Being Heumann.. حكاية ثورية بلغة سينمائية مألوفة | الشرق للأخبار

Being Heumann.. حكاية ثورية بلغة سينمائية مألوفة

الملصق الدعائي للفيلم الأميركي Being Heumann للمخرجة سيان هيدر - Apple Originals
الملصق الدعائي للفيلم الأميركي Being Heumann للمخرجة سيان هيدر - Apple Originals

بعد خمس سنوات من التجربة التي منحت منصة أبل أول انتصار من نوعه في سباق الأوسكار، تعود المخرجة الأميركية سيان هيدر إلى التعاون مع الشركة في فيلمها الجديد Being Heumann، الذي شهد عرضه العالمي الأول في افتتاح الدورة الـ51 من مهرجان تورنتو السينمائي الدولي.

هيدر تعرفها هوليوود جيداً منذ CODA، الفيلم الذي فاز بأوسكار أفضل فيلم عام 2022، ليصبح أول عمل توزعه منصة بث يفوز بالجائزة الأهم للأكاديمية، بعدما استحوذت أبل على حقوقه عقب عرضه في مهرجان صندانس، وإلى جانب أفضل فيلم، حصد العمل جائزتي أفضل سيناريو مقتبس لهيدر وأفضل ممثل مساعد لتروي كوتسور.

لكن عودة هيدر في Being Heumann لا تبدو كمحاولة لاستنساخ CODA، وإن بقيت قضايا الاحتياجات الخاصة والتمثيل واحدة من مناطق اهتمامها كمخرجة، لكنها هذه المرة تذهب إلى واقعة حقيقية من التاريخ الأميركي، وتحديداً إلى سبعينيات القرن الماضي، إلى واحدة من المحطات الأساسية في حركة حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة، من خلال قصة الناشطة جودي هيومان.

حكاية حركة

يستند الفيلم إلى مذكرات هيومان، لكنه لا يتعامل معها كسيرة تقليدية تبدأ من الطفولة وتمضي زمنياً حتى الوصول إلى لحظة النجاح، مركز الثقل هو احتجاج 504 Sit-in في سان فرانسيسكو عام 1977، عندما احتل ناشطون من ذوي الاحتياجات الخاصة مبنى فيدرالياً، مطالبين الحكومة بتطبيق المادة 504 من قانون إعادة التأهيل، التي تحظر التمييز على أساس الإعاقة في المؤسسات والبرامج التي تحصل على تمويل فيدرالي.

قاد الاحتجاج إلى مواجهة امتدت لأسابيع، في وقت لم تكن فيه الحقوق التي تبدو اليوم بديهية، من إمكانية الوصول إلى المباني والمواصلات إلى التعليم والعمل، مضمونة عملياً لملايين الأميركيين.

تضع المخرجة شخصية جودي، التي تؤديها روث ميدلي، في قلب هذه المواجهة، لكنها لا تجعل منها بطلة منفردة تحرك الآخرين من حولها، الفيلم يتحول تدريجياً إلى عمل جماعي عن الأشخاص الذين شاركوا في الاعتصام، والخلافات بينهم، وطريقة تنظيم حياتهم داخل المبنى، ومحاولاتهم الحفاظ على الضغط السياسي والإعلامي مع مرور الأيام.

وهنا تظهر إحدى نقاط قوة Being Heumann، وهي أن التاريخ لا يقدم باعتباره مجموعة قرارات وتشريعات، لكنه تجربة يومية، الاحتجاج يعني الطعام والنوم والرعاية الشخصية والعلاقات والتوتر والإرهاق، إلى جانب التفاوض والسياسة.

روث ميدلي في مركز الصورة

يحمل أداء روث ميدلي جزءاً كبيراً من تميز الفيلم، جودي التي تقدمها ليست شخصية مصممة للحصول على تعاطف الجمهور، هي قائدة سياسية تعرف ماذا تريد، وقد تكون حادة ومتطلبة وصعبة في بعض اللحظات.

