعلى إيرادات لعطلة نهاية أسبوع في تاريخها الممتد 106 أعوام، مدفوعة بالطلب على الشاشات المتميزة، مع استقبال أكثر من 10.2 مليون مشاهد عبر دور العرض التابعة لها ولشبكة أوديون.
تنوع الأفلام يعيد بعض التوازن إلى السوق
من أبرز ملامح موسم 2026 أن نجاح شباك التذاكر لم يعد مقتصراً على أفلام السلاسل السينمائية.
فإلى جانب الأعمال الضخمة مثل Spider-Man، حققت أفلام أصلية مثل Obsession وProject Hail Mary نتائج قوية، وهو ما يشير إلى استعداد الجمهور لدعم أعمال جديدة إذا توافرت الجودة والحملات التسويقية المناسبة.
ويمثل ذلك تحولاً مقارنة بالسنوات التي أعقبت الجائحة، عندما اعتمدت هوليوود بصورة شبه كاملة على مارفل وStar Wars وغيرها من الامتيازات السينمائية لضمان الإيرادات.
في المقابل، يكشف تحليل بيانات "رينتراك" استمرار تركّز القوة داخل الصناعة، إذ استحوذت استوديوهات Universal وDisney وSony وWarner Bros. وParamount على نحو 68% من إيرادات شباك التذاكر المحلي هذا العام.
ويثير هذا التركّز مخاوف الجهات التنظيمية، خاصة مع استمرار الجدل حول صفقات الاندماج الكبرى التي قد تمنح عدداً محدوداً من الشركات نفوذاً أكبر على الإنتاج والتوزيع والعرض.
هل التعافي مستدام؟
الأداء القوي في 2026 يمثل أفضل اختبار حتى الآن لقدرة السينما على التكيف مع عصر البث الرقمي.
فالسوق لم تعد تعتمد على كثافة الجمهور، بل على تقديم تجربة تستحق مغادرة المنزل ودفع أسعار أعلى. وإذا استمرت الاستوديوهات في توفير مزيج من الأفلام الجماهيرية والأعمال الأصلية، فقد يحافظ شباك التذاكر على زخمه، حتى وإن بقي عدد مرتادي دور السينما دون مستويات ما قبل الجائحة.
لكن استمرار هذا النمو سيظل مرهوناً بقدرة هوليوود على إنتاج عدد كافٍ من الأفلام التي تتحول إلى أحداث ثقافية، لأن نموذج الإيرادات الحالي يبدو أقل اعتماداً على الجمهور الواسع، وأكثر اعتماداً على استعداد شريحة من المشاهدين لدفع المزيد مقابل تجربة سينمائية استثنائية.










