Chicago.. الجريمة التي لا تفقد قدرتها على جذب الجمهور | الشرق للأخبار
خاص

Chicago.. الجريمة التي لا تفقد قدرتها على جذب الجمهور

الملصق الدعائي لمسرحية Chicago في برودواي بنيويورك - facebook/chicagothemusical
الملصق الدعائي لمسرحية Chicago في برودواي بنيويورك - facebook/chicagothemusical

في عالم Chicago المسرحي، يمكن لجريمة قتل أن تصبح بداية مسيرة فنية، وللمتهم أن يغادر المحكمة أكثر شهرة مما دخلها، فالصحافة تبحث عن حكاية مثيرة، والمحامي يعرف كيف يبيعها، والجمهور مستعد للتصفيق.

هذه الدائرة، التي صنعتها المسرحية من أخبار عشرينيات القرن الماضي، تساعد في تفسير استمرار عرضها في نيويورك لما يقرب من 30 عاماً، فالوجوه تتغير فوق خشبة المسرح، وتبقى آليات صناعة الشهرة مألوفة إلى حد مزعج.

على مسرح "أمباسادور" في برودواي، يقترب إنتاج Chicago من إكمال ثلاثين عاماً منذ انطلاقته في نوفمبر 1996، والعرض الذي يشاهده الجمهور اليوم امتداد لذلك الإحياء، تتجدد تشكيلته التمثيلية داخل الرؤية التي وضعها المخرج والتر بوبي، مع تصميمات آن رينكينج الراقصة المستلهمة من أسلوب بوب فوسي، وقد حصد هذا الإنتاج 6 جوائز توني، بينها أفضل إحياء لمسرحية غنائية، وأصبح أطول العروض الأميركية الغنائية استمراراً في تاريخ برودواي. 

حكاية جريمة

تبدأ الحكاية قبل الأغاني والرقص بعقود، كانت مورين دالاس واتكينز صحافية تغطي المحاكمات لصحيفة "شيكاجو تريبيون"، وتابعت عام 1924 قضيتَي بيولا أنان وبيلفا جارتنر، المتهمتين بالقتل، ووجدت في التغطية المحيطة بهما مادة تتجاوز الجريمة إلى الطريقة التي تصنع بها الصحافة بطلاتها، فكتبت مسرحية Chicago التي وصلت إلى برودواي عام 1926، ومن هذا الأصل ظهرت شخصيتا روكسي هارت وفيلما كيلي، اللتان تتنافسان على الاهتمام بقدر تنافسهما على النجاة. 

وصلت النسخة الغنائية إلى برودواي في يونيو 1975، بموسيقى جون كاندر، وكلمات فريد إب، ونص شارك في كتابته إب وفوسي، الذي تولى الإخراج وتصميم الرقصات، لعبت جوين فيردون دور روكسي، وتشيتا ريفيرا دور فيلما، وجيري أورباخ المحامي بيلي فلين، استمر الإنتاج 936 عرضاً حتى أغسطس 1977، حضور مميز، لكنه لم يكن ينبئ بأن العمل سيعود لاحقاً ليصبح أحد أكثر عناوين المسرح الغنائي رسوخاً. 

العودة في التسعينات

جاء التحول الكبير في 1996، عندما قدمت المسرحية ضمن سلسلة Encores في نيويورك، ثم انتقلت إلى برودواي، مع آن رينكينج وبيبي نيوورث في الدورين الرئيسيين، أعاد الإنتاج ترتيب العلاقة بين الحكاية والاستعراض، ومنح الأداء مساحة أكبر داخل تقديم مقتصد، وفي مراجعته الافتتاحية لـ"نيويورك تايمز"، أشاد بن برانتلي بانسجام الممثلين مع أدوارهم، وبالرقص الذي جمع الجاذبية والمرونة، كان الإحياء يعيد اكتشاف قوة العمل، ويمنح سخريته شكلاً أكثر وضوحاً. 

امتدت حياة Chicago خارج نيويورك أيضاً، افتتح إحياؤها في لندن عام 1997، واستمر 15 عاماً متنقلاً بين مسارح أدلفي وكامبريدج وجاريك، ثم عادت إلى ويست إند في 2018، وانتشرت عبر الجولات والإنتاجات الدولية بلغات متعددة.

أما السينما، فمنحتها جمهوراً أوسع بفيلم روب مارشال عام 2002، مع رينيه زيلويجر وكاثرين زيتا جونز وريتشارد جير؛ وفاز الفيلم بـ6 جوائز أوسكار، بينها أفضل فيلم، وهكذا صارت الحكاية قابلة لإعادة التقديم، مع اختلاف الوسيط وطرق بناء الفرجة. 

خصوصية العالم المسرحي

تدور أحداث Chicago في مدينة شيكاجو خلال عشرينيات القرن الماضي، حول روكسي هارت، امرأة تحلم بالشهرة تقتل عشيقها وتدخل السجن، حيث تلتقي فيلما كيلي، نجمة استعراضية متهمة بقتل زوجها وشقيقتها بعدما اكتشفت خيانتهما.

تتنافس الاثنتان على اهتمام الصحافة، وتستعينان بالمحامي بيلي فلين، الذي يحول المحاكمات إلى عروض إعلامية ويبيع للجمهور قصصاً مؤثرة تساعد موكلاته على الإفلات من العقاب.

