
تعددت الأسباب والهم واحد في معظم الأفلام العربية المعروضة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي في دورته الأولى من 6 إلى 15 ديسمبر.
تعددت الأساليب والموضوعات تتشابه، ولكن ما يميز فيلماً عن آخر هو القدرة على التعبير ووجهة النظر في العالم والفن.
من الأفلام التي تتمتع بقدر كبير من الفنية واللغة السينمائية الراقية الفيلم اللبناني "البحر أمامكم" للمخرج والمؤلف إيلي داغر، وهو فيلم، حسب ظني، لم ينل ما يستحقه من حفاوة وتقدير.
بين الفضفضة والشعر
إيلي داغر فنان سينمائي يتعامل مع السينما كما يتعامل الفنان التشكيلي مع لوحة أو الشاعر مع قصيدة: تركيز على الصورة وجمالياتها من تكوين وألوان وخطوط ومزاج وجو نفسي لكل لقطة، أكثر مما يركز على حكي حكاية بالحوار والمواقف الدرامية الحاسمة.
يظهر هذا الفارق بقوة إذا قارنا بين "البحر أمامكم" والفيلم اللبناني الآخر "كوستا برافا" للمخرجة مونيا عقل وبطولة نادين لبكي وصالح بكري، الذي فاز بالعديد من الجوائز في مهرجان "الجونة" الماضي، ويمثل لبنان رسمياً في مسابقة الأوسكار، وهو تقدير راجع، في ظني، إلى القضية التي يناقشها الفيلم أكثر مما يرجع إلى تميزه فنياً.
يناقش كل من "البحر أمامكم" و"كوستا برافا" موضوعاً واحداً تقريباً: أكوام القمامة والتلوث البيئي والفساد والسياسي التي ضربت لبنان، ولكن بينما يحكي "كوستا جرافا" قصته بطريقة ميلودرامية تقليدية: حكاية وشخصيات درامية نمطية، خيرة أو شريرة، وعبارات حوار كبيرة تشبه تقارير الأخبار وفضفضة المواطنين، وصراع واضح للغاية، فإن "البحر أمامكم" يروي موضوعه بلا قصة ولا حوار ولا صراع تقريباً!
يروي "كوستا برافا" الواقع الذي نراه في نشرات الأخبار، فيما يروي "البحر أمامكم" ما يحدثه هذا الواقع في نفوس الأفراد من اكتئاب واغتراب وشعور بعدم الانتماء.
وبينما يختار "كوستا برافا" شخصيات تعرف هويتها وهدفها: ناشط سابق يأخذ أسرته المكونة من زوجته وأبناءه وأمه للعيش في منطقة خضراء معزولة بعيداً عن المدينة الفاسدة، إلا أن المدينة تلاحقه ويأتي ممثلوها من سياسيين ورجال أعمال للاستيلاء على آخر بقعة خضراء ويغرقونها بالقمامة!
ما يفعله الفساد!
على الناحية الأخرى فإن جيني، بطلة "البحر أمامكم" ( تؤدي دورها منال عيسى)، فتاة صغيرة عائدة من محاولة فاشلة للهجرة إلى الغرب، ليس لديها قضية سياسية، ولا مواقف نضالية، وهي لا تجيد التعبير عن نفسها باللغة، بل تتهرب دوماً من الحديث حتى مع أبويها، ليس لديها خصوم سوى نفسها وصراعاتها الداخلية التي تمزقها. يتتبع الفيلم أحوالها النفسية ومشاعرها ومحاولاتها اليائسة للاندماج.
ربما يؤدي الفساد إلى نهب المليارات وتدمير اقتصاد البلد، ولكن الأسوأ حتى من ذلك أنه يدمر نفوس الشباب الأبرياء، الذين يفقدون طموحاتهم وأحلامهم بغدٍ أفضل.
لا يحمل "البحر أمامكم" جملاً مباشرة من هذا النوع، وهو ليس مشغولاً بايصال هذه الفكرة، أو غيرها، للمتلقي، على طبق من فضة، لكنه مشغول بتصوير واحدة من هؤلاء الشباب، والتعبير عما يختلج في قلبها وعقلها تعبيراً فنياً، ومحاولة وضع المشاهد داخل قلبها وعقلها.
على مدار أكثر من ساعتين ونصف الساعة يتأمل "البحر أمامكم" أحوال بطلته ورحلتها من اليأس والاستسلام إلى التمرد والخروج من السجن الداخلي الذي وضعت نفسها فيه، بتأن وصبر، من خلال لغة سينمائية "جمالية"، تحاول الوصول إلى الباطن، إلى الأثر الذي يحدثه الواقع الصعب على النفس، وهي لغة ربما تكون صعبة أحياناً، خاصة مع قلة الأحداث والحوار، لكن لا يمكن إنكار جمالياتها وتأثيرها الإجمالي.
يبدأ الفيلم بعودة جني من الخارج فجأة إلى بيت أبيها وأمها. يحاول الأبوان معرفة ما حدث، وسبب هذه العودة، لكن جني لا تقول شيئا. يحاول الأبوان التخفيف عنها ويدعوان بعض الأقارب للترحيب بعودة الابنة. وجني لا تعترض ولكنها غير متحمسة لأي شئ، تفضل الوحدة على مخالطة البشر.
بعد فترة تلتقي بالصدفة بحبيب قديم، وتنتقل للإقامة معه، ويبدو أنها وجدت أخيراً سلامها الداخلي وسعادتها، لكن هذا لا يستمر سوى لفترة قصيرة، فالحب الذي يحرر الانسان يتحول أيضاً إلى نوع من العبودية. وحياة اللهو والغياب عن الواقع التي تغرق فيها جني ربما تكون أكثر بؤساً من الواقع نفسه. وهي لا تدرك ذلك إلا عندما تصل إلى قاع مشاعرها السلبية، حينئذ تنتفض مرة أخرى وتستيقظ لتقاوم بكل ما أوتيت من قوة نفسية وبدنية، حتى تعود إلى الحياة.
الواقع النفسي للواقع
في فيلمه الأول القصير "موج 98" مزج إيلي داغر بين اللقطات الوثائقية لبيروت والرسوم المتحركة ليعبر عن حالة شاب وحيد تنتابه أحلام كابوسية عن المدينة، وقد فاز الفيلم بسعفة مهرجان "كان" كأفضل فيلم قصير في 2015، ما فتح الباب أمامه ليصنع فيلمه الروائي الأول "البحر أمامكم"، ويمكن ملاحظة التشابهات بين الفيلمين وأولها رغبة داغر في التعبير عن اللامرئي سواء في المدينة أو الذين يقطنونها.في "موج" حاول ذلك عن طريق استخدام "الأنيمشن" ورسم صور شعرية خيالية للمدينة التي انتشر فوق جسدها عمران عشوائي قبيح، لكن في "البحر أمامكم" انتقل إلى خطوة أخرى، وهي رسم صور واقعية محملة بالجماليات مع شريط صوت وموسيقى تصويرية مميزة، تعبر عن هذه الأشياء غير المرئية بالعين المجردة داخل النفس والمدينة.
بالرغم من الأحداث الهائلة التي مرت بها بيروت في العامين الأخيرين، والتي تغري بالتأكيد بالحديث عنها، إلا أن داغر في "البحر أمامكم" يفضل الحديث عن واقع آخر، هو الواقع النفسي لهذا الواقع!
*ناقد فني مصري




