
بدا صوتا جورج كلوني وماجي جيلينهال في حفل افتتاح الدورة الـ83 لمهرجان فينيسيا السينمائي الدولي (2-12 سبتمبر) وكأنّ أحدهما رجعُ صدىً للآخر، أو تنويعتان تعزفان على ذات الوتر.
فبينما افتتحت رئيسة لجنة التحكيم الدولية في دورة هذا العام، ماجي جيلينهال، بقولها: "لستُ ممن يؤمنون بأن الفن لا يمكن أن يُصنع إلا حول موضوعات معينة وعلى أيدي أشخاص معينين. أنا أريد كل شيء، أريد أن أشعر بالاضطراب، وأن أُهزَّ من الداخل، وأريد لأفكاري أن تتغير"، ردّ جورج كلوني، وهو يتسلّم جائزة "الأسد الذهبي لإنجاز العمر"، بقوله: "صحيح أن الأفلام لا توقف الحروب، ولا تخفض التضخم، ولا تغيّر نتائج الانتخابات، لكنها تفعل شيئاً استثنائياً: تذكّرنا بأن الغريب ليس غريباً حقاً، وأنه قد يكون بطل قصة شخص آخر".
وأضاف: "لا أحد يضحك بلغة مغايرة للغة الآخر، ولا أحد يبكي بلغة مغايرة للغة الآخر، الآباء والأمهات يقلقون بالطريقة نفسها، والأطفال يحلمون بالطريقة نفسها، والحب يبدو متشابهاً بصورة مدهشة في كل اللغات، وهذا يجعل من الصعب تصديق من يقول إننا مختلفون عن بعضنا إلى هذا الحد، كما يُملى علينا باستمرار".
وأضاف، "نعيش في زمن يخبرنا فيه أصحاب السلطة بأن علينا أن نخاف بعضنا من بعض، لكننا نعرف جيداً أن الأمور لا تسير بهذه الطريقة، أليس كذلك؟ لأن التاريخ يعلمنا شيئاً، هو أن أول من يحاول المستبدون إسكات أصواتهم ليسوا السياسيين، بل الصحفيين الذين يطرحون الأسئلة، والفنانين الذين يرفضون الإجابات السهلة، إنهم المخرجون والكتّاب والممثلون والموسيقيون الذين يصرّون على أن شخصاً لم تلتقِ به قط قد يكون جديراً بتعاطفك، فالقصص تشكّل دائماً خطراً على من يروجون للخوف".
عودة جورج كلوني إلى جزيرة الليدو في فينيسيا وإلى مهرجانها العريق هي واحدة من المرات العديدة، لكن هذه العودة تتزامن مع ذكرى 20 سنة من حضوره كمخرج عام 2005، إذ كانت شاشة قصر السينما في الليدو هي التي انعكست عليها مشاهد الأبيض والأسود لفيلمه الثاني مخرجاً Good Night, and Good Luck، الذي نقله إلى مصاف المخرجين من ذوي الرؤية والموقف الثابت، رغم أنه لم يتعامل مع أفلام شبّاك التذاكر بأنفة وتعال، بل واصل عمله بانتقائية أكبر.
INK رجعُ صدى لحاضرٍ تالف
وربما كانت مصادفةً أن يتزامن منح كلوني هذه الجائزة الكبيرة، ليس فقط مع الذكرى 20 لعرض فيلمه المشار إليه، بل مع افتتاح المهرجان بفيلم INK للمخرج البريطاني داني بويل.
ففيما كان كلوني يواجه في فيلمه Good Night, and Good Luck تداعيات المكارثية على حرية الرأي والصحافة في خمسينيات القرن الماضي، يعود داني بويل إلى جذور "الخراب" الإعلامي الذي تسببت فيه حالة الفوضى الناجمة عن اجتياح مفردات التواصل الاجتماعي عالم الإعلام، والأثر السلبي البالغ الذي تركته على مصداقية الكلمة الصحفية.
ويُبرز الفيلم أن هيمنة أخطبوط الفضاء الرقمي، والتهلهل والتداعي اللذين أصابا عالم الإعلام، ليست وليدة اليوم أو السنوات الأخيرة، بل هي "تطور" طبيعي لما ابتدأته جريدة SUN البريطانية، بعد أن بسط المليونير الأسترالي (آنذاك) روبرت مردوخ (جاي بيرس) ملكيته على الجريدة، وحولها الصحفي اللامع والمثير للجدل لاري لامب (جاك أوكونيل) إلى جريدة للفضائح التي لا تتوقف، ويشارك الفيلم في المسابقة الرسمية للمهرجان.