هذا الاختيار يبعد الفيلم نسبياً عن نموذج اعتادت السينما استخدامه عند تناول ذوي الاحتياجات الخاصة، الشخصية التي تتحول معاناتها إلى وسيلة لإلهام المشاهد، هنا الشخصيات هي التي تقود الحدث، وتتجادل وتحب وتمزح وتغضب وتتخذ القرارات، بينما تصبح الاحتياجات الخاصة جزءاً من واقعها وليست الصفة الوحيدة التي تحددها.

ويستفيد الفيلم من مجموعة كبيرة من الممثلين من ذوي الاحتياجات الخاصة، فلا تبقى الشخصيات المحيطة بجودي مجرد خلفية لسيرتها، وربما يكون الفيلم أكثر نجاحاً عندما يبتعد قليلاً عن بطلة الحكاية ويوزع الاهتمام على المجموعة.

عندما يصبح التاريخ أكبر من الدراما

لكن هذه النقطة تقود أيضاً إلى مشكلة الفيلم الأساسية، فـBeing Heumann يحمل مادة تاريخية قوية، إلا أن البناء السينمائي الذي اختارته هيدر أكثر تقليدية من الموضوع الذي تتعامل معه.

هناك مسار واضح للتصعيد، عقبات ثم انتصارات صغيرة، لحظات خفيفة في الأماكن المتوقعة، وموسيقى وتوقيت درامي يدفعان المشاهد نحو استجابة عاطفية محددة، وكلما ازدادت الأحداث التاريخية قوة، نجد أنفسنا أم سؤال عن مدى حاجة الفيلم فعلاً إلى كل هذا التنظيم الهوليوودي كي يجعلها مؤثرة؟

وهو انقسام ظهر أيضاً في الاستقبال النقدي عقب عرض تورنتو، فقد حظي أداء ميدلي والطاقم والتمثيل الحقيقي للأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة بإشادات واسعة، بينما رأى عدد من النقاد أن السيناريو يقع أحياناً في القوالب المألوفة لأفلام السير الملهمة.

المفارقة أن الفيلم يتناول حركة طالبت بتغيير الطريقة التي ينظر بها المجتمع إلى ذوي الاحتياجات الخاصة، لكنه لا يحاول بالدرجة نفسها تغيير القواعد السينمائية التي يروي بها قصتها.

ما بعد CODA

المقارنة مع CODA تبدو حتمية، ليس فقط لأن الفيلمين من إخراج هيدر، بل لأن كليهما يضع شخصيات من ذوي الاحتياجات الخاصة في مركز الحكاية، إلا أن الاختلاف جوهري، CODA كان دراما عائلية صغيرة تتسع تدريجياً، بينما يبدأ Being Heumann من حدث سياسي كبير ويحاول العثور على البشر داخله.

ويبدو أن أفضل لحظات الفيلم هي تلك التي ينجح فيها بالفعل في العثور عليهم، عندما يتوقف عن شرح أهمية ما حدث، ويترك الشخصيات تعيشه أمامنا.

هيدر صنعت في النهاية فيلماً واضحاً ومتاحاً لجمهور واسع، ويملك بطلة قوية ومجموعة ممثلين تمنح الحدث التاريخي حياة تتجاوز الكتب والتشريعات، لكن Being Heumann يترك أيضاً سؤالاً مفتوحاً بعد عرضه٫ حول ما إذا كانت تكفي قوج الحكاية عندما تظل اللغة التي ترويها مألوفة؟

ربما يكون هذا التناقض نفسه أفضل مدخل لقراءة التجربة الجديدة لهيدر، فبعد CODA، لم تعد المخرجة مطالبة بتقديم فيلم مؤثر آخر فقط، وإنما بمواجهة سقف صنعته تجربتها السابقة، وفي Being Heumann تبدو أكثر جرأة في اختيار التاريخ الذي تريد روايته، من الطريقة التي اختارت أن ترويه بها.

تصنيفات

قصص قد تهمك