وتدير شؤونهما داخل السجن "ماما مورتون"، المشرفة التي تتاجر بنفوذها مقابل المال والخدمات، بينما يظل آموس هارت، زوج روكسي الساذج والمخلص، مستعداً لتصديقها ومساعدتها رغم استغلالها له.

وتشارك الصحافية ماري صنشاين في ترويج الصورة المتعاطفة مع المتهمات، فيما تكشف مأساة السجينة هونياك، المهاجرة البريئة التي تعجز عن إيصال صوتها، الوجه القاسي لعدالة تتحكم فيها الشهرة والمال أكثر من الحقيقة.

تكمن خصوصية النسخة المسرحية المستمرة في أنها تترك للممثل مهمة إقناعنا بعالمها، الاقتصاد في المنظر يجعل الجسد والصوت والتوقيت الكوميدي عناصر حاسمة. وفي قراءة للرؤية، تبدو الحركة وسيلة لكشف الشخصيات، فإيماءة صغيرة توحي بالسيطرة، وابتسامة تتحول إلى مناورة، ووضعية جسدية تصنع صورة قابلة للبيع، وأغنيات مثل All That Jazz وRazzle Dazzle تدخل في صلب هذا البناء، وكل شخصية تقدم نفسها كما لو كانت تدير فقرتها الخاصة أمام جمهور يمكن استمالته.

عناصر تمثيلية لافتة

تؤدي ريس ويفر دور روكسي، إلى جانب ليسا دي جوزمان في دور فيلما، وماكس فون إيسن في دور بيلي فلين، وناتاشا إيفيت ويليامز في دور ماما مورتون، وريد كونسيبسيون في دور آموس، وجاي ووركمان في دور ماري صنشاين. 

ويفر، المعروفة من برنامج نتفليكس America’s Sweethearts: Dallas Cowboys Cheerleaders، بدأت مشاركتها في سبتمبر، وأعلن في 13 أكتوبر تمديدها حتى 15 نوفمبر. 

تتحرك ويفر تتحرك بدقة وسهولة تعكسان تدريبها الطويل، تنتقل بسلاسة بين البراءة الظاهرية والطموح والإغواء والحسابات الباردة، مع صوت أكثر عمقاً ونعومة مما توحي به صورتها المعروفة، مع انسجام واضح مع دي جوزمان في الفقرة الختامية، فالعلاقة بين روكسي وفيلما تحتاج إلى منافسة واضحة، ثم إلى قدرة على تقاسم الخشبة دون أن تبتلع إحداهما الأخرى. 

دور آموس أيضاً كان ضرورياً للتوازن داخل هذا العالم، يمنحه هنا كونسيبسيون دفئاً وتوقيتاً كوميدياً يسمحان بظهور هشاشته، إنه الشخصية التي تساعدنا على الإحساس بكلفة ما يفعله الآخرون، لأن تجاهله يحمل قسوة أكبر من النكتة التي ينتجها، أما بيلي فلين، فنجاحه مرتبط بقدرة الممثل على تقديم الخداع باعتباره خدمة محترفة، بهدوء وثقة يجعلان الزيف مقبولاً، وربما مرغوباً.

وتبقى هونياك نقطة مؤلمة في بناء المسرحية، وجود بريئة وسط هذا السوق يعيد ترتيب استجابتنا لما نشاهده، فالقدرة على الدفاع عن النفس مرتبطة باللغة والصورة وامتلاك الحكاية المناسبة، هنا أجد أكثر لحظات العمل حدة، حين يتضح أن الحقيقة وحدها قد تكون أضعف عناصر المنافسة.

ما بعد النهاية

ما يمنح Chicago قدرتها على البقاء هو أن مصائر شخصياتها ترتبط بتقلب اهتمام الجمهور، تستطيع روكسي أن تتصدر الأخبار، ثم تفقد مكانتها بمجرد ظهور جريمة أكثر إثارة، الشهرة التي ظنت أنها ستغير حياتها تحتاج طوال الوقت إلى حكاية جديدة تغذيها، ومن هنا تأتي سخرية النهاية، حيث تجد روكسي وفيلما، بعد تنافسهما، أن فرصتهما في الاستمرار تقوم على تقديم عرض مشترك، وتحويل ما حدث لهما إلى مادة للترفيه.

هذه النهاية تجمع خيوط المسرحية في مشهد واحد، امرأتان استطاعتا تحويل الاتهام بالقتل إلى فرصة للوقوف تحت الأضواء، وجمهور يستقبلهما بوصفهما نجمتين.

ينتهي العرض، لكن العالم الذي كشفه يواصل العمل بالقواعد نفسها، فالصحافة تنتقل إلى قصة أخرى، والمحامي ينتظر قضية جديدة، والنجمتان تحاولان الاحتفاظ بالتصفيق، لذلك تظل مسرحية Chicago مؤثرة بعد عقود من تقديمها، لأنها ترصد مجتمعاً سريع الانبهار، سريع النسيان، يستطيع أن يمنح الجريمة شهرة، ثم يمحو ضحاياها من ذاكرته.

تصنيفات

قصص قد تهمك