صخب وإثارة
ويُعد داني بويل واحداً من أبرز المخرجين الذين برزوا في تسعينيات القرن الماضي، في أوج ظاهرة Cool Britannia، وربما الأكثر قدرة على التقاط روح تلك المرحلة: صاخبة، مثيرة، سريعة وعابرة.
الفيلم مقتبس من المسرحية التي تحمل الاسم نفسه للكاتب البريطاني جيمس جراهام، والمرشحة لجائزة "توني"، وهو أيضاً من كتب سيناريو الفيلم، ويعود به بويل إلى مساءلة المجتمع البريطاني، لكن هذه المرة عبر حكاية الصحيفة التي كان لها دور عميق في تغيير صورته ومخيلته الجماعية.
تدور الأحداث في عام 1969، عندما أسند مردوخ رئاسة تحرير SUN إلى لاري لامب الجريء والمثير للجدل بهدف واضح: التفوق في المبيعات على المنافس Daily Mirror.
يجمع لامب حوله فريقاً من الصحفيين الخارجين عن المألوف ويغيّر قواعد اللعبة: عناوين هجومية، ولغة جريئة، ومبدأ بالغ البساطة، وهو إعطاء القراء ما يريدونه.
ووسط صخب غرفة الأخبار ووتيرتها المحمومة، يولد نموذج جديد من الصحافة الشعبية، ومعه تتشكل علاقة مختلفة بين الإعلام والسلطة والجمهور.
بالنسبة إلى بويل، يمثل هذا العمل انتقالاً جديداً بين الأنواع السينمائية، في مسيرة قامت أساساً على عدم القدرة على التنبؤ بخياراته، فمنذ فيلمه الأول Shallow Grave عام 1994، كشف عن مخرج مفتون بالسخرية والأجواء القاتمة، وبأسلوب إخراجي هجومي يدرك جيداً إمكاناته التقنية.
وبعد عامين عاد ليغير كل شيء في فيلم Trainspotting، إذ تحولت حياة مجموعة من الشبان المدمنين على المخدرات، في أجواء إدنبرة القاتمة، إلى ظاهرة سينمائية عالمية.
وكان الفيلم بمثابة الوجه المظلم لظاهرة Cool Britannia: ففي مقابل الصورة المتفائلة لبريطانيا التي جسّدها توني بلير وفرق مثل Oasis وSpice Girls ونجوم مثل هيو غرانت، عرض بويل جيلاً مثقلاً بالمخدرات والفراغ وغياب الآفاق.
ومنذ ذلك الحين، لم يتبع داني بويل مساراً مستقيماً قط، تنقل بين أفلام الإثارة والخيال العلمي وأفلام الزومبي والكوميديا والسير الذاتية والتأثيرات المستوحاة من بوليوود، كما تناوب بين الإنتاجات الضخمة والأفلام المستقلة، وبين النجاحات والإخفاقات.
والمفارقة أن بويل غالباً ما يجد أفضل أشكاله السينمائية في مشاريعه الأكثر حرية والأقل ضخامة، حدث ذلك مع 28 Days Later و127 Hours، وخصوصاً مع Slumdog Millionaire، الذي منحه عام 2009 جائزة الأوسكار لأفضل مخرج.
بعد ذلك جاءت أفلام شديدة الاختلاف، من Steve Jobs إلى T2 Trainspotting، ومن Yesterday وصولاً إلى 28 Years Later، إنها مسيرة سينمائية غير منتظمة، لكنها لهذا السبب تحديداً عصية على التصنيف.
وتقوم سينما داني بويل على الطاقة المفرطة والحركة، وعلى مهارة تقنية ظاهرة بوضوح، وظهر ذلك بجلاء في المونتاج السريع والمتوتر الذي صاغ به هذا العمل، وأبقى المشاهد لصيقاً بالشاشة طوال الدقائق الـ116.
عودة إلى البيت!
ومع Ink، يبدو أن بويل يغلق دائرة رمزية في مسيرته. فإذا كان Trainspotting قد فكّك أسطورة بريطانيا في التسعينيات، فإن الفيلم الجديد يعود إلى عام 1969 ليروي قصة أحد المختبرات التي ساهمت في بناء ذلك الخيال الجماعي: الصحافة الشعبية.
بعد أكثر من ثلاثين عاماً على انطلاق مسيرته السينمائية، يغيّر داني بويل اتجاهه مرة أخرى، لكنه هذه المرة، بعودته إلى بريطانيا وتناقضاتها، يبدو وكأنه يعود أيضاً إلى بيته.
وهكذا يصبح تحوّل صحيفة The Sun أكثر من مجرد قصة عن الصحافة، إنه حكاية عن كيفية اجتذاب الجمهور، وفهم رغباته ومخاوفه، وعن مدى ضيق الحد الفاصل ما بين تمثيل المجتمع والتأثير فيه.










